هجرة الكفاءات العربية بين الهدر والاستثمار (استئناس بالحالة التونسية)

د. منجي مبروكي

أستاذ الإعلام والاتصال - جامعة قرطاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • إن إعادة إدماج الأدمغة المهاجرة العربية في بلدانها الأصلية لا يبدو هدفًا واقعيًّا في المدى القريب ولا حتى المتوسط، لذلك فمن الأسلم التفكير في صيغ تداول استثمار تلك الكفاءات بين دول المنشأ ودول الاستقبال

تقديم

تعد الهجرة ظاهرة قديمة قدم التاريخ، فقد هاجر عرب الجنوب (القحطانيون) إلى شمال الجزيرة العربية بعد انهيار سد مأرب، كما هاجر عرب المناذرة وعرب الغساسنة في إطار الحرب الجيوسياسية التي أملاها عليهم وجودهم في خط التماس بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. وعرف المسلمون الهجرة نحو الحبشة حفظًا لرسالتهم من تهديد قريش، واضطروا بعد ذلك إلى الهجرة نحو يثرب حيث أسسوا عاصمة الرسالة المحمدية  (عبداللطيف زرنه جي، د.ت).

أما في العصر الحديث، فإن هجرة الأدمغة العربية نحو أوروبا والقارة الأمريكية يعود تاريخها إلى ما يزيد على القرن. غير أن ما يميز موجاتها الأخيرة هو ما تختص به المنطقة العربية في مساراتها التنموية والسياسية، وما طبع سياسات أنظمتها من إخفاق في التأهيل والتنمية البشرية، وفقدان المعايير الدقيقة لتثمين ثرواتها البشرية وحسن إدماجها وتطوير قدراتها بما يتناسب مع رهانات بلدانها في التنمية والتطوير. علمًا بأن حصاد الهجرة المنظمة للكفاءات العربية تستفيد منه دول الاستقبال في المقام الأول، وتترتب عليه خسائر جسيمة للدول المصدِّرة للهجرة، وهو ما يفرض مقاربة جديدة لا تنظر إلى الظاهرة بوصفها أزمة فحسب، بل بوصفها فرصة يستقيم فيها تبادل المنافع بين كل الأطراف بدل مقاربة رابح/ خاسر.

  1. هجرة الأدمغة العربية: عوامل الجذب (الأسباب الخارجية):

في العادة، تتجه هجرة الكفاءات من دول الجنوب نحو دول الشمال، وهي ترمي إلى استمالة المواهب وتجديد القيادات ذات التأهيل العالي والقدرات المميزة. فإدماج المهاجرين في سوق الكفاءات العالمية يضمن لهم تنمية قدراتهم التنافسية، ويخرجهم من الجمود الذي يتهددهم في بلدانهم الأصلية نظرًا إلى ظروف العمل غير الملائمة للتألّق المهني. وهو ما ينطبق حتى على أصحاب المهن المرموقة مثل الأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين، وكل ما يتصل بالمهن الذكية في علاقتها بالإعلام والاتصالات الحديثة، والمالية والتقنيات الحيوية وغيرها.

لكنّ دول الاستقبال تتبنّى سياسات انتقائية للهجرة، تعمل بمقتضاها على ملاءمة خصوصيات المهاجرين مع حاجات اقتصادها. ففرنسا أمام افتقارها إلى الكفاءات في المجال الطبي على سبيل المثال، أعطت الأولوية للأطباء الأجانب وخاصة المغاربة (تونس والجزائر والمغرب)، في حين اتجهت ألمانيا إلى ذوي الكفاءات المتطابقة مع متطلبات القطاع الصناعي (لوك نغواي، اليونسكو، 2016). والمقاربة نفسها تعتمدها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وغيرها من الدول الأوروبية الإسكندنافية، وغيرها.

تستقطب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ثلثي المهاجرين ممن حصلوا على تعليم جامعي مرموق، وتتمركز أغلبية تلك المواهب في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم 85% من الفائزين بجائزة نوبل للعلوم (حسينالبطراوي، المجلة، 3-5-2019). ويتجه أغلب العلماء المهاجرين نحو الدول الصناعية المتقدمة لأنها توفر بيئة ملائمة لتطوير المهارات عبر التدريب والتكوين المستمر، علاوة على أنها تؤمّن امتيازات مالية مجزية وشروط الرفاهية للمهاجرين من الكفاءات العربية ولكل أفراد أسرهم، وهي ظروف شبه مفقودة في أوطانهم الأصلية.

ويندرج توفير عوامل الإحاطة والرفاهية وأعلى الرواتب والامتيازات المادية، وضمان مناخات البحث العلمي والحرية الأكاديمية، ومكافأة براءات البحث والاختراعات، والسبق في تطوير نتائج البحث العلمي، يندرج كل هذا ضمن عوامل جذب الكفاءات العلمية من بيئاتها الأصلية خاصة في الدول العربية، نحو الدول الصناعية المتقدمة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا وأستراليا. ونتيجة لتلك الاعتبارات، تتحول جل الدول العربية إلى دول طاردة للكفاءات وغير مشجعة على نشاطها وفاعليتها، وتعد تونس حالة يمكن الاستئناس بها كما نبيّن ذلك في الفقرات التالية.

  1. هجرة الأدمغة العربية: عوامل الطرد (الأسباب الداخلية):

إن السياسات الداخلية للدول العربية تُمثّل أحد العوامل التي حوّلت هجرة الأدمغة العربية المؤقتة إلى هجرة دائمة، بالنظر إلى النمو الديموغرافي للدول العربية طَوال النصف الثاني من القرن العشرين، والذي لم يتزامن مع تطور علمي ونمو اقتصادي يجعل الدول العربية تحسن استثمار مواردها البشرية. على الرغم من أن جانبًا من تلك الدول لديها ثروات طبيعية كبيرة، وتمتلك مقومات الإقلاع الاقتصادي، ما يجعلها تحقق نتائج تضاهي ما تحققها دول نظيرة لها.

إن هجرة الكفاءات العربية ظاهرة مركبة لا تعود أسبابها إلى عوامل اقتصادية فحسب (الشغل – الراتب – ظروف العمل – …) أو عوامل سياسية (غياب الديموقراطية – غياب العدالة وتكافؤ الفرص – الاضطهاد – …)، بل إن الهجرة هي وسيلة المتفوقين دراسيًّا والذين أظهروا نبوغًا وقدرات ابتكارية عالية لكي تتاح لهم فرص حقيقية لتحقيق ذواتهم والنجاح في مساراتهم المهنية والعلمية، حتى خارج أوطانهم الأصلية.

لقد لخصت تقارير الجامعة العربية واليونسكو الأسباب والدوافع الأساسية لهجرة العقول العربية، في عجز الدول العربية -والنامية بصورة عامة- على استيعاب أصحاب الكفاءات، الذين يجدون أنفسهم إما عاطلين عن العمل، وإما أن الفرص المتاحة لهم عوائدها ضعيفة ولا تفتح لهم أبواب المستقبل على مصارعها. فأنظمة التعليم والتشغيل العربية منفصمة في أغلبها عن مشاريع التنمية والتطوير، ولها قصور في النظر إلى مواردها البشرية وخاصة الكفاءات منها على أنها رصيد استثماري، وقيمة مضافة تفوق في أهميتها الموارد الطبيعية. لذلك تحرص الدول المتقدمة على الظفر بتلك الكفاءات، وتسهل اندماجها في المجتمعات الغربية المتقدمة ( حسين البطراوي، المجلة، 3-5-2019).

ومن العوامل المعيقة لتثبيت الكفاءات العربية في أوطانها انعدام الحريات، والخوف من المشاركة النشيطة في الشأن العام وإبداء الرأي، وقد يصل الأمر إلى حد تشجيع بعض الدول العربية على هجرة نوابغها، والدفع بهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نحو ذلك، حين لا توفر المناخ العلمي الملائم لتلك الكفاءات، ولا تيسر مشاركتهم التلقائية في المؤتمرات العلمية، ولا الانخراط في المجموعات البحثية، وحتى إذا يُتاح ذلك قد يكون تحت رقابة الأجهزة الأمنية والمخابراتية. إن المعاملة الحذرة مع النخب والكفاءات لا يشعرها بالشراكة في بناء المشروع الوطني، ولا بالانخراط في هموم مجتمعها وأمتها، بل يضعها في الغالب موضع الرِّيبة والشك، وهي السمة الغالبة على تعامل الأنظمة الاستبدادية مع مواطنيها بصورة عامة ونخبها بصورة خاصة، إلا من انخرط منهم في أجندة تمجيد تلك الأنظمة والدعاية لها.

لقد كانت تونس، على سبيل المثال، طَوال نصف القرن الأخير تُصنّف ضمن أنجح الدول العربية في تأهيل مواردها البشرية، وفي تصدير كفاءاتها نحو سوق الشغل العربية والعالمية. لكن ذلك لم يؤد في البداية إلى استنزاف حاد لتلك الموارد، أو التفريط في نسب هامة منها دون خطة للتعويض وإعادة الانتداب والتأهيل. وقد تغير الأمر خلال العقدين الأخيرين، إذ ارتفعت مؤشرات هجرة الكفاءات، خاصة مع ارتفاع نسب البطالة لدى أصحاب الشهادات العليا، وهو ما فاقم الأزمة وأظهر خطورتها. يشير تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن تونس تأتي في المرتبة الثانية عربيًّا في هجرة الكفاءات العلمية، وهو ما يتفق مع ما سجلته وزارة التعليم العالي خلال السنوات القليلة الماضية، من مغادرة قرابة 94 ألف كفاءة تونسية، 84% منها اتجهت نحو دول أوروبية (عائد عميرة، 16-8-2018).

وتعد نسبة الأساتذة الجامعيين هي الأرفع قطاعيًّا من بين المهاجرين التونسيين، إذ ذكر اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين أن نحو ثلث منظوريهم هاجروا بعد سنة 2011 . كما أن هجرة الأطباء خلّفت نقصًا فادحًا في الأطر الطبية في المستشفيات العمومية، وهو ما أثّر في جودة خدمات الصحة العمومية التونسية، خاصة مع تهديد جائحة “كورونا” التي تتهدد التونسيين في صحتهم وأمنهم. وقد أظهرت استبانة مركز تونس للدراسات الاستراتيجية الموجهة لعدد من الكفاءات والجامعيين أن 78% من الكفاءات التونسية ترغب في الهجرة. وأضاف المصدر ذاته، خلال ندوة حول «هجرة الأدمغة التونسية»، أن من أبرز الأسباب التي تدفع الكفاءات التونسية إلى الهجرة الأسباب المادية والعلمية التي تُهِمّ الترقي المعرفي وتحقيق المكانة الملائمة، تليها أسباب أخرى ذات طابع اجتماعي. وتعد أوروبا الغربية الوجهة المفضلة للكفاءات التونسية، إذ يرغب 60% منهم في الهجرة نحو إحدى دولها، فيما يفضل ما بين 30% و35% التوجه نحو دول أمريكا الشمالية، ويرغب الباقون في الهجرة نحو دول الخليج أو دول أخرى بنسب أقل (منتديات تونيزيـاسات، 17-6-2017 ).

كما أظهرت بعض الدراسات التي أجرتها جامعة الدول العربية ومنظمة اليونسكو والبنك الدولي، أن ثلث الكفاءات المهاجرة من البلدان النامية ينطلق من العالم العربي، فيهم 50% من الأطباء  و23% من المهندسين، وهم يتجهون نحو أوروبا والولايات المتحدة وكندا، مما يفرز تبعات سلبية على مستقبل التنمية العربية، ويُضم إلى عمليات استنزاف العقول العربية (حسين البطراوي، المجلة، 3-5-2019).

لكن الدراسة المتأنية لتلك الظاهرة تفترض الخروج من ثنائية التجاذب بين تأثيم الدول الطاردة من ناحية، ولوم الدول المستقبلة لها من ناحية أخرى. إننا في حاجة إلى مقاربة تفهّمية تقوم على استحضار إمكانية تبادل المنافع بين الطرفين، وتفكر في تنزيل ذلك للواقع عبر صيغٍ ذكية للتواصل بين الكفاءات المهاجرة مع أوطانها الأصلية، وعبر بروتوكولات يمكن أن تصاغ بين الطرفين، وتضمن حقوق دول المنشأ في الاستفادة من خبرات أبنائها المهاجرين بطريقة مبتكرة ومنتظمة.

  1. هجرة الكفاءات من منظور الأزمة الخانقة إلى أفق الفرص الواعدة:

إن إعادة إدماج الأدمغة المهاجرة العربية في بلدانها الأصلية لا يبدو هدفًا واقعيًّا في المدى القريب ولا حتى المتوسط، لذلك فمن الأسلم التفكير في صيغ تداول استثمار تلك الكفاءات بين دول المنشأ ودول الاستقبال، وَفق رؤية توازن بين مصالح الطرفين خاصة بالتعويل على القيمة المضافة لتقنيات الاتصال والمعلومات.

ويمثل الانتفاع المشترك بين الدول الأصلية ودول الاستقبال من خبرات الأساتذة الجامعيين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وبنسبة أقل في المملكة المتحدة وفي فرنسا، تجربةً رائدة تتمثّل في إشراف جامعيين يعملون في تلك الدول، على برامج للتعاون في بلدانهم الأصلية. لقد أبرز تقرير صندوق النقد الدولي أن الأدمغة المهاجرة يمكن لها اقتراح برامج دقيقة لإعادة التأهيل المهني وتكوين الأطر، وأنه حين تضاف الكفاءة والعلاقات والخبرة إلى الآفاق العالمية والتقاليد المحلية، فإن كفاءات المهاجرين بوسعها الإسهام في تدعيم المحيط الاقتصادي في بلادهم الأصلية، وفي تحسين نجاعة المشاريع وتعزيز موقعها في الأسواق الجديدة (لوك نغواي، اليونسكو، 2016).

إن تحويل هجرة الأدمغة إلى تنقّل مدروس لها وَفق رؤية لتبادل المنافع، يُفسح فيها الطريق أمام سبل جديدة للتعاون، وطرق مبتكرة للتنمية في الدول المصدّرة للكفاءات، بوسائل جديدة للتأثير تستمد قوتها من التنشئة الاجتماعية الدولية. إن بعض دول الشمال وخاصة ألمانيا تُفضّل «التنقل المتداول»، أي هجرة قصيرة الأمد تُمكّن الأجانب من العمل ومن التخصّص لفترة محدودة قبل العودة إلى بلدانهم. ويحظى أسلوب «التنقل المتداول» بدعم من المؤسسة الألمانية للاندماج والهجرة (لوك نغواي، اليونسكو، 2016)، لأنه يعود بالفائدة على الدول الأصلية ودول الاستقبال على حد السواء، بفضل نقل المهارات والمعارف. كما يتيح امتيازات هامة للمهاجر الذي يستفيد من التكوين ويتمتع بحياة أفضل خلال إقامته في الخارج، مع إمكانية استثمار مدّخراته في بلده الأصلي.

إن النظر إلى هجرة الكفاءات التونسية، وَفق معادلة تعويض خسارة الموارد البشرية بتحويلات نقدية مشفوعة بفرص نقل جزئي لاستخدامات التقنيات الحديثة، لا يبدو نظرًا متبصّرًا، لأنه يقيس الاستفادة في حدها الأدنى بدل التَّوق إلى الحد الأقصى. كما أن البلاد ستُضطر إلى استيراد خبراء أجانب بعقود باهظة لإنجاز برامجها في التنمية، بدلًا من أبنائها المؤهلين الذين لم يستقروا فيها، ولم تُبرِم معهم اتفاقات حول صيغ الاستفادة من خبراتهم وهم في المهجر. وهو ما يجعل نزيف هجرتهم مضاعفًا، ويحتّم إيجاد صيغ مبتكرة للتعامل المستقبلي المثمر معهم.وعلى رغم حجم التضحيات الكبيرة التي يبذلها الأطباء وكل فرق الصحة التونسية للتصدي لوباء “كورونا”، فإن هذا الجهد والأداء كان بالإمكان أن يكون أفضل لو لم تكن هجرة الكفاءات الطبية التونسية بنسق مرتفع في العقد الأخير.

إن مراجعة السياسات المتبعة في التعاطي مع هجرة الكفاءات، تتأسّس على مراجعة نظم التعليم والتكوين، لملاءمتها مع احتياجات سوق العمل وتجديدها باضطراد، وجعْلها ترتكز على المهارات التكنولوجية في مجالات الإنتاج المختلفة. كما أن أبرز تجليات الإخفاق التنموي هو هجرة الكفاءات العلمية دون خطة لإدماجهم، فتطول خسارتهم مدخرات المجتمع من الماضي وحتى المستقبل.

خاتمة وتوصيات:

إن النظرة الواقعية إلى هجرة الأدمغة التونسية بصورة خاصة والعربية بصورة عامة، على أنها ظاهرة مركبة تطفح فيها أبعاد الأزمة بما هي خِيارات تعليمية ومسارات تكوينية وسياسات تشغيلية، لا تستنبط معالجات جَذرية ناجعة، بل تعتمد آليات للتسكين وحلولًا جزئية تفاقم الوضع بعد فترات وجيزة، بدل حلحلة الأمر ومعالجته معالجة مستدامة. فهجرة الأدمغة كانت سابقة لظاهرة تفشي البطالة وخاصة لدى أصحاب الشهادات العليا، ولم تخضع لمقاربة سليمة لمعالجتها لا في طورها الأول ولا الثاني. وكأننا بالحكومات المتعاقبة قد استكانت إلى حلٍّ «مغشوش» لذلك النوع من الهجرة بوصفه حلًّا يرضي الطرفين: يرضي المهاجر الذي يجد ضالته في حل لم تُتح له بدائل غيره، ويرضي حكومات لا تجرؤ على المعالجات الاستراتيجية الملائمة، وترضى بالدفع بأحسن كفاءاتها نحو المهجر، وهو خِيار مؤلم لضمير جمعي تُستنزف خيرة موارده البشرية دون جهد حقيقي لتفادي ذلك الاستنزاف أو التخفيف منه.

إن المعالجة المثلى لتلك الظواهر تتطلب انتهاج سياسات تحكمها استراتيجيات تغطي المدى البعيد والمتوسط والقريب. وفي انتظار وضوح تلك السياسات، ووجود خطط متتالية لتطبيقها وتقويمها إصلاحًا وتثمينًا، وجب الإسراع بمعالجات لا تهمل واقع وجود تلك الكفاءات في المهجر، وتعمل على ربط الصلة بها وتنويع صيغ الاستفادة من تفوقها على أكثر من صعيد. خاصة أن جل هؤلاء يحتفظون بعلاقات متينة بأوطانهم، وبصيغ تواصل مختلفة تجعل الاستفادة من أدمغتهم متاحًا وغير مكلف.

التوصيات:

إن تحويل وجود عشرات الآلاف من ألمع الكفاءات العربية المنتشرة في القارات الخمس، والمتمركزة في أهم العواصم العالمية وكبريات الشركات والمؤسسات العملاقة، يقتضي:

  1. بناء قاعدة بيانات لخارطة انتشار تلك الكفاءات وتصنيفها حسب الاختصاصات ومجالات الخبرة والتدخل.
  2. رصد فرص الاستفادة من خبرات الكفاءات المهاجرة ومجالاتها، والبحث عن الصيغ الوظيفية لربط الصلة بها.
  3. التفاوض حول صيغ الاستفادة بالتداول من الكفاءات العربية المهاجرة، صيغ تراعي احتياجات دول المنشأ، ولا تتناقض مع التزامات الكفاءات داخل دول الاستقبال.
  4. إشراك الكفاءات العربية في وضع تصورات وخطط ومناهج للتغيير والتطوير والتأهيل في المنطقة العربية، تُعنى بالمجالات والقطاعات الحيوية.
  5. الاستفادة من الخبرات العربية المهاجرة في تحكيم برامج التغيير والتطوير والتأهيل، وربطها بمسارات البحث العلمي والتطور التكنولوجي.


قائمة المراجع:

  1. حسين البطراوي، “اصطياد الغرب للعقول تجريف للعقل العربي أم تسويق لقدراتنا في الخارج”، المجلة، 3-5-2019، الرابط: https://bit.ly/3crNZwQ  تاريخ التصفح : 5-2-2020.
  2. عائد عميرة، “هل تمارس الدولة التونسية سياسة التهجير القسري على الكفاءات؟”، 16-8-2018، الرابط: https://bit.ly/2RMylEy تاريخ التصفح: 5-2-2020.
  3. عبد اللطيف زرنه جي، “هجرة الأدمغة العربية وأثرها على المجتمع العربي”، الرابط: https://bit.ly/3cosi0I تاريخ التصفح: 5-2-2020.
  4. لوك نغواي، “هل تنقّل الأدمغة الأفريقية خيار أفضل من الهجرة؟”، اليونسكو، أكتوبر 2016، الرابط: https://bit.ly/34H6BXa تاريخ التصفح: 5-2-2020.
  5. منتديات تونيزيـاسات، “الكفاءات التونسية ترغب في الهجرة”، 17-6-2017، الرابط: https://bit.ly/2zalxBp  تاريخ التصفح: 5-2-2020.

د. منجي مبروكي

أستاذ الإعلام والاتصال - جامعة قرطاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى