مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية بعد “سليماني”

اقرأ في هذا المقال
  • سيناريو الهجمات المحدودة من قبل حلفاء أو وكلاء إيران؛ خاصة في العراق في الأيام القادمة هو الأكثر ترجيحاً لدى طهران بما يخدم مصالحها ويجنبها دخول المواجهة، وقد يفتح الطريق إلى التفاوض بين الطرفين للتوصل إلى صفقة جديدة

مقدمة

شكلت عملية اغتيال اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في 3 يناير 2020 تجاوزاً خطيراً للخطوط الحمراء لقواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران، وتجاوز للأعراف الدولية في الحرب بين الدول بتجنب قتل القادة والمسؤولين في الدول المتحاربة.

بالرغم من العداء المستحكم بين واشنطن وطهران منذ قيام الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني 1979، وما تبعها من فرض عقوبات على طهران منذ حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية.

سعت إيران في مرحلة لاحقة إلى إعادة رسم علاقتها الإقليمية والدولية بعد صعود الرئيس هاشمي رفسنجاني الذي سعى بكل قوة إلى إيجاد خطوط تواصل مع دول الجوار؛ والتفاهم مع الإدارة الأمريكية، إلا أن الجانب الأمريكي وقتها لم يستقبل هذه الإشارات الإيجابية بوديّة؛ بل رد عليها الكونغرس الأمريكي 1996باستصدار قانون “داماتو” الذي بدأ بفرض عقوبات على الشركات والدول التي تتعاون مع إيران في مجالات تخدم مشاريعها العسكرية، ولأول مرة في العلاقات الدولية تفرض دولة عقوبات على دول ومؤسسات لمجرد تعاونها مع دول أخرى؛ بالرغم من كل هذا العداء الطويل إلا أنه لا توجد حالة حرب رسمية بين البلدين؛ وبالرغم من الفترة الوجيزة التي بدأت فيها العلاقات بين البلدين تخرج من الأزمة في عهد الرئيس أوباما بعد التوصل إلى اتفاق التفاهم المشترك في يوليو 2105؛ إلا أن التوتر عاد مرة أخرى بين البلدين في أعقاب قرار الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2015، وبدأ اتخاذ حزمة من العقوبات المتدحرجة حتى وصلت العقوبات إلى مرحلة ما يسمى ” أقصى العقوبات ” بهدف اجبار إيران على اعادة التفاوض على الاتفاق النووي السابق بالتزامن مع بدء سريان الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على طهران .

الذهاب إلى الصدام

ردت إيران بضبط النفس، وما يعرف ” بالصبر الاستراتيجي “في محاولة لكسب الوقت وتجنب الصدام على أمل انتهاء ولاية ترامب من جهة، ومن جهة أخرى عزل الولايات المتحدة دبلوماسياً وكسب تنازلات اقتصادية من أطراف أخرى في الاتفاق النووي.

لكن هذا النهج فشل في تحقيق فوائد مادية بحلول مايو 2019، اختارت طهران بدلاً من ذلك البدء في التراجع عن الاتفاق النووي إلى جانب حملة من تصعيد التوترات في جميع أنحاء المنطقة.

جاءت هجمات الألغام الإيرانية ضد سفن الشحن الدولي في مايو ويونيو 2019، ثم أسقطت إيران طائرة أمريكية بدون طيار، مما أدى إلى نشوب صراع مفتوح مع الولايات المتحدة.  وفي سبتمبر / أيلول 2019 اتهمت واشنطن طهران بالوقوف خلف ضرب منشأة “بقيق” في المملكة العربية السعودية، التي هي جزء من البنية التحتية النفطية الأهم في العالم للحليف السعودي.

الأخطر عندما اندلعت موجة المظاهرات في العراق والتي هاجمت الولايات المتحدة إيران متهمة إياها بالتسبب بالخراب السياسي والاقتصادي في العراق، وسلطت الحشود غضبها على المصالح الإيرانية، في المقابل ردت الحكومة التي يتهما المتظاهرون بأنها موالية لإيران بعنف وقساوة غير معهودة أدت إلى مقتل 500 مواطن عراقي، وإصابة حوالي 20 ألف شخص، اتُّهمت المليشيات المؤيدة لإيران بارتكاب معظمها.

شكلت الهجمات على السفارة الأمريكية في بغداد بعد ذلك نقطة تحول في العلاقة بين الطرفين، حين اتهمت واشنطن الذين هاجموا السفارة الأمريكية بأنهم تحركوا بدفع من طهران لتحويل الانتباه عن التظاهرات المعادية لها، وكان الرد الأمريكي بقصف موقع للحشد الشعبي الموالي لطهران، وكان الحادث الأخطر حين بدأت مجموعات الميليشيات الشيعية بإطلاق الصواريخ على القواعد الأمريكية في العراق، مما أدى في النهاية إلى مقتل مقاول أمريكي الأسبوع الماضي؛ وعليه ردت واشنطن بعمل انتقامي باغتيال سليماني.

اغتيال سليماني من وجهة نظر أمريكية

هناك جملة من الأسباب دفعت ترامب لاتخاذ هذا القرار على رأسها قناعة الإدارة الأمريكية بأن سليماني يقف خلف المشاريع المعادية لمصالح الولايات المتحدة، ويهدد مصالح حلفائها الذين يدفعون الأموال سواء في اليمن أو على أرض العراق أو ضد الاحتلال الإسرائيلي.

لكن الشعرة التي قصمت ظهر البعير هو رؤية واشنطن بأن عملية الاحتجاج، ضد مجمع سفارة الأمريكية في بغداد الأسبوع الماضي كانت من تدبير “سليماني” لجعلها تبدو كما لو أن العراقيين يطالبون بخروج القوات الأميركية، بينما كان العراقيون، يطالبون بانسحاب إيران، فالمتظاهرون كانوا من أفراد الميليشيات المؤيدة لإيران.

يبدو أن الرئيس ترامب أدرك أن الجنرال سليماني كان يخطط لدفع الأمريكان للهجوم على الجانب العراقي بقصف قواتهم، على أمل أن يبالغوا في رد فعلهم، وقتل العراقيين لكي ينقلبوا على الولايات المتحدة؛ وبدلاً من ذلك وجه ترامب رده على الجنرال سليماني المسؤول عن القوات التي هاجمت القوات الأمريكية.

لا يريد ترامب أن يظهر ضعيفاً؛ كما الرئيس أوباما حين هوجمت السفارة الأمريكية في بني غازي 2012، إن ترامب منذ تولى الرئاسة حاول أن يعطي انطباعاً بأنه يفعل كل شيء مخالف لما فعله أوباما وبدلاً من الصمت أو القيام بردود فعل هامشية قرر قتل سليماني.

السيناريوهات المحتملة

بالرغم من الخطاب الهجومي ولغة التهديد الشديدة التي اتسم بها خطاب عدد من المسؤولين الإيرانيين أو المقربين من القيادة الإيرانية، وارتفاع نبرة التهديد بطرد الأمريكان من المنطقة خاصة العراق، ومشاهدة جثث الجنود الأمريكان القتلى مبعثرة؛ إلا أن قواعد المواجهة بين الطرفين يحكمها مصالح دول أكثر من أن تكون الدولة مرهونة بمصير أشخاص.  وإن أي إجراء سيكون مرتبط بمدى تحقيق المصالح الإيرانية التي قُتل من أجلها قاسم سليماني، وبأخذ الاعتبارات المصلحية للطرف الإيراني، فإن أي رد إيراني يأخذ عدة اعتبارات:

  • إيران بحاجة لأن تقدم رداً على الفعل الأمريكي؛ ولا سيما أن شخصية الجنرال سليماني أخذت صيتاً ارتبط بهيبة ومكانة إيران الدولية، ومكانة النظام أمام جمهوره في الداخل.
  • تجنب وقوع مواجهة مباشر بين الطرفين بالأخذ بعين الاعتبار قارق القوة بين الطرفين الأمريكي والإيراني.
  • امتلاك إيران رصيد واسع من التجربة القتالية في الحروب غير التقليدية، سيكون الخيار في التعامل مع أمريكا إن فرضت عليها المواجهة الحتمية.
  • توظيف قوى منظمات انفقت عليها إيران كقواعد خلفية في حدائق الأعداء لحين الحاجة لها لمواجهة خصومها بدون التورط بحرب مباشرة.
  • أي رد فعل يجب أن يحقق المصالح الإيرانية ولا يجب أن يعيق المشاريع الإيرانية الهادفة لتعزيز مكانتها وهيمنها الإقليمية، مثل تجنب مهاجمة أمريكا من الساحة السورية نظراً لحساسية وضع النظام السوري الحليف.
  • ستكون إيران مضطرة إلى تجنب إثارة المجتمع الدولي عبر إغلاق منافذ الطاقة ولا سيما أن المتأثر الأكبر من ذلك هي الصين ودول جنوب شرق آسيا، وليس أمريكا وحلفائها الغربيين.
  • بعد المفاجأة الأمريكية باغتيال سليماني لم يعد بمقدور الإيرانيين التنبؤ بما يمكن ان يقدم عليه الرئيس ترامب من خطوات عسكرية ضد إيران، مما يدفع الايرانيين لحذر من الاندفاع.

في المقابل هناك مصالح استراتيجية أمريكية تضبط التحرك الأمريكي وتوجهه تقوم على:

  • إدراك طهران أن واشنطن لن تتراجع عن موقفها الحاسم بفرض أقصى العقوبات حتى تخضع إيران للمطالب الأمريكية وتقبل اعادة التفاوض حول الاتفاق من جديد.
  • أمريكا لن تتسامح مع أي تحركات إيرانية مباشرة أو غير مباشرة؛ ولا سيما اننا على اعتاب عام انتخابي.
  • عدم الاندفاع نحو مواجهة واسعة وشاملة خاصة أن الجمهور الأمريكي لا يرغب بمثل هذه الحرب وهي ضمن الداعية الانتخابية للرئيس ترامب، وهو يريد أن يظهر قدرات وقوة الضغط الأمريكية بدون اللجوء إلى المواجهة العسكرية.
  • تجنب الفراغ أي بمعنى تجنب السيناريو العراقي بإسقاط النظام الإيراني بدون أن يكون هناك أي بديل قادر لإشغال مكانة النظام الإيراني بدون فوضى، وهذا البديل غير متوفر على الساحة الإيرانية حتى الآن.
  • حاجة واشنطن لوجود نظام إيران قوي، له القدرة على تهديد لدول الخليج يساهم كثير في دفع الخليج للارتماء بالأحضان الأمريكية وابتزاز دولها الغنية.
  • تجنب الدخول بحرب طويلة تستنزف القدرات الأمريكية، وتشغلها عن مصالحها الاستراتيجية كما حدث في العراق.
  • تجنب تطور الموقف يؤدي إلى تعرض الاحتلال الإسرائيلي إلى مخاطر شديدة؛ على رأسها توجيه الصواريخ الإيرانية مباشرة او ترسانة حزب الله على الحدود المباشرة.
  • تجنب الوقوع فريسة لحرب استنزاف تفرضها إيران على الجانب الأمريكي.

بالرغم من تباين المواقف وتضارب المصالح إلا أن الطرفان يجمعهما نقاط تسهل الوصول غلى بالرغم من كل ما حصل.

السيناريوهات المحتملة

  • السيناريو الأول:

الرد الشامل والقوي ضد الأهداف الأمريكية وهذا السيناريو ضعيف نظرا لأن إيران تدرك أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى حرب شاملة وهو ما لا تريده القيادة الإيرانية وتتجنب الوصول إليه.

القواعد الأمريكية المحيطة بإيران
  • السيناريو الثاني:

الرد المحدود والموضعي بما لا يصعد الموقف مع واشنطن ويؤدي إلى ردود فعل انتقامية جديدة، وهو يفسر طبيعة الرد الإيراني الأخير بالهجوم على قاعدة عين الأسد من دون إصابة جنود. لكن مثل هذا الرد لا يمكن اعتباره رداً كافيا وينهي الأزمة بين الطرفين، لكنه يشكل فعل رمزي من الجانب الإيراني، باعتبار أن دولة بحجم إيران تجرأت بالرد على واشنطن في ظل فارق القوة بين الطرفين.

  • السيناريو الثالث:

الدفع بالمليشيات غير النظامية المؤيدة لإيران في المنطقة خاصة في العراق للقيام بهجمات صغيرة متفرقة هنا وهناك وليس بالضروري أن يكون الهدف إيقاع قتلى أو جرحى في الجيش الأمريكي، لأن الهدف هو عملية الإرباك والاستنزاف طويل المدى؛ وقد تؤخر إيران اللجوء إلى هذا السيناريو مرحلياً حتى لا توجه لها التهمة بتوجيه هذه المنظمات للقيام بالعمليات العسكرية.

قد يكون هذا الخيار قابل للتنفيذ؛ ولا سيما أن إيران فتحت الباب لحلفائها من الكتل النيابية الشيعية بالتصويت في البرلمان العراقي على سحب القوات الأمريكية من العراق، مما يعطي غطاءً عراقياً شرعيا للقيام بهجمات ضد القوات الأمريكية.

  • السيناريو الرابع:

توجيه هجمات متدحرجة ضد القوات الأمريكية وصولاً لموعد الانتخابات الأمريكية، ومحاولة تصعيد الموقف إلى حافة الهاوية لإحراج الرئيس ترامب مع اقتراب وقت الانتخابات؛ وهذا السيناريو يتوافق مع السيناريو الثالث ولا يتعارض معه.

لكن في حال اللجوء إلى السيناريو 3،4 هل تقف واشنطن مكتوفة اليدين أم أن هناك خيارات أخرى تثقل على الجانبين العراقي والإيراني عبر خلط الأوراق مرة أخرى في العراق كما حدث في عام 2014 عندما حاول المالكي اعادة تركيب الجيش بعيدا عن الرؤية الأمريكية، وهناك ساحات رخوة يمكن للأمريكان الاستفادة منها في إقليم الأنبار واقليم كردستان، وشاهدنا كيف اضطرت العراق إلى الاستنجاد بالقوة الأمريكية لمحاربة “داعش”.

الخلاصة

إذا استمرت صيرورة الأحداث على هذا المستوى فإن سيناريو الهجمات المحدودة من قبل حلفاء أو وكلاء إيران؛ خاصة في العراق في الأيام القادمة هو الأكثر ترجيحاً لدى طهران بما يخدم مصالحها ويجنبها دخول المواجهة، وقد يفتح الطريق إلى التفاوض بين الطرفين للتوصل إلى صفقة جديدة، تتمكن إيران من خلال هذا السيناريو تحسين موقعها التفاوضي.

لكن في حال أصرّت إيران ورفضت الدخول في مفاوضات فإن احتمال خلط الأوراق في الساحة العراقية سيكون مفتوحاً على كل الاحتمالات، منها إثارة السنة وتعزيز مطالب الكيان المستقل، أو إثارة موضوع كركوك مع إقليم كردستان، أو إثارة فكرة استقلال كردستان مرة أخرى.

منتدى السياسات العربية

وحدة الأبحاث والسياسات

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى