مأزق النظام الجزائري في ظل الانتقال السياسي

قرن محمد إسلام

باحث في العلاقات الدولية - الجزائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • إن كانت التجارِب تربط نجاح الثورات أو إخفاقها بموقف الجيش منها، فقد اختارت المؤسسة العسكرية أن لا خيار لها إلا التخندق مع الشعب، وحسمت الصراع مع واجهة الرئاسة والمخابرات، وسُجن الكثير من شخصيات الفواعل هذه وأذرعها المتحالفة

 

منذ الأيام الأولى لاستقلال الجزائر عام 1962م، حسمت المؤسسة العسكرية أول صراع سياسي لصالح أحمد بن بلة رئيسًا ضد الحكومة المؤقتة، مثلما حسمت كل الصراعات السياسية لاحقًا، وسيطر على الحكم مجموعة من الضباط، عُرفوا بمجموعة وجدة. يومها أُغلقت اللعبة السياسية واحتكرت كل الفضاءات، وهمشت كل التنوع الذي أنتجته الحركة الوطنية قبل ثورة التحرير. ومنذ ذلك الوقت والنظام يعيد إنتاج نفسه في كل محطات الانتقال السياسي المتعددة، تارة بالعنف السياسي، وتارة أخرى بتزوير الإرادة الشعبية، وكانت كل محاولات الإصلاح السياسي من داخل النظام نفسه بما يضمن الاستمرار في السلطة «نصاب البقاء».

ثم كانت أحداث أكتوبر 1988م فرصة تغيير حقيقية أنتجت أول تعددية حزبية في تاريخ البلد، سرقت ثمرتها بتوقيف المسار الانتخابي، وأُجّل بموجبها الانتقال الديمقراطي وأُدخل البلد في أزمة أمنية لأكثر من عشر سنوات. وعلى رغم المشاركة الكبيرة في الانتخابات الرئاسية عام 1995م، والتشريعية عام 1997م، فإن آلة التزوير أدخلت اليأس من إمكانية التغيير، وأجبرت الشعب الجزائري على الاستقالة من الفعل السياسي.

وبوصول بوتفليقة إلى الحكم (1999م – 2019م)، صنع السلام والمصالحة الوطنية ولم يصنع الديمقراطية، فشخصن النظام والدولة وأضعف المؤسسات، وأغلق اللعبة السياسية بالتحالف الرئاسي (الوطني-الديمقراطي-الإسلامي)، ودجَّن المعارضة والأحزاب وهجَّن المجتمع المدني، فصار الجميع لجانًا مساندة، وعدَّل الدستور بفتح العهدات الرئاسية، وأدار البلد بالفساد وشراء السلم الاجتماعي. كما شهد حكمه صراعًا محتدمًا بين ثالوث أجنحة النظام (الرئاسة والجيش والمخابرات)، كان من نتائجها أن أدخلت البلد في أزمات معقدة سياسية واجتماعية، واقتصادية وأمنية ودبلوماسية، أخرجت الملايين من الجزائريين في حَراك سلمي انطلق يوم 22 فبراير/شباط 2019م، أُسقط فيها مشروعا العهدة الخامسة والتمديد، ورجال واجهات الأجنحة. وكانت الأسابيع الأولى فقط كافية لتضع النظام بفواعله المتصارعة في حالة انكشاف ومأزق حقيقي.

ثم كان الحراك الشعبي محطة انعتاق فاعل (الشعب) طارئ من خارج فواعل النظام، فبدأ كموجة في أسبوعه الأول، ليصير تسونامي عصيًّا على ركوبه في أسبوعه الثاني فقط، بشعار إنهاء الاستعصاء السلطوي: «يتنحَّوا قاع». وإن كانت التجارِب تربط نجاح الثورات أو إخفاقها بموقف الجيش منها، فقد اختارت المؤسسة العسكرية أن لا خيار لها إلا التخندق مع الشعب، وحسمت الصراع مع واجهة الرئاسة والمخابرات، وسُجن الكثير من شخصيات الفواعل هذه وأذرعها المتحالفة. إلا إن الحَراك الشعبي أو جزءًا منه (يشكل كتلة حرجة) ما زال قائمًا ويشهد أسبوعه الخامس والأربعين إلى الآن، مُطالِبًا بإصلاحات سياسية ورحيل رموز النظام السابق، والخوف من هيمنة العسكر (دولة مدنية وليست عسكرية)، على رغم أنّ انتخابات رئاسية قد أُجريت في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019م، تقدَّم لها ستة مترشحين مدنيين، وأفرزت فوز عبد المجيد تبون رئيسًا للبلاد.

تناقش هذه الورقة مأزق السلطة في ظل الانتقال السياسي، بالتركيز على مسار مأزق النظام في ظل الانتقال السياسي، ثم الفواعل الأساسية، وأخيرًا صراع الإرادات بين ثالوث الحكم.

أولا: مأزق السلطة والانتقال السياسي:

– ثورة التحرير والموجة الأولى (1954م – 1962م): بعد 130 سنة من الاحتلال الاستعماري الفرنسي (1832م – 1962م)، شهدت الجزائر موجتها التحررية الأولى في فاتح نوفمبر 1954م1، إذ انخرطت مختلِف فعاليات الحركة الوطنية في تنظيم سياسي جديد (جبهة التحرير الوطني)، بذراع عسكري (جيش التحرير الوطني)، واستندت إلى بيان تاريخي جامع ومرجعي، يحسم في هُوية الدولة الجزائرية ما بعد الاستقلال. كانت هذه الثورة التحريرية نموذجًا متفردًا ملهمًا لحركات التحرر في العالم، حازت بفضلها الجزائر استقلالها في 5 يوليو/تمُّوز 1962م. ثم صارت هذه الفرصة نقمة بين أبناء الوطن الواحد، حين انبرت مجموعة تبحث عن تأسيس دولة أحادية خارج بيان أول نوفمبر، وحسمت المؤسسة العسكرية أول صراع سياسي في تاريخ الجزائر المستقلة لصالح هذه المجموعة، بدل العمل على تجاوز الصدمة النفسية للاستعمار، وإرساء معالم «الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة، والتي تحترم جميع الحريات السياسية»2.

الأحادية والموجة الثانية (1962م – 1989م): تميزت هذه المرحلة بدور المؤسسة العسكرية فاعلًا رئيسيًّا في العملية السياسية3، بما تملكه من شرعية ثورية وثقل سياسي واستراتيجي. فقد حسمت هُوية معالم الجمهورية المستقلة حين اختارت النظام الرئاسي حكمًا، والحزب الواحد مؤسسةً، والاشتراكية نظامًا اقتصاديًّا، كما حسمت كل الصراعات السياسية (1962م، و1965م، و1978م، و1989م)4.

  • فترة الرئيس أحمد بن بلة (عسكري) (1962م – 1965م): الرئيس الأول للجزائر، والذي حُسم الصراع له في أزمة صيف 1962م ضد الحكومة المؤقتة. شهدت فترته أول دستور للجزائر سنة 1963، مُنح بموجبه صلاحيات الجمع بين رئاسة الجمهورية والحكومة، وأنشأ مجلسًا وطنيًّا يمثل السلطة التنفيذية والقضائية.
  • فترة الرئيس هواري بومدين (عسكري) (1965م – 1978م): الرئيس الثاني للجزائر، وكان وزيرًا للدفاع انقلب على بن بلة في 1965م. عطَّل الدستور، وأسَّس مجلس الثورة تحت رئاسته. يملك (السلطة المطلقة)، وقد شهد حكمه دستور 1976م، ليُنتخب بعده رئيسًا حتى وفاته سنة 1978م.
  • فترة الرئيس الشاذلي بن جديد (عسكري) (1978م – 1989م): الرئيس الثالث، وكان وزيرًا للدفاع واختيار مجلس الثورة لخلافة سابقه. شهدت فترة رئاسته الثانية انتفاضة أكتوبر 1988م (الموجة الثانية)، التي خرج خلالها الجزائريون احتجاجًا على ظروفهم السيئة، مطالبين بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، وانتهت بإقرار دستور 1989م، الذي أنهى مرحلة الحزب الواحد، وفتح باب التعددية الحزبية4. ثم سرعان ما اختُطفت الثمرة مرةً أخرى وتوقَّف مسار أول انتخابات تعددية عام 1991م، فأُدخل البلد في أزمة أمنية عُرفت بالمأساة الوطنية، راح ضحيتها أكثر من 200 ألف قتيل، وأُجِّل بموجبها الانتقال الديمقراطي، وأُجري مسلسل تزوير الإرادة الشعبية5.

-التعددية والموجة الثالثة (1989م – 2019م): تميزت هذه المرحلة بدور ثلاث فواعل أساسية في العملية السياسية: (المؤسسة العسكرية، والمخابرات، ومؤسسة الرئاسة)، متصارعةً حول الصلاحيات والسلطات. وقد مرت بفترتين مختلفتين تمامًا، كانت فيهما المؤسسة العسكرية هي الحاسم في كل الصراعات السياسية (1992م، و1995م، و1999م، و2019م).

فترة الأزمة الأمنية (1989م – 1999م): ابتدأت هذه المرحلة بإقرار دستور تعددي عام 1989م، في تجرِبة ديمقراطية فتيَّة هي الأولى في العالم العربي، لكن سرعان ما أُجهز عليها في أول انتخابات تعددية فاز فيها حزب إسلامي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، فتوقف المسار الانتخابي، وأُعلنت حالة الطوارئ من طرف جنرالات الجيش، والدفع نحو استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، لتدخل بذلك البلد في أزمة أمنية راح ضحيتها أكثر من 200 ألف قتيل. وقد عُزِّز في هذه المرحلة جهاز المخابرات (مديرية الاستعلامات والأمن DRS)، ليصير أهم فاعل سياسي وقيادي متحكم في كل مفاصل الدولة، بمؤسساتها الأمنية والإدارية والسياسية والاقتصادية، بشرعية محاربة الإرهاب والتطرف. كما أُسس المجلس الأعلى للدولة، والذي ترأّسه كلٌّ من محمد بوضياف (عسكري مجاهد ثورة التحرير) الذي صار واقعًا الرئيس الرابع للبلاد (واغتيل بعد ستة أشهر)، ثم علي كافي (عسكري ومجاهد ثورة التحرير) الرئيس الخامس للبلاد. ثم عُيِّن وزير الدفاع اليمين زروال رئيسًا للدولة، ليُنتخب لاحقًا الرئيس السادس للبلاد عام 1995م، وقد شهد حكمه الدستور الثالث 1996م، ثم ما لبث أن أعلن إجراء انتخابات رئاسية مسبقة في أبريل/نِيسان 1999م6.

فترة عبد العزيز بوتفليقة (1999م – 2019م): وهو الرئيس المدني الأول والأكثر حكمًا في تاريخ الجزائر المستقلة. جِيء به من جنرالات الجيش، وبالاستناد إلى ماضيه ورصيده الثوري والسياسي وحنكته الدبلوماسية، والكاريزما وقوة الشخصية لديه، عزز موقفه بثلاثية الشرعية الشعبية (نسبة الأصوات المتحصل عليها)، وصنع السلام (قانون الوئام المدني، وقانون المصالحة الوطنية)، وشرعية الإنجاز (السكانات، الطرقات الموانئ، …)، مستفيدًا من الطفرة المالية نتيجة ارتفاع أسعار البترول. وقد شهد حكمه تفوقًا واضحًا لمؤسسة الرئاسة على الجيش والمخابرات، يرجع عمومًا إلى قدرته على إدارة الصراع وتشكيل التحالفات. إلا إن مرضه وغيابه أثر بشكل كبير في سيطرة شقيقه المستشار السعيد بوتفليقة وبطانته على مقاليد الحكم، اشتدَّ على إثرها الصراع بين أجنحة النظام، وأُخرجت الكثير من ملفاته للإعلام. كما شهد البلد آنذاك أرقامًا قياسية لانتشار الفساد وغياب، وتعقد الوضع الداخلي والخارجي (سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا ودبلوماسيًّا). ثم اختُتمت المرحلة بفرض دستور 2016م، الذي يمنح صلاحيات ملكية لرئيس الجمهورية ويجعله فوق المحاسبة، وحاولوا فرض العهدة الخامسة لرجل مريض عاجز وغائب (ترشيح الكادر)، وهو ما أثار كرامة الجزائريين وجعلهم يخرجون إلى الشارع بالملايين، في حراك شعبي سلمي (الموجة الثالثة) يوم 22 فبراير/شباط 2019م، وما زال مستمرًّا إلى اليوم7.

ثانيا: الفواعل الرئيسية8:

– مؤسسة الرئاسة: نواتها الصلبة مقر الرئاسة بالمرادية، ورمزها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. مجموعة برغماتية غير متطرفة أيديولوجيًّا، لا تميل إلى الاستئصال، ولا تعادي عناصر الهُوية للشعب الجزائري -أقلّها علنًا. تملك صلاحيات دستورية مطلقة عبر منصب رئيس الجمهورية، لها علاقات متميزة وقوية بفرنسا، وبدرجة أقلَّ بأمريكا وروسيا والصين. تملك مجموعة من الأدوات الاقتصادية والمالية (منتدى رؤساء المؤسسات)، والأمنية (وزارة الداخلية – الشرطة)، والسياسية (أحزاب السلطة)، وأدوات المجتمع المدني (لجان المساندة)، والأدوات الإعلامية (قنوات – جرائد – إشهار)، والقضائية (قضاة – وكلاء الجمهورية)، والبيروقراطية (إدارة – ولاة).

– مؤسسة المخابرات (الكِيان الموازي): نواتها الصلبة المخابرات القديمة، ورمزها الجنرال محمد مدين (التوفيق). تملك صلاحيات كبيرة غير معلنة، مسيطرة على كل مفاصل الدولة، لها علاقات استراتيجية بفرنسا في بُعدها الأيديولوجي، وبدرجة أقلَّ بأمريكا وروسيا. تملك مجموعة من الأدوات الاقتصادية والمالية (رؤساء الشركات والبنوك – رجال أعمال)، والأمنية (أجهزة المخابرات)، والسياسية (أحزاب علمانية)، وأدوات المجتمع المدني، والأدوات الإعلامية (قنوات – الجرائد المفرنسة)، والقضائية (النيابة – القضاة)، والبيروقراطية (إدارة – الولاة)9.

-المؤسسة العسكرية (الجيش الشعبي الوطني): نوتها الصُّلبة قيادة الأركان، رمزها قائد الأركان نائب وزير الدفاع القايد أحمد صالح مجاهد ثورة التحرير. مجموعة من الضباط من خريجي مدارس أشبال الأمة، المحسوبين على التيار الوطني العروبي أيديولوجيًّا. لا تميل إلى الاستئصال، ولا تعادي الهُوية. صلاحياتها محدودة دستوريًّا، لكن تملك قوة وثقلًا سياسيًّ واستراتيجيًّا، مما يجعلها فاعلًا حقيقيًّا في العملية السياسية. تُعد المؤسسة المستقلة الوحيدة في تاريخ الجزائر التي ما زالت تحظى بإجماع وطني، لها علاقات متميزة استراتيجيًّا بروسيا، وتملك مجموعة من المؤسسات (قيادة الأركان – وزارة الدفاع – مخابرات الجيش – الدرك الوطني – الحرس الجمهوري)10.

ثالثًا: صراع الإرادات بين ثالوث الحكم:

– العهدة الأولى (1999م – 2004م): دفع جنرالات الجيش ببوتفليقة إلى الرئاسة في سنة 1999م، لكن هذا الأخير الذي أُبعد من طرفهم عام 1978م، عزَّز موقفه بالشرعية الشعبية (نتائج الانتخابات) ومشروع المصالحة الوطنية والإنجازات. وفي إطار استعادة صلاحياته، بدأت حمى الصراع بين إرادات الفواعل الثلاث، فدخل بوتفليقة في صراع مع جنرالات الجيش، مستغلًّا قوانين المصالحة ومحاولة الإفلات من العقاب من مخلَّفات الأزمة الأمنية. في حين أجَّل الصراع مع المخابرات ظرفيًّا ففضَّل التحالف معهم، لا سيما أنه كان أمام امتحان أحداث القبائل 2001م. كما عمل على جبهة أخرى تمثلت في غلق اللعبة السياسية بالتحالف الرئاسي قبيل الانتخابات الرئاسية 2004م، أين دعم الجيش منافسه علي بن فليس، لكنه -أي بوتفليقة- حسمها لصالحه.

-العهدة الثانية (2004م – 2009م): في عهدته الثانية حسم بوتفليقة الصراع مع قيادة الجيش مبكِّرًا، وحُيِّد قائد الأركان الجنرال محمد العماري ومجموعة من الجنرالات، وعُيِّن القايد أحمد صالح (مجاهد جيش التحرير) قائدًا للأركان، هذا المنصب الذي استحوذ عليه ضباط دفعة لاكوست، وأُبعد الجيش من التدخل المباشر في السياسة. ولم يكون هدف بوتفليقة تمدين السياسة بقدر ما كان تعزيز السلطات في يده، فشخصن السلطة والدولة، وعمل على إضعاف المؤسسات السياسية، وأدار البلد بالفساد، إلى درجة أن أحد الأحزاب المتحالفة معه أطلق مبادرة (فساد قف – 2006م). ركَّز على الجهوية في المناصب (تلمسان)، وفي صراعه الجديد مع المخابرات اعتمد على وزارة الداخلية وجهاز الشرطة وأجهزتها، وفتح العهدات الرئاسية في تعديل للدستور عام 2008م، وترشح للعهدة الثالثة التي حسمها بسهولة بدعم من قيادة الأركان، ومعارضة قوية للمخابرات.

– العهدة الثالثة (2009م – 2014م): في عهدته الثالثة عين القايد صالح نائب وزير الدفاع عضوًا بالحكومة، ليشتد الصراع مع المخابرات إثر أحداث السكّر والزيت في يناير/كانون الثاني 2011م، ليستغل بوتفليقة حادثة تقنتورين 2013م ذات البعد الدولي، فأجرى تغييرات في الجيش والمخابرات على إثرها، وغيَّر في صلاحيات المخابرات، فأفقدها سلطة الضبطية القضائية التي كانت تسمح لها بالتحقيق في قضايا الفساد، وكذا أفقد مديرية أمن الجيش ومديرية الإعلام، وحوَّلها إلى صلاحيات قيادة الأركان. وبمرض الرئيس بالجلطة الدماغية وعودته من مستشفيات فرنسا على كرسي متحرك عام 2013م، بدأ شقيقه المستشار بالرئاسة السعيد بوتفليقة في ممارسة دور الرئيس من خلف الستار، في أوقات شهد الفساد فيها أعلى مستوياته. وهو ما عملت عليه المخابرات في حملة إخراج ملفات الفساد، ومرض الرئيس ودور شقيقه ورفض العهدة الرابعة، التي بدأت تظهر ملامحها وتأكدت لاحقًا بدعم من الأركان، وانخرطت فيها أحزاب الموالاة والمجتمع المدني. إلا إن جزءًا من المعارضة والشخصيات الوطنية رفضها وقاطعها، فترشح بوتفليقة بالوكالة، وأجرى حملة انتخابية بالوكالة، ونجح بالوكالة. وهو الذي قال في آخر خطاب له موجه إلى الشعب بسطيف عام 2012م: «جناني طاب».

– العهدة الرابعة (2014م – 2019م): بدأت العهدة الرابعة ببلوغ الصراع أَشُدَّه بين الرئاسة والمخابرات، في سابقة من نوعها شنَّ فيها رئيس حزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، هجهومًا إعلاميًّا على مدير جهاز المخابرات الجنرال، محمد مدين (لتوفيق)، واتهمه بالإخفاق في إدارة ملفات ثقيلة، منها حماية الرئيس محمد بوضياف ورهبان تيبحرين، وقاعدة تقنتورين، وموظفو الأمم المتحدة، وطالبه بالاستقالة من منصبه. وعلى رغم أن غياب الرئيس كان واضحًا، وأنه لم يكن يخاطب شعبه إلا بالرسائل (المنسوبة إليه)، فإن الجنرال توفيقًا قد أُقيل من مدير المخابرات ومجموعة من الضباط عام 2015م. وشهدت هذه العهدة استمرار الفساد وضعف الاقتصاد، في ظل تراجع أسعار البترول، وتردي الأوضاع السياسية والاجتماعية، وكثرة الاحتجاجات والمطالب الفئوية11. وعلى رغم كل ذلك، اختارت مجموعة الرئاسة ترشيح (الكادر) صورة الرئيس للعهدة الخامسة، وهو ما أثار كرامة الجزائريين الذين خرجوا في مسيرات 22 فبراير/شباط 2019م.


قائمة المصادر والمراجع:

  1. فاروق، طيفور. الحراك الشعبي الجزائري في موجته الثالثة: الفرص، المخاطر، المناعة المستقبلية، الجزائر: منشورات السائحي، 2019.
  2. بيان أول نوفمبر ، 25 نوفمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/2Yh17Px
  3. جابي، ناصر. الجيش والسياسة في الجزائر. 26 نوفمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/34N0GPo
  4. المسار السياسي في الجزائر بعد الاستقلال (1962-2014)، 28 نوفمبر، الرابط: https://bit.ly/2DIBZb6
  5. بوسكين، إدريس. أوروبا والهجرة: الإسلام في أوروبا، عمان، دار الحامد، 2013.
  6. تلمساني، رشيد. الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية والمصالحة الوطنية، أوراق كارنيغي، بيروت، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، العدد 7، يناير 2008.
  7. دابقي، يمان. الجزائر مأزق تحول السلطة: الأبعاد والسيناريوهات، مركز برق للسياسات والاستشارات، 25 نوفمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/34RzOy0
  8. فاروق، طيفور. قراءة في الحراك الشعبي الجزائري 2019: الأسباب والتطورات والسيناريوهات المحتملة. الأردن: مجلة دراسات شرق أوسطية، العدد 87، ربيع 2019.
  9. عثمان، فيصل. المشهد الجزائري ثلاثية الثيران المتصارعة. مدونات الجزيرة، 22 نوفمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/2YinZyb
  10. عثمان، فيصل، المرجع نفسه.
  11. بكيس، نور الدين. الحركات الاحتجاجية في الجزائر من المواجهة إلى الاحتواء. الجزائر، النشر الجامعي الجديد، 2018.

قرن محمد إسلام

باحث في العلاقات الدولية - الجزائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى