شمال افريقياالخليج العربي و اليمنشؤون سياسة

المغرب وأوروبَّا وتحدِّي الهجرة غير الشرعية

اقرأ في هذا المقال
  • تُعدُّ الهجرة[1] ظاهرة عالمية ينتقل فيها الأشخاص من بلدهم الأصلي -بشكل دائم أو مؤقَّت- إلى بلد آخر لا يحملون جنسيته، وذلك لأسباب عدَّة، فمنها ما هو اجتماعي أو اقتصادي أو سيكولوجي أو تاريخي أو أمني…[2]

توطئة:

تُعدُّ الهجرة[1] ظاهرة عالمية ينتقل فيها الأشخاص من بلدهم الأصلي -بشكل دائم أو مؤقَّت- إلى بلد آخر لا يحملون جنسيته، وذلك لأسباب عدَّة، فمنها ما هو اجتماعي أو اقتصادي أو سيكولوجي أو تاريخي أو أمني…[2]، ومنها ما يكون نتيجةً للكوارث الطبيعية، كالزلازل والبراكين والفيضانات، ومنها ما يكون طلبًا للعلم والمعرفة، وتلاقُح الثقافات والحضارات.
ولقد أضحت الهجرة غير الشرعية -التي يُطلق عليها (الحريك)- في المغرب ظاهرة مجتمعية بارزة، ما يَنْحو بنا إلى الحديث أيضًا عن انتشار ثقافة الهجرة حتى لدى الموظَّفين[3]، ممَّا أدَّى إلى تزايد هذه الظاهرة بشكل خطير في السنوات الأخيرة، خصوصًا أنها تجاوزت الفرد الواحد وتكتَّلت في إطار مجموعات وشبكات منظَّمة عابرة للحدود، حتى صَعُب تدبير هذا الملفِّ بشكل أحادي لكبح تفاقم آثار هذه الظاهرة في الدول المتقدِّمة والنامية -على رغم تشديد المراقبة الحدودية، وفرْض بعض الإجراءات المحتشمة المرتبطة بالتنسيق والتعاون الأمني الثنائي والمتعدِّد الأطراف بين دول الجوار المتضرِّرة[4]– ما سهَّل توجُّه الشباب الإفريقي نحو وجهتهم المفضَّلة، أوروبَّا.
سابقًا، كانت عملية الانتقال من مكان إلى آخر سهلة وغير مقيَّدة، غير أنه بعد رسم الحدود وبروز مفهوم الدولة، أصبح الحديث عن قوانين تنظِّم عملية الدخول والإقامة في مختلِف الدول لفرض سيادتها على أراضيها، فقد انشغل الشباب ومختلِف الفئات الأخرى (القاصرون والنساء، حتى الحوامل منهنّ) بالتفكير في الرحيل عن دولهم الأصلية، وذلك بعد فقدانهم الأمل في وجود عمل يضمن لهم العيش الكريم في بلدانهم الأصلية النامية.
ولكن تبقى المقاربات الانفرادية المعتمَدة من قِبل الدول النامية والمتقدِّمة غيرَ كافية لمجابهة هذه الظاهرة، على رغم معاناتها هجرةً سرِّية مكثَّفة تشمل خمسة أصناف[5]:

  • أشخاصًا يدخلون البلد بطرق غير قانونية، ولا يُسوَّى وضعهم.
  • أشخاصًا يدخلون بطرق غير قانونية، ويبقَون بعد استيفاء مدَّة إقامتهم.
  • أشخاصًا يقيمون بشكل قانوني، ويعملون بصفة غير قانونية.
  • أشخاصًا يقيمون بشكل قانوني، ويمتهنون مهنًا لا تنظِّمها حقوق إقامتهم.
  • أشخاصًا مرافقين لمهاجرين يقيمون بسبل غير قانونية.

ومن ثَمَّ فالإشكالية التي سأحاول معالجتها في هذا الإطار تتمثَّل في التساؤلات التالية:

هل المقاربات الانفرادية لدول المصدر والعبور والاستقبال كفيلة بتدبير الهجرة غير الشرعية، للحدِّ منها أو على الأقلِّ تقليصها، بعدما تزايدت وتيرتها في الآونة الأخيرة من دول جنوب الصحراء نحو المغرب وأوروبَّا، حتى قبل وبعد الاتِّفاق العالمي للهجرة، المنعقد بمراكش يومَي 10 و11 دجنبر/كانون الأول 2018؟ ثم إلى أيِّ حدٍّ يمكن عدُّ المقاربة الأمنية السبيل الوحيد لمواجهة هذه الظاهرة؟ وألا يُعدُّ التعاون المغاربي والعربي فرصة للتنسيق والتوحُّد لمجابهة مختلِف التحدِّيات التي تعرفها المنطقة من جهة، والوقوفِ في وجه أوروبَّا لعدم فرض آرائها على هذه الدول من جهة أخرى؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، ستُعتمَد خطَّة العمل التالية:

أولًا: الهجرة غير الشرعية في المغرب:

تبنَّى المغرب استراتيجية وطنية في مجالَي الهجرة واللجوء، سعى من خلالها إلى تسوية وضع المهاجرين، وأطلقها خلال سنة 2014 ونهاية 2016. وقد بلغ عدد طلبات تسوية الوضع المقدَّمة أكثرَ من 56 ألف طلب، قُبل منها 43 ألفًا. ويُقدَّر عدد المهاجرين السرِّيين غير المشمولين بالإحصائيات بما يقارب 20 ألف مهاجر مقيم بشكل غير قانوني على التراب الوطني[6].
إذ أكَّدت معطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال سنة 2017 أنَّ عدد العمَّال المهاجرين في المغرب وصل إلى 26.283 شخصًا، 4.31٪ منهم من الإناث، و6.69٪ من الذكور، في مقابل 24.684 شخصًا خلال سنة 2016، و23.055 شخصًا خلال سنة 2015. وتجدر الإشارة إلى أنَّ توزيع العمَّال متنوِّع الجنسيات، ويشمل الكثير من الجنسيات المختلفة (الفرنسية – السنغالية – الإسبانية – التونسية – الفلبِّينية – الإفوارية – الجزائرية – الأمريكية – التركية) التي تشتغل في قطاعات مختلفة، كالخدمات والتجارة والصناعة التحويلية والبناء والفلاحة[7].
فقد أضحى كثير من الشبَّان الإفريقيين في السنوات الأخيرة ينتقلون من منطقة جنوب الصحراء للاستقرار في المغرب (ثم ينتقلون إلى أوروبَّا لاحقًا في حال سنحت لهم الفرصة)، ويتركَّزون في مجموعة من المدن (كالرباط والدار البيضاء وأكادير وفاس ومكناس وطنجة) التي يوجد فيها عدد لا بأس به من الجاليات الإفريقية المقيمة بشكل غير قانوني[8].
وقد جرى 80٪ من عمليات الهجرة بشكل رئيسي بين بلدان القارَّة الإفريقية[9]، إذ شكّل عدد المهاجرين الوافدين على المغرب ما نسبته 0.2% من مجموع السكَّان خلال سنة 2010[10]، في حين بلغ عدد المهاجرين في العالم خلال سنة 2017 قُرابة 258 مليونًا، وَفقًا لإحصائيات منظَّمة الأمم المتَّحدة، أي ما يعادل 3.4٪ من سكَّان العالم، حين شكَّلت نسبة النساء 48.4٪ من مجموع المهاجرين، مقابل 49.3٪ سنة 2000، إضافة إلى المهاجرين الداخليين الذين بلغ عددهم حسَب المنظَّمة الأممية 740 مليون شخص. في حين ينتقل ثلث المهاجرين من دول الجنوب نحو الدول المتقدِّمة، وينتقل الثلث الآخر بين بلدان الجنوب، أمَّا الثلث الأخير فينتقل بين بلدان الشمال.
ففي إفريقيا، قدَّرت منظَّمة الأمم المتَّحدة عدد المهاجرين خلال سنة 2017 بنحو 24.7 مليون مهاجر، أي ما يمثِّل 2٪ من سكَّان القارَّة. ووَفق المصدر نفسه، نجد أنَّ عدد المهاجرين في المغرب يصل إلى 101.200 مهاجر، أي ما يمثِّل 0.3٪ من إجمالي السكَّان سنة 2017[11]. وهو ما يجعل هؤلاء الشباب عند إقامتهم في أوروبَّا أو مختلِف المدن المغربية يبحثون عن قوت يومهم بشتَّى الطرق والوسائل، إضافةً إلى عدم ثقة المواطنين الأوروبِّيين أو المغربيين بهؤلاء المهاجرين حتى يشغِّلوهم، نتيجة عدم امتلاكهم للوثائق الرسمية التي تثبت هُويتهم وتنفي إقامتهم غير المشروعة، ممَّا يسهِّل استغلالهم من قِبل بعض أرباب العمل، الذين يهدِفون أساسًا إلى تحقيق الربح، دون مراعاة الضوابط القانونية الجاري العمل بها، أو احترام حقوق هؤلاء المهاجرين.
وعليه، فينبغي على المغرب مستقبلًا في تدبيره لظاهرة الهجرة غير الشرعية استحضار بعض المعطيات المرتبطة بالانتقال الديمُغرافي الذي يتزايد بوتيرة متسارعة، خصوصًا أنَّ المندوبية السامية للتخطيط أكَّدت أنَّ عدد السكَّان سيصل إلى 43.6 مليون بحلول سنة 2050، بدلًا من 33.8 مليون نسمة، كما سجَّلت خلال إحصاء 2014، علاوةً على ما يجري في سوريا وليبيا، والذي من شأنه أن يُسهِم في ارتفاع معدَّل الهجرة إلى المغرب، ويرفع من حجم تحدِّيات مواجهة هذه الظاهرة.
ومن الواضح أنَّ محاولة الاندماج بين المغرب والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيداو) في المجال التجاري، ستكون لها آثار اقتصادية مهمَّة تتمثَّل في التحويلات المالية للأسر. في حين تبقى هجرة اليد العاملة القادمة من بلدان غرب إفريقيا ذاتَ تأثير إيجابي محدود في اقتصاد المغرب[12]، غير أنَّ الإدماج عن طريق التشغيل يُعدُّ عنصرًا أساسيًّا في تسهيل عملية إدماج الأجانب في المجتمع المغربي[13] والأوروبِّي.
مع الإشارة إلى أنَّ مشكلة البطالة بين صفوف الشباب في إفريقيا تشهد ارتفاعًا مهولًا، إضافةً إلى مشكلات أخرى مرتبطة بظاهرة الفقر وتدنِّي مستوى المعيشة، وضعف الخدمات التي تقدِّمها الدولة للمواطنين[14]، علاوةً على أسباب أخرى سياسية متمثِّلة في نظم الحكم الاستبدادية، وأخرى اجتماعية متمثِّلة في التنشئة الاجتماعية غير السليمة، التي تسهم في تكريس ضعف الشعور بالانتماء إلى الوطن.
ونظرًا إلى كون الهجرة الدولية غدت منظَّمةً ومركِّزةً على اليد العاملة المؤهَّلة، فقد سعت الدول إلى تطوير اقتصاداتها بكفاءات ومعارف جديدة، لتلبية احتياجاتها في بعض القطاعات، واستقطاب الأطبَّاء والمهندسين والأساتذة. ما يدفعنا إلى الحديث عن هجرة الكفاءات التي لم تلقَ ترحيبًا في بلدانها الأصلية النامية، لتستقرَّ في بلدان الاستقبال المتقدِّمة، التي تقدِّر قيمتها وتوفِّر لها الأجواء الملائمة والمريحة للعمل.
إنَّ المقاربة الأمنية المعتمَدة من قِبل الدول المتقدِّمة والدول السائرة في طريق النموِّ، المتمثِّلة في عمليات الترحيل والاعتقالات والمطارَدات وبناء سياجات أو أسوار مادِّية أو افتراضية، لن تُجدي نفعًا في حلِّ هذا المشكلة، ما لم يصاحب ذلك مقارباتٌ أخرى اقتصادية واجتماعية وتنموية جماعية من قِبل دول الجوار في إطار من التعاون والتنسيق، لإيجاد فرص عمل للشباب تُقلِّص من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي أثقلت كاهل دول المصدر والعبور والاستقبال.

ثانيًا: المغرب وأوروبَّا ومواجهة الهجرة غير الشرعية:

إنَّ الموقف المغربي الرافض لإقامة مراكز لإيواء المهاجرين على أراضيه، عبَّر عنه الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيِّد الخلفي، بقوله بأنَّ هذا الطلب الأوروبِّي ليس حلًّا، بل تصدير للمشكلة. ولكن في نظري أنَّ المشكلة ما زالت قائمة، وبعبارة أخرى، فإنَّ هذا الواقع أصبح موجودًا، وأصبح إنشاء بعض المراكز لإيواء المهاجرين ضرورة ملحَّة، من شأنها أن تسهم في التقليل من احتلال الشباب الإفريقي لبعض الفضاءات العمومية والمنازل المهجورة، والمبيت أمام محطَّات الطرق وفي الحدائق والشوارع، ومشكلة النفايات، وتشويه منظر المدن. بل أكثر من ذلك، فالموقف الحكومي لا ينسجم مع نصِّ الفصل الـ30 من دستور 2011، الذي يقرُّ بتمتُّع الأجانب بحقوق المواطنين المغربيين نفسها.
إنَّ الموقع الجغرافي للمغرب القريب من أوروبَّا جعله مكانًا مفضَّلًا للشباب الأفارقة، فتارةً يكون محطَّة للاستقرار، وتارةً أخرى محطَّة للعبور إلى الضفة الأخرى، بعد المرور بمجموعة من المراحل التي تهدِّد حياة المهاجرين، كركوب (قوارب الموت)، والمرور من مسالك وعرة، والجوع والعطش، وانتشار الأمراض، قبل الوصول إلى النقطة المحدَّدة، إن هم وصلوا إليها.
فالقارَّة الإفريقية تعرف تهديدات أمنية خطيرة تتناسل في المنطقة، خصوصًا في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، التي تُعدُّ من أقدم الصحاري وأكبرها في العالم، إذ تزيد على 9 ملايين كيلومتر مربَّع بمناخها القاسي، ضامَّةً مجموعة من الدول، هي: المغرب والجزائر وتونس، وليبيا ومصر والسودان، وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد. وهذه المنطقة تحتوي على بعض الواحات، في مصر وليبيا والجزائر.
كما أنَّ هناك بعض الإشكالات التي تسهم في ارتفاع وتيرة التهديدات الأمنية بشمال إفريقيا الصحراء وجنوبها، ويبدو هذا الأمر جليًّا من خلال جمود الاتِّحاد المغاربي، على رغم أنَّ هذه الدول جعلت من بنائه خِيارًا استراتيجيًّا في دساتيرها.
ويُعدُّ جمود الاتِّحاد المغاربي أحد الأسباب التي أسهمت في تقوية التعامل مع الدول الإفريقية، على رغم أنَّ التحدِّيات الاقتصادية والأمنية التي تعيشها الدول المغاربية قد تكون مدخلًا مهمًّا إلى تفعيل هذا الاتِّحاد، لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى، فاتِّحاد الدول المغاربية سيكون أكثر فعاليةً من تعامل الدول بشكل فردي وأحادي مع دول جنوب الصحراء أو الاتِّحاد الأوروبِّي، وغيرهما من التكتُّلات الأخرى في العالم. بل أكثر من ذلك، فهذا التعاون والتنسيق سيقلِّص من عمليات تدخُّل القُوى الدولية الكبرى في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية عمومًا، والدول المغاربية والعربية على وجه الخصوص.
إنَّ المقاربة الانفرادية للدول المغاربية[15] لن تُجدي نفعًا في مواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو (التنظيمات الإرهابية) أو مختلِف التهديدات الأمنية الأخرى التي تتناسل بشكل كبير في المنطقة، وبذلك يمكن الإقرار بإخفاق هذه المقاربات في التصدِّي لمختلِف التحدِّيات التي تواجهها المنطقة.
في حين أنَّ الدول الأوروبِّية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام تحدِّيات ظاهرة الهجرة غير الشرعية بدخول أعداد كبيرة لأراضيها، فقد وحَّدَت هذه الدول سياساتها في هذا الشأن منذ قمَّة تامبير 1999 ولاهاي 2004 وستوكهولم 2008، وهي سياسات أقرَّها البرلمان والمجلس الأوروبِّيَّين في الميثاق الأوروبِّي للهجرة واللجوء، الذي صادق عليه المجلس الأوروبِّي في يومَي 15 و16 أكتوبر/تِشرين الأول 2008. فعلى الرغم من السياسات المعتمَدة، فقد سبق لخبراء هذه الدول وساستها أن تنبَّؤوا بإخفاقها دون إشراك دول المصدر والعبور، فوُرِّطَت هذه الدول الأخيرة من خلال اتِّفاقيات ثنائية تحت اسم التدبير التعاوني في ميدان الهجرة، أُلزِمَتها دول المصدر في إفريقيا، فتوجَّبت عليها المساهمة والمشاركة في مراقبة الشباب الأفارقة والحدِّ من هجرتهم، وقبولها ترحيل المهاجرين من مواطنيها إليها[16].
وفي مقابل ذلك، نجد دول المصدر والعبور تستفيد من الدعم والمنح والمساعدات تحت مظلَّات وأسماء مختلفة، كالمساعدة من أجل التنمية، والشراكة من أجل التنمية، والمساعدات في إطار الوضع المتقدِّم، كما هو الشأن بخصوص المغرب وتونس. وبذلك أخطأت دول الشمال والغرب الإفريقي بإبرام اتِّفاقيات التعاون الثنائي[17]، إذ فرضت الدول الأوروبِّية على دول المصدر والعبور مراقبة حدودها الخارجية، بل قبولها في أحيان أخرى بالمساهمة البشرية الأوروبِّية بشكل مباشر في عمليات المراقبة على أراضي بعض الدول الإفريقية، وفي مناطق محدَّدة معروفة بنقاط العبور السرِّية السوداء، وبخاصَّةٍ السواحل المغربية الموريتانية التي تشارك فيها قوَّات من حرس خفر السواحل الإسباني، مع القوَّات المساعِدة المغربية أو القوَّات الموريتانية[18].
وفي مقابل ذلك، فقد واجه توحيدَ السياسة الأوروبِّية في مجالَي اللجوء والهجرة مشكلاتٍ وتناقضات كبيرة، خصوصًا أنَّ دول الاتِّحاد لم توقِّع على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمَّال المهاجرين وأفراد أسرهم، علاوةً على الضغوط التي يستعملها الاتِّحاد الأوروبِّي من أجل سنِّ القوانين المقيِّدة لحركة الأشخاص في أراضيها (المغرب وتونس في 2003، ثم الجزائر في 2008، ثم ليبيا في 2010، ثم مصر في 2016)، قَصْدَ إبرام اتِّفاقيات إعادة القبول وتقوية التعاون الأمني (المساعدة التقنية وإجراء دوريات مشتركة)، باستثمار التطوُّرات التكنولوجية للتحكُّم في تدفُّق المهاجرين[19].
مع الإشارة إلى أنَّ هناك الكثير من الاتِّفاقيات الثنائية التي أُبرِمت بين الدول المغاربية والعربية بخصوص مواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، إلَّا إنَّ هذا التعاون لم يصل مداه، فالحدُّ من هذه الظاهرة مرتبط بالتعاون والتنسيق بين الدول المتضرِّرة من هذه المشكلة، وهذا لا يعني التعاون الأمني فقط، بل ينبغي أن يطول هذا التعاون والتنسيق المجالاتِ الاقتصاديةَ والاجتماعية المرتبطة بتشغيل الشباب، ذلك لأنَّ المقاربة الأمنية وحدَها غير كافية.
وتفرض الظرفية الراهنة على دول المنطقة الاتِّحادَ حتى تتغلَّب على مختلِف التحدِّيات الموجودة من جهة، ثم الوقوف في وجه الدول الأوروبِّية والاستماتة ضدَّ فرض مواقفها وشروطها في المفاوضات الجارية بين الطرفين، لمواجهة مختلِف المشكلات التي تعرفها المنطقة من جهة أخرى.
فالدول الأوروبِّية تحاول فرض استراتيجيتها على دول الجنوب لحماية حدودها، وفي هذا السياق، يرفض المغرب عدَّه حارسًا أو دَرَكِيًّا لها. لكن في مقابل ذلك، تقدِّم هذه الدول الغربية مساعدات لدول الجنوب، تضغط بها عليها لحماية حدودها من مختلِف التحدِّيات المشتركة، على رغم أنَّ مسلسل برشلونة كان هدفه جعل منطقة البحر الأبيض المتوسِّط منطقةَ أمن وازدهار، لكنَّ هذا الهدف بقي بعيدًا في ظلِّ السياسات الأوروبِّية المعتمَدة في هذا الشأن. بمعنًى آخر، ينبغي بذل المزيد من الجهود المشتركة في سبيل التعاون مع الدول المغاربية والعربية في الشراكة الأورومتوسِّطية[20].

خاتمة:

تعرف ظاهرة الهجرة غير الشرعية انتشارًا كبيرًا في الكثير من الدول التي تحتلُّ مواقع جغرافية مهمَّة. فالسياسات والمقارَبات الانفرادية المعتمَدة من قِبل الدول لمواجهة هذه الظاهرة، تبقى غير كافية للحدِّ منها أو على الأقلِّ تقليصها، وذلك في ظلِّ وجود الكثير من العوامل المساهمة في تزايد الظاهرة التي ارتبطت بـ(الإرهاب) في دول الجنوب.
إنَّ وصول المهاجرين إلى المناطق التي حدَّدوها لا يعني الانتهاء من الصعوبات التي اعترضتهم في بداية طريقهم، بل إنهم بعد وصولهم سيجدون مشكلات أخرى مرتبطة بالاندماج في تلك الأوساط، والتمييز العنصري في بعض الأحيان[21].
ولقد قُدِّر عدد وفَيَات المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر من إفريقيا إلى أوروبَّا بقُرابة 1000 شخص كلَّ سنة، وربَّما يصل إلى 2000 شخص وَفْق تقديرات لجنة الهجرة الكاثوليكية سنة 2011. فضلًا عن منظَّمة الهجرة الدولية التي قدَّرت أيضًا عدد وفَيَات المهاجرين بقُرابة 5000 مهاجر سنة 2014[22]، فهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على ضرورة التعاون والتنسيق الجماعي، للتقليص من مخاطر هذه الظاهرة التي يذهب ضحيتها كثير من الشباب.

[1]– ثمَّة هجرة شرعية/نظامية، وأخرى غير شرعية لا تُحترم فيها القوانين الجاري العملُ بها في بلد الإقامة.

[2]– للمزيد من التفاصيل، انظر البشير أبولاه: “العوامل المغذِّية للهجرة في المتوسِّط”، في مؤلَّف جماعي حول الهجرة في حوض المتوسِّط وحقوق الإنسان، أشغال الندوة الدولية التي نظَّمتها منظَّمة العمل المغاربي ومجلس الجالية المغربية بالخارج بشراكة مع مؤسَّسة هانس سايدل في مراكش، يومَي 27 و28 يناير/كانون الآخِر 2018، ص139 وما بعدها.

[3]– محمد الخشاني: “هجرة الشباب العربي إلى دول الاتِّحاد الأوروبِّي: قراءة نقدية في السياسة الأوروبِّية للهجرة”، مؤلَّف جماعي حول “الهجرة في حوض المتوسِّط وحقوق الإنسان”، في أشغال الندوة العلمية التي نظَّمتها منظَّمة العمل المغاربي ومجلس الجالية المغربية بالخارج بشراكة مع مؤسَّسة هانس زايدل في مراكش، يومَي 27 و28 يناير/كانون الآخِر 2018، ص25.

[4]– للمزيد من التفاصيل بخصوص تحدِّيات الهجرة غير الشرعية وآثارها، انظر:

Les défis migratoires au XXI siècle quelles réponses; rapport du groupe de diagnostic n° 7-27e session nationale: et justice: 2015-2016 p13-16.

[5]– إدريس لكريني: تقرير غير منشور حول الندوة الوطنية: “الهجرة واللجوء بالمغرب”، التي نظَّمها فرع المنظَّمة المغربية لحقوق الإنسان بطنجة بشراكة مع المفوَّضية السامية لشؤون اللاجئين، يومَي 15 و16 مارس/آذار 2008 بمدينة طنجة.

[6]– رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الهجرة وسوق الشغل، إحالة ذاتية رقم 37/2018، ص14.

[7]– رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الهجرة وسوق الشغل، المرجع السابق ص16-17.

[8]– لا نتحدَّث هنا بطبيعة الحال عن الأشخاص المقيمين بشكل قانوني في المغرب من طلبة وعاملين.

[9]– رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الهجرة وسوق الشغل، إحالة ذاتية رقم 37/2018، ص12.

[10]– تقرير التنمية البشرية لسنة 2013: “نهضة الجنوب: تقدُّم بشري في عالم متنوِّع”، برنامج الأمم المتَّحدة الإنمائي، ص196.

[11]– رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الهجرة وسوق الشغل، إحالة ذاتية رقم 37/2018، ص8-9.

[12]– المرجع السابق ص21.

[13]– المرجع السابق 25.

[14]– ندوة نظَّمها مركز الدراسات والبحوث بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، حول موضوع “مكافحة الهجرة غير الشرعية”، جريدة الأمن والحياة، العدد 333، صفر 1431هـ، الرياض – السعودية، ص21-22.

[15]– هذا لا يمنع من تحرُّك الدول بشكل فردي، لكنَّ المقاربة المبنية على التنسيق والتعاون فعَّالة مقارنةً بسابقتها.

[16]– صبري الحو: “المغرب والهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء”، منشور يوم الأربعاء 21 دجنبر/كانون الأول 2016 على الموقع الإلكتروني لمركز الجزيرة للدراسات:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2016/12/161221075959991.html

[17]– خصوصًا أنَّ تعامل دول الجنوب يكون فرديًّا مع الاتِّحاد الأوروبِّي.

[18]– صبري الحو: “المغرب والهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء”، المرجع السابق.

[19]– محمد الخشاني: “هجرة الشباب العربي إلى دول الاتِّحاد الأوروبِّي: قراءة نقدية في السياسة الأوروبِّية للهجرة”، مؤلَّف جماعي حول “الهجرة في حوض المتوسِّط وحقوق الإنسان”، في أشغال الندوة العلمية التي نظَّمتها منظَّمة العمل المغاربي ومجلس الجالية المغربية بالخارج بشراكة مع مؤسَّسة هانس زايدل في مراكش، يومَي 27 و28 يناير/كانون الآخِر 2018، ص33-34.

[20]– محمد الخشاني: “هجرة الشباب العربي إلى دول الاتِّحاد الأوروبِّي: قراءة نقدية في السياسة الأوروبِّية للهجرة”، مرجع سابق، ص40.

[21]– المجرم الذي قتل المسلمين في هجومه على مسجدين بنيوزيلاندا في مدينة كرايست تشيرش في شهر مارس من سنة 2019، سوَّغ فعلته بأنَّ هجرة المسلمين تشكِّل تهديدًا لهم، كما وصفهم بالغزاة، ورأى أنه بارتكابه لهذا الفعل الإرهابي سيقلِّص من هجرة المسلمين.

[22]– أمبارك إدريس طاهر الدغاري: “مخاطر الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى أوروبَّا والسياسات المتَّخَذة لمكافحتها”، المجلة الليبية العالمية، العدد 8، يوليوز/تمُّوز 2016، جامعة بنغازي، كلِّية التربية، المرج – ليبيا، ص8.

د. محمد لكريني

أستاذ باحث بكلِّية الحقوق أيت ملول – جامعة ابن زهر – المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى