السياسة الخارجيةالخليج العربي و اليمنشؤون سياسة

جدلية الأمننة ونزعها في علاقة الإخوان المسلمين بالنظام الحاكم في الكويت

اقرأ في هذا المقال
  • لم تعد علاقة الإسلاميين بالحكم تندرج ضمن المسائل النظرية والفكرية، بل أضحت في الفترة الحالية ضمن القضايا السياسية المثيرة للجدل، وهي علاقة نشأت بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة

توطئة:

لم تعد علاقة الإسلاميين بالحكم تندرج ضمن المسائل النظرية والفكرية، بل أضحت في الفترة الحالية ضمن القضايا السياسية المثيرة للجدل، وهي علاقة نشأت بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة في أكثر من دولة عربية في سياق التحولات السياسية بعد 2011. وعلى الرغم من رفض الإسلاميين في البداية تأييد الاحتجاجات التي جابت عواصم عربية عدّة إلّا أنه وبعدما تبين استنزاف النظم الحاكمة لقدراتها في البقاء، قرروا خوض غمار المنافسة، وكانت انطلاقتهم من مجالين اثنين؛ أولهما مجال المعارضة وهو ما مكّنهم من التعرف على مشكلات الواقع وتحدياته الأساسية، أما الثاني فهو التعرف على مجال الحكم الذي يستلزم استعدادهم لتحمل تبعات وصولهم لمواقع صنع القرار.

ولأن جماعة الإخوان تندرج من ناحية الفكر تحت مسمى الأيديولوجيا، فمن الطبيعي جداً أن يكون لها تصور معين للدولة المثالية، والتي يجب أن تسود الأمة الإسلامية، وأهم ما يعطي لها القبول، هو أن الرؤية الاستراتيجية الدولاتية للإخوان تتماشى مع شروط الديمقراطية، مما يشرعن منافستها كأنموذج هام للحكم، كما ويعزز طموح الجماعة في فرض أيديولوجيتهم على دول أخرى من خلال عملية الانتشار. 
ومن البديهي بأن يفتح صعود الإسلاميين للمجال السياسي الباب أمام تساؤلات فيما يتعلق بالجانب الحقوقي المتمثل في أثر هذا الصعود على التعددية والحرية وحقوق الفردية، أو الأثر الناتج عنه على الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة وخاصة في الأنظمة المحافظة في الخليج. وبالفعل بدأت صحة هذه الأطروحات بتأكيد نفسها في أعقاب ما شهدته الكويت مؤخراً من وجود خلية إسناد تابعة للإخوان المسلمين. ويبدو أن هذه التطورات أظهرت مدى التهديد الوجودي الذي يواجهه النظام مع استمرار مطالب وأفعال المعارضة.

وعلى الرغم من انعدام قدرة الإخوان على الوصول إلى حد إسقاط أي نظام حكم على شاكلة ما حدث في الأنظمة الجمهورية، ومع أن الحركة الإسلامية شهدت تراجعاً في أكثر من دولة عربية بعد الانقلاب العسكري في مصر 2013،  إلا أنه وبالخروج من الثنائية المانوية المختصرة تحت معادلة “استقرار أو انهيار”، يدفع هذا الوضع بالكويت لأن تكون أكثر حساسية في معظم أحيانها تجاه أي تغيّر طارئ في البيئة الإقليمية وانعكاساتها الداخلية، إذ يرجع ذلك إلى الظروف نفسها التي أدت إلى موجة التغيير، خاصة وأن طبيعة الممارسة السياسية التسلطية تعتبر عامل مشترك بين الأنظمة، وبالتالي ستواجه الكويت نفس التحديات إن لم تكن قادرة على التكيّف الاستراتيجي على نحو يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التهديدات العابرة، والمقصود هنا هي موجة صعود الإخوان المسلمين على مختلف المستويات المحلية والإقليمية.

تنطلق الورقة من فكرة مفادها أن السياق الإقليمي الذي تميّز بأمننة الإخوان في دول الخليج قد وضع ما يسمى “الديمقراطية الاستثنائية” في الكويت على المحك بشأن استراتيجية التعامل مع الفرع المحلي للإخوان، علما بأن هذا الأخير، قد تواجد في الكويت منذ بدايات التأسيسية الأولى، وقد ساهم في الكثير من عمليات التحديث التي شهدتها الإمارة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

أولاً: الإخوان المسلمون: ثنائية الصداقة والعداوة وتوجهات الداخل والخارج

 عَرفت الأهداف الأممية للإخوان حالات تكيف أيديولوجية تحت إطار النقد الذاتي لها كاستجابة لضرورات الانخراط في العمل السياسي، وهو ما دفعها إلى التراجع، ولو ظاهريا، عن مشروع الدولة الإسلامية، حيث عكس الأخير في مضمونه تفكيرًا رغبوياً، لتتوجه الجماعة بدلاً من ذلك إلى الاشتباك السياسي الداخلي والقبول بالإطار الوطني والعمل على حل مشاكله وأزماته المختلفة بعدسة واقعية. إلّا أنه في حالة التطرق إلى جماعة الإخوان المسلمين داخل دول الخليج فلابد أن نضع جدلية العلاقة مع الأنظمة الملكية في بؤرة الاعتبار لفهم طبيعة العلاقة بينهما، لذا فالإشكال الحتمي هنا، هل أيديولوجية الإخوان المسلمين في الممالك الخليجية تشكل بديلاً عن الأنظمة الملكية؟        

بالاعتماد على ثنائية “الصداقة والعداوة” وتوجهات “الداخل والخارج”، يمكن أن نستنتج مجموعة من العلاقات المختلفة وهي مؤطّرة على النحو التالي:

  • بالنسبة لثنائية الصداقة والعداوة نجد العلاقات التالية:
  • علاقة صداقة بين الإخوان ونظام الحكم: البحرين وقطر.
  • عداوة بين الإخوان ونظام الحكم: الإمارات والسعودية.
  • علاقة تتراوح بين الصداقة والعداوة مع النظام الحاكم: الكويت وعمان.
  • أما بالنسبة لتوجهات الداخل والخارج نجد العلاقات التالية:
  • توجهات الإخوان الداخلية: البحرين وعمان والإمارات والسعودية.
  • توجهات الإخوان الخارجية: قطر.
  • توجهات للإخوان تتراوح بين الداخل والخارج: الكويت.
  • من خلال تقاطعات الصداقة والعداوة مع توجهات الداخل والخارج نجد العلاقات التالية:
  • صداقة / توجهات الداخل: البحرين.
  • صداقة / توجهات الخارج: قطر.
  • عداوة / توجهات الداخل: السعودية والإمارات.
  • عداوة/ توجهات الخارج: …………
  • بين العداوة والصداقة / بين توجهات الداخل والخارج: الكويت وعمان.
  • عداوة / بين توجهات الداخل والخارج: ……
إن مقاربة الدراسة لعلاقة الإخوان المسلمين بالسياسة والحكم في الممالك الخليجية انطلاقاً من تقاطعاتِ ثنائيةِ “الصداقة والعداوة” مع توجهاتِ الداخل والخارج، تبين أيضاً أن كلّ دولة من الدول المُشَكّلة لمجلس التعاون الخليجي لها خصوصية في جوانب معينة تختلف فيها عن باقي الممالك، فبالنظر إلى الثنائيتين السابقتين، تجد الدراسة أن أغلب توجهات إخوان الخليج موجهة للداخل، حيث أنه وبالنسبة لإخوان قطر وعلى الرغم من توجهاتهم الخارجية إلّا أن أجندتهم لا تشكل تهديداً لدول الخليج، مما سمح لهم بهامش المناورة بغضّ النظر عما إذا كانت صدامية في بعض الأحيان كما هو الحال بالنسبة للكويت والسعودية والإمارات على سبيل المثال، ومن هنا فقد أصبحت علاقة إخوان الخليج بالتنظيم الأم تأتي في الدرجة الثانية بعد علاقتهم بالأسر الحاكمة. بيد أن هذه المراجعات الآنف ذكرها إضافة إلى القبول بالعمل على المستوى الوطني، لم تُزِل الشكوك حول الإخوان المسلمين؛ حيث أنه وبالنسبة لدول المجلس فهذه المراجعات لم تكن نتيجة تحول جذري في فكر الإخوان بقدر ماهي تحول براغماتي يصب في دائرة التكيّف التكتيكي الذي يهدف إلى دخول المجال العام ومن ثم احتكاره، ومن المنظور نفسه ترى دول مجلس التعاون باستثناء قطر صعودَ الإخوان المسلمين من خلال أربعة زوايا، نبدأ بأولها:

  1. تتناقض إيديولوجية الإخوان بما تحمله من قيم مع تلك التي تقوم عليها ركائز الأنظمة الحاكمة، ذلك أن صعود الإخوان إلى المجال السياسي يحتمل أن ينعكس على تصورهم للسياسة الخارجية وبالتالي سينعكس على تصورهم لقضايا الإقليم ويعزز احتمالية انتشارهم وتوسعهم، ومن هذا المنطلق فإن أي حكومة تنبثق عن الإخوان في الدول التي عرفت تحولات سياسية، ستبقى تشكل تهديداً محتملاً بالنسبة لدول المجلس.
  2. أما على صعيد المنظور الثاني، فإن احتمال صعود الإخوان سوف يؤدي بهم إلى الانقلاب على ركائز السياسات الخارجية في عهد الأنظمة السابقة، حيث تبقى إمكانية تشكل المحور الإيرانيالمصري قائمةً، نظراً للمبادئ الأيديولوجية المشتركة والتي تربط بين إيران والإخوان المسلمين، ويعد أبرزها اشتراكهم في المفاهيم الثورية كاعتبار “الثورة في مصر مستلهمة من الثورة الإسلامية في إيران”، وهو ما يعني أن الحراك المصري ما هو إلّا المقدمة للصحوة الإسلامية والديمقراطية الدينية التي تحدث عنها الخامنئي. كما ويضاف للإخوان اشتراكهم في المواقف تجاه بعض القضايا مع إيران؛ كالموقف من الغرب، ومعارضة الاستكبار العالمي، ومناهضتهم لإسرائيل في مقابل دعمهم لحركة حماس… إلخ، وهي مشتركات لا بد أن تؤدي بنا إلى النقطة الثالثة.
  3. التغيّر في خريطة التحالفات الإقليمية بالمنطقة، وهي الحسبة الأكثر حذراً في استراتيجية مجلس التعاون، حيث أن احتمال التقارب الإيراني-المصري والمشار إليه هنا بما قبل الانقلاب العسكري، يعني انضمام مصر إلى “محور الممانعة” وبالتالي خروجها من محور “الاعتدال” الذي ضم إلى وقت قريب؛ إضافة إلى مصر كلاًّ من الأردن، ودول مجلس التعاون الخليجي مع استثناء قطر، في حين أن محور “الممانعة”، ضمّ كلاًّ من سوريا، قطر، حزب الله اللبناني وحركة حماس، إضافة إلى إيران وتركيا. وبالتالي فإن انضمام مصر إلى “محور الممانعة” سيشكل خللاً في المحور المواجه بفقدانه أحد أضلاعه الارتكازية، مما يبقي دول مجلس التعاون شبه وحيدة في مواجهة التغيير الحاصل في خريطة التحالفات الجيوسياسية.
  4. من وجهة نظرٍ رابعة يستند عليها مجلس التعاون، فإن الحديث عن احتمالية الصراع بين نموذجين للحكم، والمعروفان بنموذج الإسلام التقليدي مقابل نموذج الإسلام الحركي، هو نتيجة حتمية لاحتمالية انتشار النموذج الإسلامي الحركي ضمن البيئة التي يهيمن عليها النموذج التقليدي، وقد يسهل ذلك وجود تيارات في الخليج محسوبة على الإخوان المسلمين، كما أن كونها أكثر استقلالية عن الحكومات الخليجية يُصَنّف بحد ذاته تحت إطار النماذج المختلفة عن النموذج الرسمي للحكم في دول المجلس، حيث أن باستطاعتها صياغة المشهد السياسي والتأثير في مخرجاته، من خلال فرض نفسها على المدخلات السياسية الراهنة مستفيدة من الحالة اللحظية التي ميزت صعود الإخوان في السياق العربي. وفي ظل هذه التطورات التي أكسبت هذه الجماعات شعبية على حساب الحكومات، تبدو الأخيرة بحاجة إلى القدرة على درء المخاطر التي تحدق بها جراء صعود الإخوان، واحتمال انتشارهم إقليميا، والرهانات المتتابعة لها، حيث أن ثنائية الصداقة والعداوة توفر البنية الأساسية للولاء والتضامن الذي يدعم قدرة الدولة على اتخاذ قرار فعّال بشأن العدوّ المحتمل، انطلاقاً من المفهوم (الويبري) للسيادة باعتبارها القوة الشرعية للحكم.

ثانياً: أمننة صعود الإخوان المسلمين في الممالك الخليجية:

باللجوء إلى الاكتشاف النظري الذي أحدثته مدرسة كوبنهاجن بتوسيعها لقطاعاتٍ ومرجعياتٍ أمنية، وباستخدامها لمتغير “الأمننة – Securitization” كأداة تحليلية جديدة في التحليل الأمني، أمكننا استخدام هذا المفهوم لتقديم صعود الإخوان المسلمين إلى المجال السياسي، واحتمال انتشارهم إقليمياً كتهديد. وانطلاقاً من التركيز الدولاتي للأمن بهدف البقاء حسبما أشار الكاتب توني بوزان المعروف بكتاباته في حقل الذاكرة، فإن الأمننة في هذه الحالة، هي تبني الدولة كونها صاحبة الحق لقضية معينة، وتحويلها إلى إطار التهديد الأمني، وهو ما يخوّلها القيام بإجراءات استثنائية استجابة لذلك. وعليه، فإن المشكلة الأمنية بشكلٍ مبسطّ، هي ما تتبناها النخب من اتهامٍ مباشر على أنها كذلك، حتى ولو لم تشكّل أي تهديد أمني على المَدَيين القريب والبعيد، وبمعنى آخر فإن أمننة قضية معينة ليست بالضرورة بسبب وجود تهديد موضوعي، ولكن بسبب تقديم القضية كتهديد أمني، أي أنه وعبر الانتقال بها من مجال المألوف وتسييسها التدريجي فإنها تتحول تلقائياً إلى قضية أمنية، والهدف من أمننة هذه القضية هو شرعنة الفعل الأمني باعتباره يعمل على إسكات المعارضة، ويتيح لمن في السلطة استخدام الأدوات الشرعية لاستغلال التهديد المحتمل بهدف تحقيق أهداف معينة. وتتم عملية الأمننة في هذه الحالة من خلال نقل القضية من الحيز السياسي العام وهو حيز تعتبر فيه قضية عادية لا تثير أي تهديد أمني إلى دفعها فوق الاعتبارات السياسية واعتبارها جزء من السياسة العامة، ثم تنقل بعدها إلى الأمننة باعتبارها قضية أمنية تتطلب إجراءات استثنائية.
وعلى صعيد أمننة الإخوان المسلمين، فقد مرّت تلك بمراحل ثلاثة:

  • المرحلة الأولى:

وهي إعتبارُ الإخوان قضية غير مسيّسة، بحيث لم يطرح تواجدهم في دول المجلس كقضية للنقاش الأمني، كما أن ما يُكوّنه الإخوان من شريحة داخل المجتمع نفسه، ساهمت على مدى سنوات في العديد من عمليات التحديث التي كانت تخوضها دول المجلس، من حيث صياغة العديد من المناهج التربوية والتعليمية، كما أنهم تقلدوا مناصب وزارية في التربية، والعدل، والتعليم العالي، وهيمنوا على الاتحادات الطلابية وجمعية المعلمين، وبذلك توسعت قاعدتهم الشعبية كما هو الحال بالنسبة للإمارات.

في السعودية تميزت المراحل التأسيسية الأولى للإخوان فيها بعلاقات جيدة مع النظم الحاكمة، كما شهدت أعلى مستويات التقارب؛ فعلى سبيل المثال، كانت هناك علاقات شخصية بين حسن البنا والملك عبد العزيز بن سعود 1926.

أما إخوان عمان، فقد حددوا هدفهم في البدايات التأسيسية على أنهم حركة معتدلة تعليمية أكثر منها سياسية، تتبنى المنهج الإصلاحي، ولا تسعى الى السلطة.

في البحرين، تميّزت جماعة الإسلام السياسي بخصوصية استثنائية عن باقي إخوان الخليج، كونهم يشكلون جزءاً من النظام الحاكم فيها؛ حيث يعتبر الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة، بمثابة “الأب الروحي” لجمعية الإصلاح، بيد أنه وعلى الرغم من انتمائهم الفكري للإخوان، إلا أن علاقتهم بالإخوان الأم تأتي ثانيا بعد علاقتهم بالأسرة الحاكمة.

الخصوصية الأخرى والتي ظفر الإخوان بها في علاقتهم مع النظم الحاكمة هي التواجد الإخواني في قطر الذي يشكل استثناء هو الآخر، حيث استقطبت الدوحة العديد من القيادات الإخوانية من مختلف الدول وعلى رأسهم يوسف القرضاوي. كما شكل دعم الإسلاميين بالنسبة للسياسة الخارجية القطرية أحد السمات التي ميزت السلوك الخارجي لقطر عن باقي دول مجلس التعاون الخليجي.

  • المرحلة الثانية:

إن عملية أمننة الإخوان هي تسييس التواجد الإخواني في الخليج، أي تحويل الإخوان الى قضية ضمن القضايا السياسة العامة، والتي تقتضي باتخاذ قرارات بشأنها، حيث تبين للسعودية حجم التناقض الفكري بينها وبين الإخوان المسلمين، بعد رفض التواجد العسكري الغربي في الخليج، بالإضافة إلى تبني أسلوب التغيير كمنهج لها.

في عمان، وعلى الرغم من أن الحركة عرّفت نفسها في بداية عملها نهاية السبعينات كحركة معتدلة تعليمية أكثر منها سياسية، إلا أنّها مع أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، أحدثت نقلة نوعية في فكرها داخل عمان باعتماد شكل جديد للتنظيم، إلى جانب هيئات انتخابية، ومجلس شورى، ومكتب تنفيذي ينتخب جميعهم بشكل ديمقراطي، والأهم من ذلك، كان وجود دستور مكتوب للتنظيم، يؤطر كل ما سبق. وقد تبنى الفكر الإخواني كوادر في الحكومة العمانية كـ “مسلم قطن” وكيل وزارة الزراعة، و”خميس مبارك الكيومي” وكيل وزارة التجارة والصناعة. ونظرا لتنامي القاعدة الشعبية للإخوان المسلمين بشكل تدريجي مع ما يحمله من تحديات للنظام الحاكم، فقد وجّه الأخير ضربة استباقية في بداية التسعينات، أدى بالجماعة إلى التراجع عن التوسع التنظيمي، واختيارها بدلا من ذلك الرجوع بها إلى أن تكون تجمعاً فكرياً.

أما بالنسبة للحركة في البحرين، فقد حافظت على تحالفها مع الأسرة الحاكمة، نظراً لتوافق مصالحهما ضد الرهانات التي تطرحها الكتلة الشيعية، وهي الآلية التي تماشى فيها إخوان قطر أيضا. ففي ظل انتفاء السياسة التي تقتضي التنافس الإيديولوجي، أصبح لدى القيادة القطرية قناعة بأن الإخوان ليس لديهم مشروع موجه للداخل، وبالتالي لا يحتاج هذا إلى إجراءات استثنائية للدخول في مواجهة معهم، كونهم لا يشكلون أي تهديدٍ داخلي للنظام الحاكم.

  • المرحلة الثالثة:

 في ظل التحولات العربية التي ميّزها صعود الإخوان المسلمين وقدرتهم على التكيّف مع الاتجاهات السائدة، وقراءة الواقع وتحولاته بشكل جيد، فمن شأن تلك الصيرورة أن تؤدي إلى زيادة مستويات حضورهم في الخليج، لذا ساهمت نتائج الأحداث في الدول غير الخليجية، والتي أسفرت عن فوز الإسلاميين، في تدعيم التخوف منهم، خاصة تجاه رؤيتهم للسياسة في المنطقة وحالة الغموض التي سرت بشأن موقفهم من نظام الحكم الوراثي.

وعليه، وفي ظل هذه المعطيات، فقد انتهجت دول المجلس مقاربة أمننة صعود الإخوان داخليا وخارجياً، باعتبارها آلية فعّالة في إسكات المعارضة، وتتيح لمن في السلطة كسرَ الإجراءات العادية لتأسيس الحدود بين الصديق والعدو، وذلك لتحقيق أهداف محلية في ظل مراقبة وقيود ديمقراطية أقل.  

أدرجت السعودية في أمر ملكي صادر في 03 فبراير 2014 جماعة الإخوان المسلمين وجماعات أخرى على لوائح الإرهاب، ومن خلال مستوى الأفعال، جرّم البيان أفعال المشاركة أو الدعوة أو التحريض، كما التأييد، والتبرع أو حتى إظهار الانتماء والتعاطف أو الترويج لهذه الجماعات، كما أدرجت الإمارات أيضاً قائمة تضم 84 تنظيماً وجماعة على أساس أنها إرهابية، من بينهما جمعية الإصلاح الإماراتية المحسوبة على الإخوان. وفي حين أدرج مجلس التعاون الخليجي في بيان مشترك حزب الله اللبناني كجماعة إرهابية، فإنه لم يصنف جماعة الإخوان المسلمين كذلك، بل ترك الموضوع وفقاً لرؤية كل دولة، نظراً للخلافات المحتملة، والتي يمكن أن يثيرها داخلياً بين دول المجلس نفسها؛ ففي حين تشاركت الإمارات والسعودية رأيهما بشأن الإخوان، فإن باقي دول المجلس كان لها مواقف مختلفة عن الموقفين السعودي والإماراتي، نظراً لكون الإخوان في البحرين يشكلون قاعدة لتأييد الأسرة الحاكمة ضد الشيعة، ونظرا لكون إخوان الكويت مندمجين داخل النخبة السياسية والاقتصادية، والشيء نفسه يترتب على المنظور القطري، حيث أن لها موقفاً واضح من الإخوان داخلياً وخارجياً.

أما على مستوى فعل الكلام؛ فقد تبنت قنوات إعلامية فكرة أمننة صعود الإخوان؛ خدمة لأجندات دولها، كالعربية، وقناة دبي، وسكاي نيوز، تضاف إليهم صحيفة الشرق الأوسط، كما نظمت مراكز بحوث العديد من الندوات التي تبنت من خلالها فكرة أمننة صعود الإخوان في الخليج، مما سمح فيما بعد لقوىً أمنية اتخاذ إجراءات فوق الاعتبارات السياسة العادية، حيث أن الطبيعة السياسية لنظرية الأمننة في هذه الحالة، وبعد تحولها من إجراءات قانونية إلى فعل الكلام، قد بررت فيما بعد الحق الشرعي لاحتكار العنف من خلال تعبئة مؤسسات معينة كالشرطة، فعلى سبيل المثال، أتت الإجراءات التي اتخذها نائب رئيس الشرطة والأمن العام بدبي “ضاحي خلفان” تجاه الإخوان بعد تأسيس واقع معين بشأن التهديد الإخواني لدولة الإمارات، مما أعطى له صلاحيات فوق العادية.

ولكن، يبقى السؤال المطروح فيما يتعلق بأمننة صعود الإخوان المسلمين في الخليج، هو أن اتخاذ إجراءات فوق السياسة ضدهم يخدم في الأخير أجندة الدولة، وهو البقاء بالمفهوم الموسّع، أي أن إضفاء الطابع الأمني على الإخوان، ليس بالضرورة نتيجة تهديد وجودي من طرفهم، ولكن بسبب تقديم قضيتهم كتهديد، وبالتالي، فإن التركيز على أمن الدولة مع إهمال أمن الأفراد وتوجهاتهم السياسية، ينتج حالة ازدواجية في الأمن بين أمن الدولة وأمن المجتمع، نتيجة لتناقض المصالح بين الدولة نفسها والمجتمع، والتناقض هنا يصل مباشرة حدّ النتيجة الحتمية، كون الإخوان يشكلون شريحة من المجتمع الخليجي وقد تعرضوا للتهديد من طرف دولهم، وعليه، فالأمننة في هذه الحالة يجب أن ينظر إليها بمفهوم سلبي نتيجة فشل الدولة في التعامل مع قضايا السياسة العادية، فأمننة احتمالية صعود الإخوان في الخليج، كان بسبب نتائج الأحداث في الدول التي عرفت تحولات سياسية خاصة في مصر وليس في الدول الخليجية، بالرغم من أن الذين قاموا بالحراك ليسوا إسلاميين وحدهم، كما أن مقاربة الإخوان للسياسة والحكم، هي معادلة قائمة بشكل نهائي على الإصلاح بدلا من الثورة، بل وفي معظم أحيانها تصل إلى أقلّ من ذلك، من خلال التركيز على التوعية المجتمعية دون الدخول في السياسة. وبالتالي، فإن التركيز على الأمن بالمفهوم الدولاتي قد ساهم في تعزيز الخطاب السلطوي على حساب الأصوات المهمشة لمختلف الجماعات، وهي الخطوة التي أوجدت في نهاية المطاف، ما يسمى بالمعضلة الأمنية الصامتة بحسب لين هانسن، والتي يمكن للإخوان بتفسيرها أن يقدموا بدلاً من ذلك شبكة آمنة كإكساب النظام شرعية داخلية وخارجية.

ثالثاً: مقاربة الإخوان المسلمين للسياسة والحكم في الكويت

تعتبر الكويت نموذجاً فريداً يضم مروحة متنوعة من جماعات الإسلام السياسي، فكونها دولة ريعية شأنها شأن باقي الممالك الخليجية، فإنها تضم برلمانا تتنافس فيه الكتل السياسية علانية في الانتخابات، بفضل التركيبة الاجتماعية والسياسية ذات الطابع التعددي، وهو ما يجعلها تتميز عن باقي الدول الريعية في الخليج، كما ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول موقف هذه الدولة من جماعة الإخوان المسلمين على المستوى المحلي، بعد ردود الفعل الأخيرة على نطاق المنطقة المناهضة لهم؛ فهل ستكون استجابة الكويت للظرف الإقليمي الذي ميّزه أمننة حركات الإخوان؟ أم أن هناك خصوصية في التعامل مع هذه الجماعة؟

ويُعدّ فرع الإخوان المسلمين في الكويت من أقدم فروع الجماعة في الخليج، إذ تم تأسيسه رسميا قبل عشرة سنوات من الاستقلال عام 1951، وقد شاركوا في الانتخابات البرلمانية ابتداء من الستينيات والسبعينيات، تحت اسم “جمعية الإصلاح الاجتماعي”. وكان تركيز الجماعة آنذاك ينصب حول الإصلاح التدريجي، وخاصة الإصلاح الاجتماعي في مجال تطوير مناهج التعليم في المدارس والجامعات، بيد أن مرحلة الثمانينات اعتبرت مرحلة فارقة في مسار جماعة الاخوان، لتظهر فيها كقوة رئيسية في السياسة المحلية، هدفت إلى أسلمة المجتمع الكويتي، من خلال عديد المشاريع، مثل الدعوة إلى الفصل بين الجنسين في التعليم، وفرض قيود على تجارة الكحول … إلخ. ونتيجة لمسعى الجماعة المذكور، فقد حدث انقسام داخل الجماعة، بين تيار أصولي مُمثلاً بشخص عبد الله النفيسي، الذي يرفض المشاركة في حكومة غير إسلامية، بل ويعتبرها أعظم عدو للجماعة، في حين أن التيار الأكثر اعتدالاً، يرى في ممارسة العمل السياسي داخل إطار النظام أمر لا مفر منه، انطلاقاً من سياسة التكييف التي تنتهجها الجماعة، بل ويعتبر المعتدلون فيها أن المشاركة تحت عباءة النظام، هي الوسيلة الأبرز لتسهيل الدعوة وإحداث التغيير التدريجي، ويمثل إسماعيل الشطي هذا الاتجاه[1].


الانقسام داخل جماعة الإخوان، دفع إلى اتخاذ مواقف غير متّسقة في الكثير من الأحيان؛ فتارة سعوا إلى الحصول على حقائب وزارية في الحكومة، وفي مرّات عديدة سعوا إلى التنسيق مع جماعات المعارضة الأخرى في إطار أهداف مشتركة، والحديث هنا عن المعارضة السلفية والشيعية.

ويمثل إنشاء الحركة الدستورية الإسلامية 1991 والمعروفة باسم “حدس”، حقبة جديدة في مسار الحركة، نظراً لكون هذه الأخيرة قد قطعت علاقتها مع منظمة الإخوان الدولية، بسبب رفض دعم تحرير الكويت، ونتيجة لذلك، تركز نشاط “حدس” بشكل كبير على المستوى المحلي، دون أن يترك العمل على الإصلاح التدريجي بشقيه الاجتماعي أو السياسي.

أمّا مع بداية القرن الجديد، فقد أصبحت أجندة الحركة الدستورية الإسلامية تركز على الإصلاح السياسي المحلي، بدلاً من التركيز على أجندة الإصلاح الاجتماعي ذات الطابع التقليدي المحافظ، وهو ما سمح بنشأة الحركات السلفية الأكثر تحفظاً، والتي دعت إلى إنشاء نظام ملكي دستوري يكون فيه رئيس الوزراء منتخبا وليس معينا من طرف الملك، كما تخلت عن مطلبها بتعديل المادة الثانية من الدستور، والتي تنص على أن الشريعة تعتبر مصدر رئيسي للتشريع، مما جعلها أكثر انسجاما مع المعارضة العلمانية.

وبعد الموجة المناهضة للإخوان المسلمين في العالم العربي بعد الانقلاب العسكري في مصر في 2013، وصعود المنظمات المتطرفة بدوافع إسلامية في العراق وسوريا، فإن إخوان الكويت باتوا مدركين لهذا الرهان، حيث أن العودة للعمل مع حركات المعارضة غير المؤدلجة، تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح للبقاء كقوة نشطة وشرعية في الساحة السياسية الكويتية، كما تسمح لهم بتجنب أخطاء الإسلاميين المصريين، الذين اتهموا باحتكار العملية السياسية، وبدلاً من التركيز على المطالب الأيديولوجية، تعمل الجماعات الإسلامية والعلمانية معاً على نحو متزايد، من أجل تحقيق أهداف ديمقراطية، كما حدث في انتخابات 2012، والتي تحصلت فيه المعارضة غير المؤدلجة على 34 مقعداً من أصل 50 في البرلمان، وكذلك الشأن بالنسبة لانتخابات 2016 التي آلت للمعارضة. 

رابعاً: مقاربة النظام الحاكم تجاه الإخوان المسلمين في الكويت

تُصنّف مؤسسة فريدوم هاوس المعنية بالبحوث حول الديمقراطية والحرية السياسية النظام السياسي في الكويت، على أنه ملكي دستوري شبه ديمقراطي، أو بعبارة أصح، هو حرٌ بشكل جزئي، إذ أنه يوجد في البلاد انتخابات برلمانية ومشاركة سياسية مسموح بها، وهو قدْرٌ يعتبر كافياً بالمقارنة مع باقي الممالك الخليجية. واستثناءُ هذا النوع من الأنظمة السياسية، كان قد شكل مجالا خصباً للباحثين لدراسة عوامل الاستمرار، بدلاً من دراسة عوامل التغيير، بحيث حاول علماء السياسة القيام بمعالجة استثنائية الكويت بناءً على وجهات نظر مختلفة؛ أظهرت الأعمال التاريخية الطرق التي اكتسبت بها المشاركة السياسية جذورها في الإمارة، فالبعض يرى أن النموذج الحالي ما هو إلا نتيجة لعاملين أساسيين، أولهما وجود حاكم ليبرالي ملتزم بالمشاركة السياسية، والثاني وجود تهديد خارجي في شكل ادعاءات غير اعتيادية من جانب العراق.

هناك من فسّر النموذج أيضاً من خلال العوامل السوسيوثقافية (هشام شرابي 1988) فنظراً لوجود الكويت كدولة مستقلة على مدار خمسة أو ستة عقود الماضية، فقد احتفظت بهياكلها القبلية الفرعية الراسخة، وهو أمرٌ يقلل إلى حدّ بعيد وجود مثل هذه الانتماءات الأولية من الحاجة إلى جماعات كالإخوان المسلمين لتوفير الشعور بالانتماء.

كما يرى البعض أن استثنائية الكويت هي محض مقاربة مؤسساتية، حيث أن الملك يمتلك تنظيماً فوق السياسة اليومية، أي يتربّع على رأس الإصلاحات التي يسيطر عليها، ومن شأن ذلك أن يخفف من السخط العام. ونتيجة للاستقراء نفسه فترى “إلين لوست Elin Lost” أن الهيكل السياسي يمكن التلاعب به للسيطرة على رغبة المعارضة في التعبئة ضد النظام، وقد تجلى هذا في الجمعية الوطنية (البرلمان)؛ فبالإضافة إلى 50 عضواً من أعضاء الجمعية الوطنية المؤلفة من عدة مرشحين منتخبين من مجموعات مختلفة، يتم تضمين رئيس الوزراء ووزرائه المعينين من طرف الملك والبالغ عددهم خمسة عشر في البرلمان، مما يجعل العدد الإجمالي لأعضاء البرلمان في حدود 66، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإجراء يعطي ميزة هائلة للحكومة على حساب البرلمان، بحيث يصبح رئيس الوزراء ووزرائه جزءاً من الجمعية الوطنية، ونتيجة ذلك، لا يتم تضمين فصائل المعارضة في تشكيل الحكومة، فقد تتمكن المعارضة من الفوز بمقاعد في البرلمان، لكن المقاعد هذه ضعيفة مقارنة بالحكومة التي تشكل الكتلة الأكبر في البرلمان، فهي تضم بالإضافة 16 عضو من الحكومة، ولديها أيضا أنصار من أعضاء البرلمان المنتخبين، وبهذا يصبح مجلس الوزراء أكثر الهيئات السياسية نفوذاً في البرلمان، في المقابل تعاني المعارضة من ضعف هيكلي وانقسام، بحيث ينحدر أعضاؤها من خلفيات اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة، مما يجعل قدرتها على تقديم بديل واضح أو إحداث تغيير  يجعلها غير ذي جدوى.  

خلافا لذلك ترى ” أندريا ويليامسون Andria Lawrence“، أن اختلاف مسار تغيير النظام في النظام الملكي، راجع لكون الملوك هم أقل عرضة لمواجهة الاحتجاجات الثورية، مقارنة بالأنظمة الجمهورية.

ففي حالة الأنظمة الجمهورية، فإن سقف المعارضة في حالة رفع عتبتها، يكون بتفضيل إسقاط النظام على النتائج المحتملة الأخرى، لذا يشكل وضع رئيس الدولة في مجال التنافس السياسي أحد تفضيلات الفاعلين السياسيين في الدولة، كون منصب الرئيس يتطلب تحمل المسؤولية المباشرة عن النتائج السياسية والحكومية، في حين يمكن للترتيبات المؤسسية في الأنظمة الملكية أن تعطي للملك مسافة كافية من السياسيين المنتخبين والبيروقراطيين المعنيين لتحويل المسؤولية بشكل فعال بعيداً عن المؤسسة الملكية، كون الملك نظرياً فوق المعركة السياسية.

خامساً: الاتجاهات المستقبلية للعلاقة 

لم يكن تهديد صدام حسين في العراق مصدر الخطر الوحيد للكويت، إذ أن الميليشيات الشيعية الموالية لإيران والعاملة في الكويت قد تبنت هجماتها هناك، كما أن تفجيرات ديسمبر 1983 في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في الكويت، وأيضا محاولة اغتيال الأمير الكويتي في 1985، قد نُسبت إلى حزب الدعوة الإسلامية، وعلى الرغم من ذلك أقامت الكويت علاقات سياسية مع الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة في العراق، من أجل تجاوز إرث الغزو العراقي للكويت، ومن أجل منع أي عنف عراقي شيعي محتمل.

وبالتالي فإن الجدير بالملاحظة هو فهم السياسة الخارجية الكويتية في هذا الصدد، حيث أنها تعكس في الواقع سياساتها المحلية تجاه مثل هذه الجماعة، وما ينطبق على الشيعة يسري على باقي الجماعات الأخرى بما فيها جماعة الإخوان المسلمين. 

وفي ظل السياق الإقليمي المتميز بنهج أمني أكثر تشدداً تجاه الإخوان داخل وخارج مجلس التعاون الخليجي، فإن النتيجة أخذت بالميل لصالح إعطاء صلاحيات للقوى التسلطية على حساب الحريات السياسية، كما أنه وبالرغم من إنتاج الانتخابات البرلمانية في يوليو 2013 لجمعية وطنية موالية للأسرة الحاكمة، بيد أن انتخابات نوفمبر 2016 قد عادت للمعارضة غير المؤدلجة، والتي تبنت أجندة سياسية شملت ضغوطاً علنية واضحة للإصلاح السياسي، حيث جلبت لأول مرة صلاحيات العائلة المالكة إلى النقاش العام، وإذا ما كان الاستقرار السياسي في الكويت ليس محلّ تساؤل، فإن وجود معارضة قوية في البرلمان مع ضغوط إقليمية من دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية، تبدو فيه الكويت في حالة أشبه بالحصار السياسي، بيد أنه وعلى الرغم من ذلك، فليس للكويت تقليد بالعنف السياسي، حيث يتواجد الإخوان المسلمون بشكل مؤسسي ومعترف بشعبيته على المستوى المحلي، لذا تعتبر الكويت جماعة الاخوان المسلمين جزء من معارضة واسعة النطاق، بدلاً من كونها تهديدً او بديلاً عن النظام القائم.

وما ينطبق على الكويت ينطبق على دول كثيرة في المنطقة، إذ كان دمج الإخوان ضمن الأنظمة السياسية هي الآلية الأكثر رواجاً، والحديث هنا عن قطر، الأردن، تونس، اليمن وتركيا. وليس من قبيل الصدفة أن الممالك الخليجية التي اعتبرت الإخوان المسلمين تهديداً لها قد أقامت تحالفات معهم فيما مضى، وبالتالي فإن الطريقة التي تعاملت بها هذه الدول مع الجماعة، تختلف وفقاً لمستوى المشاركة المسموح بها محلياً.

وفي إطار النقاش الدائر إقليميا حول أمننة الاخوان المسلمين، فإن تبدل صفقة الحكم في الكويت تماشيا مع تبدل السياق الإقليمي يبقى مستبعداً، فللكويت مثلاً خصوصية في التعامل مع الجماعة، كون الجماعة تشكل جزءا من حركة معارضة محلية واسعة النطاق.

على الناحية الأخرى، فيبدو أن هناك تفاهم متبادل بين دول مجلس التعاون الخليجي بأنه وطالما بقي الإسلاميون الكويتيون يقتصرون بأهدافهم على القضايا المحلية، فإن الهدف يعتبر مسموحاً به وشرعياً، ومع اعتبار السعودية لإيران كأكبر تهديد لدول المجلس، فمن المرجح أن ترحب بـ”حدس” لمواجهة أجندة طهران الإقليمية بالنظر إلى مواقف “حدس” المناهضة لنفوذ إيران. 

وأخيراً، يثير اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسمية جماعة الاخوان المسلمين كمنظمة إرهابية التساؤل بشأن أهداف هذا الاقتراح؛ حيث أنه وبلا شك يأتي بإيعاز من مجموعة واحدة من حلفاء الولايات المتحدة، وهي مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، لكن خطوة واشنطن نفسها هي محض مخاطرة بعزل مجموعة أخرى من الشركاء، والحديث هنا عن تركيا وقطر والأردن والكويت، والذين يرون في الإخوان ما يرونه في الأحزاب الأخرى، دون أن ننسى أن للكويت اتفاق تعاون دفاعي رسمي (DCA) مع واشنطن، وبموجبه تحتفظ الولايات المتحدة بأكثر من 13000 من الأفراد العسكريين في داخل الدولة الخليجية، كما تدعم الكويت الجهود الأمريكية لمواجهة إيران، إضافة إلى ذلك، فهي عضو في فريق العمل المالي للشرق الأوسط وشمال افريقيا (MENAFATF) بشأن تمويل مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وتشارك أيضاً في التحالف الذي تقوده السعودية لمواجهة تمرد الحوثيين في اليمن، بالتالي فالدفعُ نحو الشراكات الدولية والإقليمية وأيضا استيعاب كل الجماعات ضمن النظام السياسي، يعتبر الاستراتيجية الأكثر ترجيحاً للكويت، من أجل وضع حد لتنافساتها الداخلية، مع السعي الدائم لإكساب النظام شرعية داخلية وخارجية.

المصادر: 

[1] . Courtney Freer, The rise of pragmatic Islamism in Kuwait’s post-Arab Spring opposition movement, Project on U. S. Relations With the Islamic World, august 2015, P03.

بواسطة
alsiasat

د. عبد الحق دحمان

معهد الشرق الأوسط والعالم الإسلامي- جامعة مرمرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى