نحو تعظيم دور وسائل التواصل الرقمية في الاحتجاج

نبيل عودة

باحث في العلاقات الدولية والسياسة الرقمية

اقرأ في هذا المقال

  • إنّ مدى تأثير الإنترنت ومنصات التواصل الرقمية في دعم التحول نحو الديمقراطية، سوف يتحدّد بناء على قدرة الناشطين على تبنّي الفهم البراغماتي والعملي للبيئات السياسية والاجتماعية المتنوعة، ومعرفة تنقيات التكنولوجية، والتكيف مع الاحتجاجات المجهرية وتراكماتها المتواصلة

تتخذ ظاهرة ما أهميتها في المجتمع من حجم المناقشات والمداولات المثارة حولها، سواء داخل دوائر الإعلام والسياسة والاقتصاد، وصولًا إلى الدوائر الفنية والثقافية. واليوم، يعجّ الخطاب -العام منه والخاص على حد سواء- بالحديث عن التغيّرات الاجتماعية والسياسية، ودور تكنولوجيا المعلومات في تحفيزها وديمومتها.

وقد أخذ ما بات يُعرف بالنشاط على الإنترنت ((Online Activism أو النشاط الرقمي (Digital Activism) بالهيمنة على لغة الخطاب المتعلقة بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي تختبرها المجتمعات البشرية منذ بداية الألفية، وخصوصًا منذ الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالنظام الرأسمالي العالمي عام 2008، وثورات الربيع العربي التي انطلقت نهاية عام 2010.

وكشأن كل الظواهر الحديثة، يتخذ النشاط الرقمي حضوره الخطابي المهيمن من خلال تضارب الروايات المنهجية والفلسفية، التي تسعى إلى الكشف عن دوره في عمليات التحول السياسية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها الجماعات الإنسانية، والتي تمسّ في الأساس علاقات السلطة ورسم الحدود بين الحكّام والمحكومين.

ومن هنا فإنّ تعظيم دور منصات التواصل الرقمية -التي تُعدّ الفضاء الإلكتروني الذي تُمارَس فيه ومن خلاله الاحتجاجات- يتطلّب تضافر ثلاثة عوامل رئيسية، وهي:

أولًا: الفهم البراغماتي لدور هذه المنصات ضمن سياق بيئاتها السياسية والاجتماعية المتنوعة والمختلفة، ومراعاة التكيّف الدائم تجنبًا للسقوط في تعميمات مضلّلة.

ثانيًا: فَهم الطبيعة والبنية التقنية للتكنولوجيا الحديثة، والسعي إلى محو الأمّية الرقمية.

ثالثًا: استثمار هذه المنصات في الاحتجاج على المستوى الجزئي (Micro-level)، الأمر الذي من شأنه التمهيد لتراكم السخط، وصولًا إلى العتبة الثورية التي من شأنها أن تحدث تحركًا على مستوًى جماهيري قادر على إحداث تغيّر على مستوى النظام الكلي (Macro-level).

التكنولوجيا ومحدّدات السياق:

إنّ النظرة إلى التكنولوجيا ودورها الاجتماعي، والتي بقيت تتراوح لمدة طويلة بين ثنائية الحتميين (Determinists) والطوباويين (Utopianists)، لا تقدّم تفسيرًا واقعيًّا يساعد على فهم حجم التعقيد الذي باتت تتّصف به الظاهرة الاجتماعية الراهنة، خصوصًا ونحن نعيش في عصر مُشبّع بوسائل الإعلام الرقمية التي أحدثت ثورة في عالم التواصل. وهذا بدوره يؤثّر في قدرة الفاعلين على استثمار هذه التكنولوجيا لخدمة أهدافهم.

إنّ طرحًا بديلًا يقوم على مبادئ النظرية البنائية الاجتماعية Social Constructivism، يُعدّ أقرب الطرق إلى تقديم مقاربة براغماتية لفهم دور وسائل التواصل الرقمية في عمليات الاحتجاج والتحول الديمقراطي.

فحسَب البنائية الاجتماعية، نحن أحوج إلى فهم الظاهرة الاجتماعية وتفسيرها بناءً على سياقها، ووَفق كل بيئة على حِدة. وهذا بدوره سيسمح بإدخال عنصرَي التنوع والاختلاف ضمن المعايير التجريبية في عمليات التفسير والفَهم، وذلك كي نتجنب التعميم المضلّل، خصوصًا عندما يتعلق الحديث بظاهرة متشابكة ومتعددة الأوجه كالإعلام الرقمي، هذه الظاهرة التي تأبى التكيف مع تعميمات مؤطَّرة ضمن قوالب أيديولوجية صارمة.

وهذه النظرة البراغماتية ترفض التعميم القائل بأن دور الإنترنت ووسائل التواصل الرقمية يقود بطريقة حتمية إلى دمقْرطة المجتمعات، وترفض كذلك تلك الدعوات التي تقول بأن نتائج انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الرقمي ساهم في انتهاك حقوق الإنسان والتضييق على الحريات، من خلال الحكومات التي باتت تمتلك أدوات جديدة تساعدها على الرقابة والرصد.

إنّ الإنترنت -ونظرًا إلى طبيعتها الحيادية- قد تكون سلاحًا ذا حدّين. فقد تؤدّي الإنترنت ووسائل التواصل الرقمية -في بيئة معيّنة وضمن ظروف محددة- إلى المزيد من المشاركة السياسية، وتعزيز الفضاء العام بمزيد من الحريات، وتمكين الأفراد من التواصل بسرعة ومجانية. وهذا من شأنه أن يسهم في نشر الثقافة التعددية، ويفتح من ثَمّ الطريق نحو التحول الديمقراطي.

في حين أنه في بيئات أخرى وضمن ظروف موضوعية مغايرة، قد تسهم هذه الأدوات التكنولوجية في دعم نتائج عكسية. إذ مكّنت هذه الأدوات الحكومات من امتلاك قدرات رقابية غير مسبوقة، وجعلت قدرتها على الاستهداف الاستخباري أكبر من ذي قبل.

يشهد بذلك التعاطي الصيني مع الاحتجاجات في هونغ كونغ، واعتماده على الكاميرات العمومية لرصد الناشطين، كما يشهد بذلك استخدام البرمجيات الخبيثة من قبيل بيغاسوس الذي طوّرته شركة إسرائيليةلاقتناص المعارضين، وقضايا اغتيال صِحافيين وناشطين سياسيين دليل على ذلك.

إنّ فَهم دور مثل هذه الأدوات ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي والثقافي، هو ما يسمح بتوظيفٍ فعّال لها، لتحقيق الأهداف المرجوّة. وإنّ النظرات التعميمية -سواء كانت حتمية تشكيكية وطوباوية تفاؤلية- هو الذي يحدّ من الاستثمار الإيجابي لهذه الأدوات التكنولوجية، خصوصًا من قبل أولئك الناشطين الذي يسعَون إلى المزيد من الانفتاح والتحول الديمقراطي.

 خلف خطوط الثنائية الحتمية:

انحصر التداول -على مدار عقود- حول دور الاحتجاج الرقمي في التحولات السياسية عند ثنائية المتحمّسين Cyber-enthusiasm من جهة، والمتشكّكين Cyber-skepticism من جهة أخرى.

ولقد عبّر المتحمسون عن تفاؤلهم الكبير تجاه قدرة الإنترنت بشكل عام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، على تمكين الشعوب من اتخاذ زمام المبادرة لإحداث تغييرات من شأنها إعادة توزيع السلطة، بما يضمن لهم مشاركة أكبر في صناعة القرار، وإحراز تمثيل يتناسب مع مصالحهم وتطلّعاتهم في هيكل السلطة[1].

وهذه النظرة هي امتداد للأفكار التي تبنّاها فلاسفة الحداثة ومنظّرو عصر التنوير. وهي النظرة التي ترى في التقدّم التكنولوجي قرين رفاهية الإنسان، وتحوّله نحو المجتمعات المزدهرة اقتصاديًّا والمتنوّرة ديمقراطيًّا وحضاريًّا.

على الجانب الآخر يقبع الفريق المضادّ، وهم المتشكّكون الذين يقلّلون من دور النشاط الرقمي في التحولات السياسية، ويرون أنّ الإنترنت وتطبيقاتها الاجتماعية-الاتصالية، إنما تشيع شكلًا من أشكال الوهم بين الجماهير. الأمر الذي يبقيهم بعيدين عن مضمار المشاركة الفعلية المادّية في التغييرات السياسية، وهو ما تكون نتيجته حتميةَ إعادة تدوير السلطة في المراكز التقليدية داخل الدولة، مع تغيّرات شكلية تتناسب مع حجم الجدل العام الذي قد تُحدثه هذه المنصات[2].

ويُعدّ هذا الفريق امتدادًا لأصحاب النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت، التي جاءت لتردّ على الطوباوية الحداثية وأفكار التنوير، التي رأت في التكنولوجيا تقدّمًا حتميًّا نحو صلاح المجتمعات. لقد أدان هذا الفريق التكنولوجيا بوصفها مسؤولةً عن «بلاهة الإنسان، والاغتراب الرأسمالي، وخيبة الأمل من العالم، معًا»[3].

المسار الثالث: نحو مقاربة أكثر براغماتيةً:

إلّا إنه وفي الآونة الأخيرة، برز فريق ثالث يرى ضرورة الابتعاد عن حتمية ثنائية المتحمّسين-المتشكّكين هذه. فالظاهرة الاجتماعية من حيث التعقيد والتنوّع، يصعب حصرها في ثنائية تتّصف بالصلابة والحتمية.

إنّ علم الاجتماع الرقمي (Digital Sociality)، الذي أخذ شكلًا أكثر نضوجًا مع كتابات نورتي مارس (Noortje Marres)، يرى أنّ دراسة ظاهرة اجتماعية ما -كالثورة والتغيّر السياسي في شكل النظام، وحتى الاحتجاج الشعبي- ينبغي ألّا تنفصل عن سياقها الاجتماعي الخاص والمحدّد وَفق شروط زمانية ومكانية وثقافية خاصة، تختلف وتتنوّع كلما عبرنا من مجتمع بشري معيّن إلى مجتمع بشري آخر.

         فمع عالم صار يتشابك بشكل بالغ التعقيد بفضل آليات العولمة والإنترنت، وشيوع اللامركزية الشبكية، تهاوتْ مثل تلك الثنائيات الكبرى لتحلّ محلّها الإشكاليات «المايكرو-اجتماعية»، والتي باتت تعالجها النظريات ما بعد الحداثية أو ما بعد الوظيفية. وهي معالجات هدفت في الأساس إلى الابتعاد عن تلك الأيديولوجيات الكبرى -كالفاشية والشيوعية والنازية- التي جلبت ويلات على الجنس البشري.

يؤكّد مارك لينش[4] هذا الطرح في كتاباته حول ثورات الربيع العربي، إذ يرى أنّ الشواهد المتتالية التي أعقبت سقوط عدد من الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، عقب انطلاق الثورات وامتيازها بالاختلاف والتنوع، يدفعنا إلى ترك التنميط التقليدي السائد حول ثنائية المتفائلين والمتشكّكين، للالتفات أكثر نحو الاختبارات التجريبية لآلياتٍ ومتطلّبات محدّدة تفرضها البيئات المختلفة والمتنوّعة، والتي بدورها تشكّل الإطار العام الذي تتفاعل فيه الظاهرة مع مكوناتها الرئيسية، بحيث يشكّل الفرد عمودها الفقري.

من جانبه، ينادي باولو جيرباودو بضرورة اتخاذ موقف أكثر توازنًا، بالابتعاد عن ثنائية المتفائلين والمتشكّكين، من خلال التفكير في الكيفية التي تتبنّى بها مجموعة أو حركة معيّنة وسائلَ الإعلام الرقمي في بيئة ما، بدلًا من الاكتفاء بالبحث في خصائص هذه الوسائط بطريقة مجرّدة[5].

يسهم هذا الفهم البراغماتي إلى تعزيز تكيّف الناشطين مع المتغيّرات التي تفرضها سيولة التحولات الاجتماعية والسياسية. الأمر الذي يمكن أن يُترجم إلى إعادة النظر في استخدام الوسائل التكنولوجية في تحقيق أهدافهم المرجوّة.

إذًا تشكّل المقاربة البراغماتية وَفق هذا الفَهم عاملًا عمليًّا في النشاط الاحتجاجي، جنبًا إلى جنب مع دورها النظري في عمليات الفَهم والتفسير. إنّ الناشطين الذين يتميّزون بحسن تقدير بيئاتهم التي يتحرّكون فيها وحسن قراءتها، سوف يكونون أقدر من غيرهم على استثمار الأدوات التكنولوجية في نشاطهم الساعي نحو تحقيق ما يصبون إليه. فالبيئة التي نتحرك فيها اليوم، مع الانتشار الواسع لحملات التضليل(Misinformation) والتلاعب بالآراء والأخبار المزيفة (Fake News)، تختلف عن البيئة التي نشطت فيها الثورات عام 2011.

البنية التقنية وإمكانيات الفعل:

يتعزّز العامل الأول المتعلق بالفهم العملي البراغماتي لدور منصات التواصل الرقمية في الاحتجاجات الشعبية، مع العامل الثاني المتعلق بمعرفة وفهم البنية التقنية لشبكة الإنترنت بشكل عام، ولمنصات الإعلام الرقمي بشكل خاص.

         فإذا كان فَهم البيئة وتعقيداتها يساهم في ترشيد استخدام الأدوات التكنولوجية بشكل فعّال، فإنّ الإحاطة العملية ببنية التكنولوجيا التقنية وبإمكانات الفعل لديها، يؤدّي بالضرورة إلى الاستخدام الفعّال لها، والاستفادة منها على نطاق واسع.

إنّ السعي نحو محو الأمّية الرقمية وإشاعة الثقافة التكنولوجية، يُعدّ أحد مقوّمات الاستخدام الفعّال لتكنولوجيا المعلومات. وههو لا يتطلّب الإحاطة الشاملة، إذ تكفي إطلالة عامّة على أبرز الخصائص التقنية لهذه الأدوات، لمعرفة كيفية استثمارها بالشكل الذي يحقق أكبر قدر ممكن من النتائج المرجوّة. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من البَدء بالخصائص الكلاسيكية لشبكة الإنترنت، خصوصًا النموذج التفاعلي منها أو ما يُعرف بـWeb 2.0، والذي أضحى البنية التحتية لمنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب.

هذا ويبرز دور وسائل التواصل الرقمية أساسًا في «نشر المعلومات، ومعرفة العالم من حولنا، وتشكيل التصوّرات لدى المستخدمين، وخلق الروايات المضادّة وإنفاذها على أرض الواقع في نهاية المطاف»[6]، مستفيدةً بذلك من خصائص شبكة الإنترنت، كاللامركزية والمجهولية والمجانية.

         باختصار، يظهر دور هذه الوسائل في تعزيز الوعي لدى الشعوب، ويصبح إدراكها لتطلّعاتها ولحقيقة وجودها أعمقَ في الوجدان الجمعي. الأمر الذي يدفع الشعوب إلى التحرّك لإحداث نوع من التوازن في توزيع السلطة والثروة.

         ومع استخدامها الواسع، «تصبح وسائل التواصل الاجتماعي مرعبةً للأنظمة الاستبدادية، وذلك لدورها الفاعل في تزويد الناس بالأدوات اللازمة لإنشاء روايتهم الخاصَّة ونشرها، حيث يمكنهم التهرُّب من سيطرة النظام المحكمة على وسائل الإعلام، والالتفاف عليها. بطبيعة الحال، يمكن استخدام نفس منصات التواصل الاجتماعي أيضًا من قِبل الأنظمة الاستبدادية لاحتواء تحركات الشعوب، إمَّا من خلال إنتاج قصصٍ موازية، أو إطلاق حملاتٍ مضلّلة من أجل التشويه والتلاعب»[7].

لكن وعلى الرغم من كل التكتيكات التي تتخذها الأنظمة الاستبدادية للحدّ من الأثر الجماهيري لوسائل التواصل الرقمية، فإنها تبقى لاعبًا جوهريًّا في تسهيل حركة المعلومات ونشرها، بالقدر الذي يجعل من الصعب جدًّا على الأنظمة الاستبدادية -مهما بلغت من القوة- إدارة بيئة المعلومات أو التحكم بها»[8].

إنّ خلق الرأي العام لم يعد مقتصرًا على أذرع السلطة التقليدية، كما أنّ الإنتاج الثقافي قد تحرّر من القبضة الأمنية والسلطوية، وبات أيُّ مواطن عادي قادرًا على إنتاج روايته وإبرازها للرأي العام، ومن الأمثلة على ذلك قضية (إسراء غريب) في فلسطين، التي أصبحت قضية رأي عام، إذ أجبرت السلطات الفلسطينية على فتح تحقيق جادّ للتعرف على ملابساتها ومحاسبة الجناة.

البناء التراكمي والاحتجاج المجهري:

يظهر التأثير الجوهري لوسائل التواصل الرقمية في الاحتجاجات المجهرية (Micro-protests)، التي يؤدّي تراكمها في كثير من الأحيان إلى تغيّر كبير قد يمسّ شكل النظام. ففي مصر على سبيل المثال، بدأت الاحتجاجات المجهرية منذ عام 2005، مطالبةً بتحسين الواقع المعيشي، وتقليل العنف الممارس من قبل الأجهزة الأمنية على الناشطين، ومحاربة التحرش الجنسي.

وهو ما تُرجم إلى حركات كان منها حركة كفاية وتجمّع شباب 6 إبريل. وقد استُخدمت المدوَّنات الإلكترونية بشكل واسع في بداية الأمر، على سبيل المثال: مدوَّنة “Egytimes” للمدوِّن محمود مرعي، و”Arabist” للناشط حسام حملاوي، و”Manal and Alaa’s Bitbucket” للناشط علاء عبد الفتاح وزوجته منال. ليتطوّر الأمر بعد ذلك إلى استخدام الناشطين منصّات فيسبوك وتويتر، لتشتهر منها صفحة (كلنا خالد سعيد)، التي كان لها دور جوهري في ثورة 25 يناير، وأدّت في نهاية المطاف إلى سقوط نظام حسني مبارك[9].

وفي تونس، كان السياق متشابهًا في تفاصيله مع ما حدث في مصر. فالاحتجاجات المجهرية على حكم زين العابدين بن علي قد توالت بشكل متكرر منذ بداية الألفية، وقد أدّت تراكميتها إلى إشعال ثورة الياسمين التي أطاحت به عام 2011.

وربما تكون الرسالة المفتوحة التي نشرها القاضي مختار يحياوي عام 2001 على الإنترنت، فانتقد فيها سياسة نظام بن علي فيما يتعلق بالحرّيات العامة، أولَ الأمثلة على الاحتجاج على الإنترنت في تونس. لقد كانت هذه الرسالة في ذلك الوقت سابقة لم يشهد لها المجتمع التونسي مثيلًا[10].

ثم توالت بعدها الاحتجاجات على الإنترنت مع نشوء مجتمعات افتراضية كان من أبرزها: تكريز (Takiz) وTUNeZine، وReveil Tunisien، وTunisnews، ونواة (Nawaat) التي ساهم في تأسيسها الناشط التونسي المعروف سامي بن غربية. كانت الاحتجاجات تدور حول حقول الإنسان، وحرية التعبير، وكشف الوجه القمعي لنظام بن علي، الذي كان يتستّر خلف إصلاحات شكلية لإرضاء الغرب وجلب المستثمرين الخارجيين.

لقد ساهم هذا الجيل في فتح الطريق واسعًا أمام الجيل الجديد من المدوِّنين، الذين أخذوا على عاتقهم الاستمرار في تغذية التراكمية الاحتجاجية من خلال مدوَّناتهم، التي باتت أحد المصادر الرئيسية لتناقل المعلومات وتشكيل الأفكار وبناء الرأي العام. ومن هذا الجيل برز على سبيل المثال: المدوِّن حسام بن عمير في مدوَّنته “TN-Blogs”، و”Radioun” التي أنشأها المدوِّن طارق كهلوي[11]. وقد بلغ عدد المدوَّنات الناشطة في تونس حتى عام 2009 نحو 35 ألف مدوَّنة[12].

إنّ الاحتجاجات المجهرية وتواصلها، من شأنه أن يمهّد الطريق إلى العتبة الثورية، وذلك من خلال تأثيرها في تشكيل الرأي العام، وإبقاء تدفّق المعلومات متواصلًا، الأمر الذي يحرم أيَّ نظام من السيطرة على الإنتاج الثقافي والسياسي. والظنُّ بأنّ العتبة الثورية -أي تلك النقطة التي تتحرك فيها الجماهير بشكل عفْوي وكبير نحو هدف مشترك- قد يتحقّق الوصول إليها من خلال قفزات طارئة، يُعدّ تضليلًا. إنّ العتبة الثورية يجب أن يسبقها تمهيد تراكمي لمجموعة من الاحتجاجات المتتالية، بغضّ النظر عن كون هذه الاحتجاجات مطلبية أم سياسية أم حقوقية.

من هنا تأتي -على سبيل المثال- أهمية ظاهرة محمد علي، المقاول المصري الذي برع في استخدام تقنية البث المباشر لنشر روايته التي تتعلق بفساد النظام المصري[13]. لم يكن يتوقّع لهذه الظاهرة أن تُطيح بالرئيس عبد الفتاح السيسي، ولكنها خلقت جدلًا كبيرًا في الفضاء العام، وحركت المياه الراكدة، ودفعت الكثير إلى إطلاق مبادرات على الفضاء الرقمي لتحدّي النظام، منها على سبيل المثال: “الجوكر المصري”. إذًا تكمن خطوة محمد علي في البناء التراكمي للاحتجاج المجهري، في الوصول إلى العتبة الثورية التي من شأنها أن تحدث تغييرًا على مستوى النظام السياسي.

الخاتمة

إنّ لمنصات التواصل الرقمية أهميةً كبرى في التحولات الاجتماعية، وهذا الدور يتعاظم مع الانتشار الكبير لشبكة الإنترنت، وتزايد عدد المستخدمين. وستعتمد فاعلية دور منصات التواصل الرقمية في التحولات السياسية والاحتجاجات الشعبية على ثلاثة عوامل، تتعلق بالفهم البراغماتي والعملي لهذا الدور ضمن بيئات سياسية واجتماعية تتّسم بالاختلاف والتنوع، ومدى الإحاطة المعرفية بالتقنيات التكنولوجية، ومدى التكيّف مع الاحتجاجات المجهرية وتراكمها المتواصل.

إنّ مدى تأثير الإنترنت ومنصات التواصل الرقمية في دعم التحول نحو الديمقراطية، سوف يتحدّد بناء على قدرة الناشطين على تبنّي هذه العوامل الثلاثة. فإذا كانت الإنترنت هي الفضاء الذي باتت تتشكل فيه عمليات الوعي والإدراك لدينا، وباتت منصات التواصل الرقمية الأداة الأكثر فاعليةً واستخدامًا في عمليات التواصل والتنسيق وتشكيل المجموعات، فإنّ المحافظة على هذه الأدوات بعيدًا عن السيطرة الحصرية للحكومات السلطوية سيُعدّ في غاية الأهمية في مسار الاحتجاج والتحول نحو أنظمة أكثر انفتاحيةً وتعدّديةً.


المصادر والمراجع: 

[1] للمزيد، يُرجى الاطلاع على:

Gladwell, M., & Shirky, C. (2011). From Innovation to Revolution: Do Social Media Make

Protests Possible? Foreign Affairs. Retrieved from http:// www.foreignaffairs.com/ print/67189

Shirky, C. (2011). The Political Power of Social Media: Technology, The Public Sphere, and

Political Change. Foreign Affairs, Retrieved from: http://www.foreignaffairs.com/print/66987

[2] للمزيد، يُرجى الاطلاع على:

Morozov, E. The Net Delusion: The Dark Side of Internet Freedom. Jackson, TN: Public Affairs, 2011.

He, B., & Warren, M. E. (2011). Authoritarian Deliberation: The Deliberative Turn in Chinese Political Development.Perspectives on Politics, 9(2), 269-289.

[3]   فيال، ستيفان. (2018). الكينونة والشاشة: كيف يغيّر الرقمي الإدراك. ترجمة إدريس كثير، هيئة البحرين للثقافة والآثار.

[4] Lynch, Marl. (2011). After Egypt: The Limits and Promises of Online Challenges to Authoritarian Arab State.Perspective on Politics 9/02, P. 303.

[5] Gerbaudo, Paolo. (2013). The Kill Switch as Suicide Switch: Mobilizing Side Effects of Mubarak’s Communication Blackout. Westminster Papers in Communication and Culture, 9/2, p. 30.

[6] Odeh, Nabeel. “A Gladiator in the Digital Age: Mohammad Ali as a Case”. Al Sharq Forum, 24 September 2019.

[7] المصدر السابق

[8] المصدر السابق

[9] Faris, D. M. (2015). Dissent and Revolution in a Digital Age: Social Media, Blogging and Activism in Egypt. London: I.B. Tauris.

[10] Zayani, M. (2015). Networked Publics and Digital Contention the Politics of Everyday Life in Tunisia. New York: Oxford University Press.

[11] المصدر السابق

[12] Bruce Etling et al., “Mapping the Arabic Blogosphere: Politics, Culture and Dissent,” Berkman Center Research Publication No. 2009–6 (June 2009), http://cyber.law.harvard.edu/sites/cyber.law.harvard.edu/files/

[13] Odeh, Nabeel. “A Gladiator in the Digital Age: Mohammad Ali as a Case”. Al Sharq Forum, 24 September 2019

نبيل عودة

باحث في العلاقات الدولية والسياسة الرقمية
زر الذهاب إلى الأعلى