معادلة إدلب ومستقبل التعاون التركي الروسي

محمد جنكيز

باحث سياسي تركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • على المدى القصير والمتوسط، فإنه من المتوقع أن يستمر التعاون بين تركيا وروسيا، وحتى على المدى الطويل فمن المحتمل أن يتخذ الموقف شكلاً غير مستدام نظراً للتطلعات الجيوسياسية المتباينة.

أدى الهجوم الأخير للنظام السوري المدعوم من روسيا على المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة السورية إلى نزوح ما يقارب من مليون شخص، الأمر الذي جعل أنقرة وموسكو ودمشق على شفا حفرة من المواجهة في محافظة إدلب، وتسبب الهجوم في مقتل العديد من الجنود الأتراك، آخر الهجمات أدت لمقتل قرابة 33 جندي تركي وإصابة 35 آخرين.

واتهمت الأطراف بعضهما بخرق اتفاقية التهدئة لعام 2018، التي سمحت لهما بإنشاء مراكز مراقبة في إدلب، مواجهة طريقًا مسدودة لتهدئة الصراع في المحافظة، وقد أعرب الرئيس التركي عن نيته لعقد اجتماع بين قادة روسيا وفرنسا وألمانيا لمناقشة الوضع في شمال غرب سوريا.

تساؤلات خطيرة أثارتها الهجمات الأخيرة؛ فيما يتعلق بالتعاون التركي الروسي، فعلى الرغم من أن بعض المحللين يميلون لوصف مثل هذه العلاقات ب ” الشراكة الاستراتيجية” إلا أن محافظة إدلب ما تزال تشكل محط اختبار لمعرفة حدود العلاقات التركية الروسية الثنائية، وتهدف هذه الورقة إلى معرفة حدود التعاون التركي الروسي من خلال الأخذ بعين الاعتبار الوضع الحالي الهش في شمال غرب سوريا.

أهمية إدلب:

تعد إدلب والتي كانت مأوى لأكثر من ثلاثة ملايين سوري خلال السنوات الماضية، منطقة احتكاك بين البلدين منذ فترة طويلة، وفي الوقت الذي تتجه فيه قوات بشار الأسد نحو شمال محافظة إدلب بمساعدة القوات الجوية الروسية، تتكشف أزمة إنسانية جديدة؛ حيث أدت هذه الموجة الجديدة من الهجمات إلى نزوح جماعي نحو الحدود التركية. وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: ” لقد نزح أكثر من 800.000 شخص في شمال غرب سوريا منذ الأول من ديسمبر الماضي بسبب النزاع العنيف في المنطقة”. عشرات الآلاف من النازحين من الذين رفضوا الاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها النظام لجأوا إلى إدلب الملاذ الأخير لهم، ومع ذلك فقد وجدوا أنفسهم محاصرين، بالتالي فإن احتمال حدوث موجة هائلة من اللجوء إلى تركيا يفرض ضغوطًا كبيرة على العلاقات الثنائية التركية الروسية.

ما بين المعارضة وقوات النظام

إدلب هي المعقل الأخير للثوار الذي يقاتلون نظام  الأسد خلال حرب استمرت لمدة تسع سنوات حيث تعمل فيها كل من قوى المعارضة المعتدلة والجماعات المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام وحراس الدين المصنفتين كمنظمات إرهابية؛ فبالنظر إلى حقيقة أن نظام الاسد قد نجح في السيطرة على أربع مناطق إلا واحدة من مناطق التصعيد في اتفاق أستانا، فإن إدلب تكتسب أهمية حيوية للمعارضة كما هو الحال بالنسبة للنظام.

وبالتالي فإن وجود جهات راديكالية يوفر للنظام السوري وداعميه ذريعة لخرق اتفاقيات وقف إطلاق النار؛ في الوقت الذي يصف فيه النظام السوري الثوار بأنهم ” إرهابيون”، وعلى الرغم من التحول الذي تشهده هيئة تحرير الشام إلا أنها ما تزال تعد ” منظمة إرهابية” في نظر كل من تركيا وروسيا. وقد أصبحت هذه الجهة الحاكم الفعلي لمحافظة إدلب بعد أن هزمت المجموعات المنافسة لها في المنطقة، حيث أن وجود منظمات أخرى تتبنى الخطاب الجهادي مثل حراس الدين وأنصار التوحيد يزيد الموقف تعقيداً، بالإضافة إلى ذلك فإن تواجد المقاتلين الأجانب في إدلب من العرب وغير العرب يعزز تبرير نظام الأسد ومؤيديه لشن هجمات على المنطقة.

وقد أتاحت اتفاقية “أستانا” للنظام فرصة إعادة هيكلة الصراع في البلاد وفقاً لأولوياته وجداوله الزمنية حيث سهل هذه الاتفاقية الداعمان الرئيسيان للنظام: إيران وروسيا؛ ففي الوقت الذي قدمت فيه إيران القوة البشرية اللازمة فإن روسيا دعمت النظام بقواتها الجوية المتفوقة الفتّاكة.

ولطالما تعهدت دمشق بإعادة بسط سلطتها على كل شبر من سوريا، في الوقت الذي تشكل فيه إدلب مصدر تهديد للنظام باعتبارها القلعة الأخيرة لقوى المعارضة التي استخدمتها مراراً وتكراراً لشن هجمات على محافظات أخرى بما فيها اللاذقية؛ أضف إلى ذلك أن كل من الطرق السريعة “M4” و “M5” والتي تربط محافظتي اللاذقية ودمشق بمحافظة حلب تشكل نقطة حاسمة للنظام. وفي محاولة لاستعادة المنطقة، بدأ النظام حملة عسكرية على إدلب في إبريل 2019، والتي استمرت حتى أغسطس وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن الموالون للنظام المدعوم من روسيا من السيطرة على مساحة كبيرة من الأراضي باستثناء السيطرة على “خان شيخون” التي تشكل ساحة معركة ذات أهمية استراتيجية في إدلب.

وتواجه قوات المعارضة تهديداً وجوديًا في إدلب؛ فبعد اشتباكات عنيفة مع قوات النظام، انتهى وجودها شمال حماة، وفي حال فقدت المعارضة السيطرة على محافظة إدلب فإن وجودهم في مناطق أخرى سيكون على المحك في الفترة المقبلة، ونتيجة لذلك اتحدت قوات المعارضة وأظهرت مقاومة شديدة في سبيل الوقوف ضد الموجه الأولى من الهجمات العسكرية، ومن الأمور التي شكلت بعداً مهماً في هذه المعركة الدعم العسكري التركي للجماعات المدعومة منها، وبعد ثلاثة أشهر من القتال وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، خرقت قوات النظام السوري التهدئة مرات عديدة.

وتشكل الحملة العسكرية على إدلب استمراراً للهجمات التي بدأت في أواخر إبريل، فعلى العكس من الموجة السابقة فإن النظام تقدم بسرعة وسيطر على مناطق مهمة للغاية ولأول مرة منذ 2012 مثل “معرة النعمان” والتي تعد بلدة مهمة واقعة على الطريق الاستراتيجي السريع M5 الذي يربط دمشق بحلب على طول أكبر أربع مدن في سوريا.

مصالح روسيا في إدلب في خطر

تكمن أهمية إدلب بالنسبة لروسيا إلى حد كبير تطلعاتها في شرق المتوسط؛ إضافة إلى أهدافها واستراتيجيتها طويلة المدى في سوريا، والتي كانت بناءً على الاستثمار المفرط في بقاء “طول عمر” تعمير النظام السوري وقدرته على السيطرة على البلاد، تتطلع روسيا إلى ضمان حماية سلامة قاعدة” الحميميم” الجوية المنشأة عام 2015 شرق اللاذقية، والتي استهدفتها صواريخ الثوار عدة مرات.

وأكد كل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والمتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا على استمرار مخاوفهما بخصوص إدلب وحميميم، وبدا من الواضح في هذا الصدد أن موسكو تريد من النظام أن يسيطر على المحافظة عسكرياً وتدمير المدن كلياً، وتسوية المدن بالأرض.

ولقد توصلت روسيا إلى اتفاق مع النظام السوري بشأن استخدام ميناء طرطوس لمدة 49 عاماً، فمن المتوقع أن يستخدم الميناء لأغراض النقل إضافة لأغراض اقتصادية مع الحفاظ على الهدف الأساسي كونه قاعدة للسفن الحربية، بالتالي فإن صانعي السياسات الروس يرون أن السيطرة على إدلب يشكل مفتاحاً لمصالحهم.

من ناحية أخرى؛ فإن المواجهة التركية الروسية في ليبيا سوف تعد فاعلاً آخر وراء التصعيد الأخير في إدلب، في الوقت الذي وجدت كل من موسكو وأنقرة نفسها على الجبهات المقابلة في طرابلس بعد تكثيف التدخل في الأزمة الليبية خلال الأشهر الماضية الأمر الذي زاد التوتر بين الجانبين.

موقف تركيا من إدلب

سيطرة النظام السوري على محافظة إدلب من شأنها أن تعرض وجود تركيا للخطر في مناطق درع الفرات وعملية الزيتون، في حين أنه إذا استولت قوات النظام على هذه المناطق فسيشكل وجود تركيا محلاً للشك وربما سيتعين عليها مغادرة هذه المناطق على المدى الطويل، مع أن بعض مراكز المراقبة قد حوصرت وفقدت قوتها في الردع، إلا أنه لا يتوقع أن تزيل تركيا تلك المواقع أو تنقلها على المدى القصير، وستضعف خسارة إدلب، والتي تعد بؤرة مهمة بالنسبة لتركيا من موقفها في المفاوضات السياسية فيما يخص مستقبل سوريا.

علاوة على ذلك فإن القضية الأكثر تحدياً بالنسبة لتركيا هي قدوم موجة جديدة من اللاجئين السوريين، فوفقاً للمديرية العامة لإدارة الهجرة في وزارة الداخلية التركية فإن تركيا تستضيف حوالي 3.6 مليون لاجئ سوري، بالتالي لا يمكن للبلاد أن تتحمل هذه الموجة الجديدة في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي الحالي لها، وسيشكل تدفق اللاجئين ليس كارثة على صعيد تركيا فقط بل أيضا على صعيد اللاجئين أنفسهم، في الوقت الذي بدأت تتزايد فيه لغة الكراهية ضد الأجانب في المجتمع التركي، والأمر الذي يزيد الطين بلة أنه لا يمكن نقل هؤلاء اللاجئين إلى مناطق درع الفرات أو عملية الزيتون في سوريا لأنه وعلى الرغم من بينتها التحتية السيئة إلا أنها شديدة الاكتظاظ بالسكان.

مهاجرون يركبون الباصات من اسطنبول نحو الحدود مع أوروبا بعد إعلان تركيا فتح الحدود
مهاجرون يركبون الباصات من اسطنبول نحو الحدود مع أوروبا بعد إعلان تركيا فتح الحدود

أوروبا وكابوس اللاجئين

أوروبا لم تحرك ساكناً في الغالب خلال السنوات الماضية فيما يتعلق بسوريا، أما فيما يتعلق بإدلب تحديداً فإن الدول الأوروبية عبرت عن مخاوفها ضمن الخطابات خوفاً من تدفق اللاجئين نحو الحدود الأوروبية، وستتحمل أوروبا عواقب التقاعس واللامبالاة تجاه إدلب بل تجاه سوريا ككل، لذلك فإن إن تداعيات الهجمات على إدلب ستتجاوز الحدود الجغرافية للمحافظة ذاتها، ومع التدفق المحتمل للاجئين، قد تلجأ تركيا إلى فتح ممر يحاول من خلاله اللاجئون التدفق إلى الدول الأوروبية، ومما يزيد احتمالية قدوم موجة كبيرة من اللاجئين ويخلق مخاوف أمنية جديدة لكل من تركيا وأوروبا، تواجد عدد كبير من المقاتلين الأجانب في إدلب.

العلاقات التركية الروسية بين الانفراج والتنافس

  • طور الانفراج

لم يمكن لأحد أن يتوقع تحسن العلاقة بين البلدين بعد أن أسقطت تركيا مقاتلة روسية من طراز Su-24 في سوريا أواخر عام 2015، وبتلك الحادثة المأساوية وصلت العلاقة إلى أدنى درجاتها وأوصلت المواجهة العسكرية بينهما إلى الحافة، وعلى الفور علقت روسيا الآلية القائمة بين البلدين ونشرت منظومة الدفاع الجوي إس-400 في سوريا، ثم أغلقت المجال الجوي للبلاد على الطيران التركي، كما وفرضت موسكو عقوبات اقتصادية على تركيا واستهدفت ايضاً قطاع السياحة، مما لا يدع مجالاً للشك أن تركيا قد خسرت خلال تلك الفترة مليارات الدولارات بالإضافة إلى خسارتها النفوذ على سوريا.

على الرغم من ذلك فإن العلاقة عادت وتحسنت بين البلدين في أقل من عام، ونشأت شراكة نابعة من ضروريات الواقع في ساحة المعركة السورية. ويذكر أنه في بداية الحرب السورية كان الهدف الأساسي لتركيا تغيير النظام السوري، ومع مرور الوقت تغيرت تصوراتها وأولويات التهديد في البلاد، بينما في الواقع أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني التابع لحزب العمال الكردستاني في تركيا، والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية قد زاد من قوته في شمال سوريا، وقد شكل وجود الهيئات الإدارية والأمنية التابعة للحزب على طول الحدود التركية تهديداً أمنياً كبيراً لأنقرة، في حين أدى دعم الولايات المتحدة الأمريكية المستمر لوحدات حماية الشعب الكردية تحت مظلة ” محاربة داعش” إلى تفاقم المخاوف الأمنية التركية بشأن مستقبل سوريا.

هنا؛ أصبحت أولوية أنقرة القصوى هي القضاء على سلطة تلك المنظمة، وبالابتعاد عن إدارة ترامب وجدت تركيا نفسها قرب من موسكو، وبعبارة أخرى ” كان تعاون تركيا مع روسيا فيما يخص الأزمة السورية ضرورة وليس خياراً”، على الرغم من أن روسيا لا تعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني منظمة إرهابية، وتسمح له بوجود مكتب سياسي في موسكو، إلا أنها اختارت مساعدة تركيا بالبدء بعملية عسكرية في منطقتي الباب وجرابلس أولاً، ولاحقاً في عفرين وذلك من خلال السماح لتركيا باستخدام المجال الجوي السوري.

لاشك بأن موسكو قد استفادت من ابتعاد تركيا عن الولايات المتحدة -تراخي العلاقات مع إدارة ترامب خصوصاً ومع الغرب عموماً على مدار الأعوام الماضية- مما جعل التعاون التركي الروسي يتراوح ما بين النزاع في سوريا من جهة، ومحطة “أكويو” للطاقة النووية وصناعات الدفاع من جهة أخرى، ومما أوصل التعاون بين البلدين إلى ذروته هو قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية طويلة المدى طراز إس- 400 وإطلاق خط أنابيب الغاز الطبيعي التركي.

وقد أتاحت ديناميكيات الصراع السوري لروسيا فرصة إثبات وجودها في البلاد؛ في الوقت الذي لم تكن فيه سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط واضحة ومتسقة في ظل اتفاقية “أستانا” واتفاقية “سوتشي” اللتان عززتا فرص التعاون التركي الروسي، مما مهد الطريق لتركيا نحو اتفاقية مناطق التصعيد  وفق “أستانا” التي ساعدتها على إنشاء أول 12 نقطة مراقبة في إدلب، علاوة على ذلك توسط اتفاق المنطقة المنزوعة السلاح بين أنقرة وموسكو في سبتمبر 2018 لمنع حدوث أزمة إنسانية في محافظة إدلب، ونتيجة لعدم التزام النظام السوري وروسيا بالشروط المحددة بين الطرفين فقدت كلتا الاتفاقيتين فعاليتهما ووظائفهما المنشودة.

مصير التعاون التركي الروسي بعد الهجمات الأخيرة

بات من الواضح تماماً أن النظام وروسيا يهدفان إلى السيطرة على إدلب عسكرياً حيث لم يلتزم النظام ولا حتى روسيا بوقف إطلاق النار المعلن هناك، ويواصل الجانبان القصف الجوي والبري العشوائي على أنحاء المحافظة بما في ذلك الأسواق والمدارس والمستشفيات، وإلى جانب النزوح الجماعي تسبب القصف في إصابة عدد كبير في صفوف المدنيين، أدى مؤخراً لمقتل قرابة 35 جندي تركي بعد قصف رتلهم العسكري.

كان من المتوقع بعد اتفاقية “سوتشي” سبتمبر 2018، أن يتم إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب، والتي من شروطها مغادرة جماعات مثل هيئة تحرير الشام من المنطقة إضافة إلى سحب الأسلحة الثقيلة من قوات المعارضة المعتدلة، وتهدف الاتفاقية أيضا إلى استعادة الحركة التجارية على الطرق السريعة M4 و M5 وإقامة دوريات مشتركة.

وقد التزمت القوى المعتدلة بسوتشي، إلا أن تركيا واجهت العديد من المشاكل بشأن استمرار هيئة تحرير الشام في شن هجمات على قوات المعارضة المعتدلة، وزادت بسط نفوذها بشكل كبير آخذة بعين الاعتبار تسوية سياسية محتملة بشأن مستقبل سوريا، تسببت هذه الهجمات بوضع تركيا في مأزق من شأنه أن يضعف موقف تركيا في المواجهة مع روسيا.

في هذا الصدد، استغلت روسيا وجود جماعات متشددة في إدلب كورقة مساومة، حيث أعقب كل وقف لإطلاق النار في إدلب تصعيد عسكري جديد، وكانت استراتيجية النظام وروسيا تتمثل في السيطرة على محافظة إدلب شيئاً فشيئاً؛ فعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدها النظام هناك استمرت قواته في التقدم نحو وسط إدلب.

تمكنت تركيا وروسيا ورغم كل الصعاب من التغلب على الخلافات بينهما حول سوريا والحفاظ على التعاون حتى اللحظة، بينما تسعى روسيا لتتويج انتصاراتها العسكرية باتفاق سياسي في سوريا ووضع الأسد على سدة الحكم في البلاد، وبالتالي فإن إدلب تكتسب أهمية في هذا السياق.

بعد تكثيف الهجمات على إدلب، أرسلت تركيا تعزيزات عسكرية إلى المحافظة نظراً لأن بعض مراكز المراقبة فقدت وظيفتها بعد أن طُوِّقت، وبعد ذلك بدأت تركيا بإنشاء قواعد عسكرية مؤقتة إضافة إلى مراكز المراقبة التابعة لها محاولة منها لمنع تقدم النظام إلى شمال إدلب.

مع ذلك، استمر النظام في التقدم واستطاع السيطرة على معرة النعمان من ثم تقدم إلى سراقب ومناطق أخرى وكذلك الطريق الاستراتيجي السريع M5، وبطبيعة الحال هاجمت قوات الأسد القوات التركية وقتلت 16 جندياً تركياً، وردت تركيا بضرب عشرات الأهداف التابعة للنظام مع استمراره في زيادة العدوان على إدلب.

وبات من المرجح بدرجة كبيرة أن ترد تركيا على تلك الهجمات بوسائلها العسكرية في نفس السياق الذي تشير فيها تصريحات الرئيس أردوغان إلى احتمالية حدوث تصعيد في المحافظة، حيث صرح مؤخراً أنه يجب على النظام سحب قواته إلى حدود اتفاقية سوتشي بحلول فبراير، وإلا فإن تركيا ستلجأ إلى الوسائل العسكرية لإجبار النظام على ذلك، وأردف أيضاً أن “عملية إدلب هي مسألة وقت وقد تأتي فجأة بين عشية وضحاها”.

لم تسفر الاجتماعات الدبلوماسية الأخيرة مع المسؤولين الروس عن نتائج إيجابية، لذا تعمل تركيا على زيادة دعمها العسكري لجماعات المعارضة؛ الخطوة التي من شأنها أن تؤدي إلى إطالة أمد التوتر وتوسيع مناطق النزاع بين البلدين، ومن هذا المنطلق أصبح من المهم التأكيد على أن إدلب في الفترة المقبلة ستظل منطقة احتكاك بين تركيا وروسيا -الداعم الرئيسي للنظام-.

ولعل دعم الدول الأوروبية له دور مهم للغاية في تهدئة العلاقات، فمن الممكن أن يشكل إنشاء منطقة آمنة في إدلب حلاً في الوقت الحالي للأطراف المختلفة، وبالفعل؛ فقد دعا وزير الدفاع التركي “هولوسي أكار”  إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح للاجئين اليائسين الفارّين من المحافظة، وتهدف تركيا إلى إنشاء ملاجئ مؤقتة للنازحين داخل المحافظة، مع الأخذ بعين الاعتبار تكاليف موجة اللجوء الجديدة نحو أوروبا، ودعمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مؤخراً هذه المبادرة وذكرت أن الأموال الألمانية ستكون داعمة لهذه الخطوة، كما أرسل المسؤولون الأمريكيون رسائل إيجابية إلى تركيا في سبيل المحاولات لإصلاح العلاقات مع انقرة.

ويمكن القول إن الإبقاء على الاجتماعات المتبادلة والمحادثات المكثفة بين تركيا وروسيا بهدف التوصل إلى حل سياسي سيكون السبيل الوحيد والنهائي لتجنب المواجهة العسكرية والظروف المشينة لكلا الطرفين.

وستكون هنالك فرصة لمنع التصعيد في حال كان لدى الطرفين الإرادة للعودة إلى اتفاق “سوتشي” الموقع عام 2018 و الانضمام كلٌ إلى قوات الأمن التابعة له عن طريق  زيادة الدوريات المشتركة في المحافظة وتنفيذ وقف إطلاق النار، وإلا فإن التصعيد العسكري والسياسي سيزداد بشكل تدريجي في إدلب، وسيتسبب في المزيد من الإصابات في صفوف الطرفين إضافة إلى الأعداد الكبيرة من النازحين واللاجئين على الحدود التركية.

الخلاصة

لم يعد سراً أن كلا البلدين لديهما رؤى مختلفة تماماً تجاه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فلقد بات من الواضح ليس فقط في سوريا إنما في بلدان أخرى مثل ليبيا ومصر حيث استمروا في دعم الأطراف المتنافسة في كل منهما، وبما أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تمران بتحول كبير، ليس لكل من أنقرة وموسكو خيار سوى إعادة ضبط خيارات سياستهما الخارجية تماشياً مع الأحداث المتغيرة في مختلف البلدان، حيث تمهد التحالفات الجيوسياسية في المنطقة الطريق لكلا البلدين للتعاون في مختلف القضايا.

ومع أن هجوم إدلب فرض ضغوطاً هائلة على العلاقات التركية الروسية مؤخراً، لا يبدو أن التعاون بين البلدين قد فشل في المستقبل القريب، وفي ظل التطلعات الجغرافية السياسية المتباينة لكلا الطرفين تجاه المنطقة ككل، فمن المنصف القول أن علاقتهما في المنطقة تنافسية وتعاونية في أحيان أخرى، حيث توجد لدى الطرفين صفقات مختلفة طويلة الأمد وسيعمل كل منهما على أصعدة مختلفة، يضاف إلى ذلك أن ليبيا اصبحت مجالاً جديداً يمكن استخدامه للتعاون وكذلك المنافسة بين الطرفين.

في المستقبل القريب، سيستمر كل من البلدين في إدارة خلافاتهم رغم كل الصعاب المحدقة بهما. فمن ناحية، تحتاج روسيا إلى تركيا في سوريا من أجل عقد صفقة سياسية من خلال اتفاق أستانة أو اتفاق سوتشي، ويشكل وجود تركيا ضامناً للمعارضة الذي يمثل عامل إضفاء الشرعية على كل من الاتفاقيات المذكورة، ومن الناحية الأخرى فإن تركيا أيضاً تحتاج لتواجد روسيا في سوريا حيث ما تزال هناك بعض الإشكاليات التي لم تحل بعد؛ مثل مستقبل تل رفعت وشرق الفرات.

وكما ذكر بوتين فإن سوريا التي عادت روسيا بسببها إلى الشرق الأوسط، كانت منطقة مهمة لإقامة علاقات جيدة من تركيا، ولا يبدو في المستقبل القريب أن الوضع بين تركيا وروسيا سيصل إلى نقطة اللاعودة، بالتالي لا ينبغي إغفال بعد التعاون بين تركيا وروسيا، بيد أن كل من بوتين وأردوغان لديهما شكوك تجاه الغرب مما يعزز من أفق التعاون بينهما، ويبدو أن الوضع سيستمر بهذه الطريقة،  وأن هذا الموقف ينطوي على العديد من التحديات نظراً لان العلاقات الثنائية بين البلدين إنما هي فقط بين أردوغان وبوتين، وليست مبنية على علاقات التنسيق والتفاهم بين المؤسسات السيادية.

بشكل عام؛ حتى لو تم خرق اتفاق أستانا وسوتشي مع الاستيلاء اللاحق على مناطق التصعيد والاعتداءات على إدلب، فإن العلاقات الثنائية بين موسكو وأنقرة لن تنهار لأنها علاقات متعددة الأوجه، وإدلب لم تكن نقطة البداية في التعاون بين الطرفين، بالتالي لن تنته بهجوم إدلب.

وعلى المدى القصير والمتوسط، فإنه من المتوقع أن يستمر التعاون بين الطرفين، وحتى على المدى الطويل فمن المحتمل أن يتخذ الموقف شكلاً غير مستدام نظراً للتطلعات الجيوسياسية المتباينة.

محمد جنكيز

باحث سياسي تركي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى