“كوفيد-19”.. ما هي ملامح التغيرات على النظام الدولي؟

معاذ العامودي

مدير العلاقات العامة والاعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حمل مطلع العام 2020 ملامح انعطافه كبيرة ضمن النطاق العالمي والعربي، كنتيجة محتملة لجائحة كورونا ” كوفيد-19″، الفايروس الذي أدى انتشاره إلى إحداث اضطرابات واسعه في مناحي الحياة، على صعد عدة، وأعاد عملية ترتيب جديدة للقضايا في جدول الأولويات السياسية والاقتصادية وضمن الاهتمامات الجماهيرية.

فما بين التحدي الوبائي الصحي، وتعطيل الاقتصاد، برزت جوانب القوة والضعف لدى الدول والأفراد والجماعات في وقت أدى تفشي الوباء إلى ضغوط هائلة على الموارد والمقدرات المتاحة، خاصة الصحية منها، بالإضافة إلى كشفه عن ضعف البنية المعرفية والتقنية للتعامل مع هذه الجائحة.

دفعت هذه الجائحة الدول إلى اللجوء لإجراءات قد تفضي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، انعكست تأثيراتها على المجتمع بكافة مستوياته وشرائحه بدءا بالأسرة ومرورا بالدولة ووصولا إلى النظام السياسي؛ وليبلغ ارتداد تلك التأثيرات مستويات خارج حدود الدولة ليشمل النظام الدولي والمنظمات الإقليمية.

وإدراكاً لخطورة المرحلة التي تمس آثارها البشرية جمعاء، يحاول “منتدى السياسات العربية”، ومن خلال طرح سردي لوجهات نظر خبراءه والمختصين تقديم رؤى حول التداعيات المباشرة لهذا الوباء واستشراف المستقبل، الذي لن يكون العالم العربي بعيدا عن تأثيراته الآنية والمستقبلية.

وأبرز ما تقدم به الخبراء تمثل في:

  • جائحة كورونا ستترك بصماتها على النظام العالمي القائمة ضمن مستويات ومناحي عدة في مقدمتها الشأن الاقتصادي، وإعادة التكتلات والمحاور.
  • عجز السلطات الحاكمة والأنظمة في الغرب بالتعاطي مع الجائحة وقلة كفاءتها في التعاطي مع الأزمة، سيؤدي إلى تغييرات في بنى نظم السلطة من جهة، ومراجعة كافة الأسس الإيديولوجية من جهة أخرى.
  • الاتحاد الأوروبي قد يكون الأكثر تأثرا بانعكاسات الأزمة على المستوى الداخلي خصوصا أنه يعاني من خلافات وصراعات، لذلك سيكون مستقبل الاتحاد مسألة جوهرية، بعد انتهاء الأزمة.
  • عربيا، ستواجه المنظمات الإقليمية وعلى رأسها جامعة الدول العربية تحديات كبيرة في ظل واقع التفكك الذي تعيشه المنطقة من جهة، وزيادة الضغوط الناجمة عن أزمة كورونا من جهة أخرى.
  • المرحلة المقبلة ستقوم على مبدأ تعدد الأقطاب وتعدد القوى الاقتصادية الكبرى، ومن يحكم هو الذي يملك فكرة اقتصادية إحيائية لمجموعة الاقتصاديات التي ينمو فيها المجتمعات، وربما يكون الهدف من هذا التعدد بالأقطاب محاولة إنقاذ للركود الاقتصادي الذي تخلفه الجائحة.

حكيم بن حمودة

وزير الاقتصاد والمالية في الحكومة التونسية خلال 2014-2015.

يرى أن جائحة كورونا لن تمر دون أن تترك بصماتها على النظام العالمي القائم، وسيرتبط ذلك بمدى استمرارها التي يمكن أن تتحول إلى كارثة عالمية متعددة الضرر. بالتالي ربما ستكون كأزمة غير مسبوقة، من حيث الحدة وسرعة الانتشار، ويكون لها تأثيرات وتوابع كثيرة، ويمكن الحد من تأثيرها العمل بجدية وسرعة لإيقاف تفشي الفيروس في أغلب دول العالم، مثل أوروبا والولايات المتحدة لما له من أثر اقتصادي واجتماعي.

أسامة بوشماخ

أستاذ العلوم السياسية في جامعة تيسمسيلت

يرى أن هذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تسبب الأوبئة تأثيرا على عالم السياسة، وهذا ما حدث في القرن الرابع عشر، حينما ضرب الطاعون أوروبا، وأدى إلى وفاة ثلث أوروبا، مما ساهم في إعادة النظر جذريا في المكانة السياسية للدين، وتأسيس الشرطة، بوصفها الجهة الوحيدة التي تحمي المواطنين؛ الأمر الذي يؤكد على أنه كلما ضربت جائحة قارة معينة، فإن ذلك يكشف مصداقية وعملية منظومة المعتقدات والحكم. نلاحظ في هذا السياق عجز السلطة القائمة في الغرب وقلة كفاءتها في التعاطي مع الأزمة، الأمر الذي سيؤدي إلى تغييرات في بنى نظم السلطة من جهة، ومراجعة كافة الأسس الإيديولوجية التي تقوم عليها من جهة أخرى، كطبيعة العلاقة بين الفرد والدولة.

على صعيد العلاقات الأوروبية الداخلية فإن الاتحاد الأوروبي كان يمر بأزمة داخلية كبيرة قبل ظهور الجائحة، إذ برزت بعض التوترات بين فرنسا وألمانيا على خلفية رئاسة الاتحاد من جهة، والتداعيات السلبية التي ربما تتشكل إذا ما لحقت أي من دول الاتحاد بركب بريطانيا وصممت على الخروج كما هو متوقع من إيطاليا، إذ سيؤدي حصول ذلك إلى هزات قوية، خاصة في ظل حالة الضعف في سياسته الخارجية، لذلك لن يكون الحال أفضل مما هو عليه لاحقا.

أما على مستوى القوى الكبرى، فالصين أخذت تبرز كقوة كبيرة في النظام العالمي، ولكن هذا لا يعني تراجع سيطرة الولايات المتحدة على النظام العالمي خلال الخمس السنوات القادمة، بفضل تفوقها الكبير اقتصاديا.

لكن من ناحية أخرى، التوجه الجديد للصين يؤشر على توجه العالم إلى تعددية قطبية؛ الولايات المتحدة من جهة والصين من جهة أخرى، وبالتالي سيغير وباء كورونا من نمط التفاعلات الدولية ومساراتها المحتملة، وسيختلف بدون شك عالم ما بعد كورونا عن عالم ما قبل كورونا.

محسن حسن

وزير التجارة التونسي السابق والخبير في العلاقات الدولية

ينظر لها من زاوية مفهوم العولمة ويرى أن لهذه الأزمة انعكاسات كبيرة على العولمة بالنظر إلى مكانة السيادة الوطنية، إذ عادت التجليات التقليدية لسيادة الدولة بعد تعزز وهم تراجعها.

هناك احتمالية لحصول تغيرات في بنية النظام الدولي نتيجة لتراكم أزمات سابقة كشفت عنها الجائحة، وفي هذا السياق قد تكون للأزمة انعكاسات كبيرة وحقيقية على الاتحاد الأوروبي مثلا، خصوصا أنه يعاني من خلافات وصراعات، تصعب على الدول الأعضاء اجتياز الأزمة بأقل الخسائر، لذلك سيكون مستقبل الاتحاد مسألة جوهرية، بعد انتهاء الأزمة.

الظاهر أن هناك بوادر لوجود ترتيب جديد للعالم والعولمة، وربما ستفتح أزمة كورنا المجال أمام ظهور نظام عالمي جديد لا ينخرط في القطبيات السابقة، ويكون بداية لنظام عالمي أكثر انفتاحا على البلدان النامية.

علي باكير

المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية

 يشير إلى أنه حصل تحول في النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أدى إلى عالم أحادي القطبية، تربعت على عرشه الولايات المتحدة مدة من الزمان. أما التحول الآخر فقد تمثل في مرحلة الحرب على الإرهاب، والتي أدت بدورها إلى تقويض النظام الدولي، وأحدثت تغيرا في المعطيات التي كانت قائمة، وصولا إلى مرحلة صعود لقوى دولية أخرى كالاتحاد الأوروبي والصين على حساب التراجع النسبي لدور الولايات المتحدة.

واليوم ستتركز التغيرات في بنى الأنظمة على قاعدة مقدرتها على مواجهة الأزمة الراهنة، وهذه التغيرات ستتمثل في زيادة النزعات القومية اليمينية المتطرفة على مستوى العالم، بالإضافة إلى المساهمة في دفع الأنظمة الديكتاتورية إلى الأمام، التي ظهر أدائها أكثر عملية في السيطرة على التفشي، وهو ما لم تثبت صحته، أكثر.

الأزمة الحاصلة اليوم لن تؤدي إلى ولادة نظام جديد، لكنها ستسرع من الاتجاهات التي كانت حاصلة سابقا، وسيكون هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية، الأول: تسريع التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والثاني: زيادة النفوذ الروسي والصيني في القارة الأوروبي، والثالث: تراجع الاتحاد الأوروبي.

عربيا، قبل ظهور الجائحة السمة البارزة تمثلت في تدني مستويات التعاون العربي المشترك، وبالتالي فإن كافة التجمعات العربية الإقليمية والثنائية شبه منهارة ومتوقفة، لا وجود لحركة على الصعيد الجماعي، وهنا يبرز على السياسة العربية سمة الارتباك نتيجة لقيامها على أسس غير سليمة، كما أن الجامعة العربية قيد النقاش منذ عشرين عاما، مما أوصل الشعوب إلى حالة من الملل نتيجة المراهنة عليها في ظل عجزها المستمر في التعامل مع القضايا المختلفة.

ستواجه المنظمات الإقليمية وعلى رأسها جامعة الدول العربية تحديات كبيرة في ظل واقع التفكك الذي تعيشه المنطقة من جهة، وزيادة الضغوط الناجمة عن أزمة كورونا من جهة أخرى. فالجامعة العربية أصبحت مجرد هيكل إداري، في وقت لن يكون لهذه الأزمة الحالية تغيرات ملموسة عليها، الأمر الذي ينطبق على مجلس التعاون الخليجي الذي تصيبه حالة من العجز والتفكك والشلل.

رضا شكندالي

الخبير والمتخصص في الاقتصاد السياسي

يقول إنه وفقا للمؤشرات السياسية والاقتصادية، فإننا نشهد تآكلا للمكانة القيادية الأمريكية على الساحة الدولية، إذ اتهمت بالقرصنة العالمية على بعض الأدوية والكمامات، مقابل مسؤولية وتضامنية عالية أظهرتها الصين تجلت في تقديم المساعدات لبعض الدول وإرسال فرق طبية للعمل في الدول الأكثر معاناة من انتشار كورونا مثل إيطاليا وصربيا.

عبد المحسن الشمري

الباحث والمتخصص في العلاقات الدولية

يرى أن قيادة العالم أمر بالغ التعقيد، وأن التنازل عن تلك المكانة ليس أقل تعقيدا، كما أنه ليس من السهل زحزحة المكانة الأميركية، في وقت لا يمكن إنكار أن واشنطن تمسك خيوط اللعبة السياسية والاستراتيجية. وإن بدا عليها الضعف إلى حد ما، إلا أن تأثيرها يبقى ضمن درجات كبيرة. في هذا السياق لا يمكن إنكار الوجود الصيني الروسي على الساحة الدولية بعد انتهاء الأزمة، لكن لأي مدى يمتلك أيا منها مقومات القيادة الدولية؟.

أما عربيا، بالرغم من ازدياد الشعور لدى المواطن العربي باضمحلال دور جامعة الدول العربية،  إلا أنه من الضروري تعزيز التعاون وتفعيل القوانين والأسس التي نظمت عليها الجامعة. إن في أزمة كورونا فرصة لإعادة التحالفات العربية الجديدة، وإعادة العلاقات المقطوعة، خاصة في ظل أجواء الاعتقاد السائدة بأن خارطة السياسة العالمية بعد أزمة كورونا ستختلف عما قبلها، وبالتالي يمكن أن يكون هناك تفكير في هياكل بديلة أو جديدة في هذا المضمار إذ يرى البعض أنه لا بأس من إيجاد منظمة بديلة مثلا (منظمة الشرق الأوسط أو منظمة التحالف العربي).

باسم حتاحت

عضو مؤسس في المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية

يرى أن هذا القرن سيكون قرنا متعدد القطبية فالاتحاد الأوروبي يتحدث عن مشروع شبيه لمشروع مارشال، وإعادة رؤوس الأموال المستثمرة في قضايا التصنيع إلى داخل أوروبا، وإعادة دعم مجالات التصنيع في الدول النامية وبعض الدول العربية والأفريقية، والحديث يدور عن إعادة منظور العلاقات الاستراتيجية في الاستثمار المشترك.

كل هذه القضايا الجديدة يتم طرحها في أروقة الاتحاد الأوروبي، وتتحدث عن إعادة رؤية المشروع الاقتصادي أو السياسي أو العلاقات السياسية الاستراتيجية، والأوربيون يقولون إن الركود الاقتصادي إذا حل، سيكون هناك تعددية استراتيجية.

العالم القادم سيكون فيه تعدد الأقطاب وتعدد قوى اقتصادية كبرى، ومن يحكم هو الذي يملك فكرة اقتصادية إحيائية لمجموعة الاقتصاديات التي ينمو فيها المجتمعات، وربما يكون عدة أقطاب لإنقاذ الركود الاقتصادي الذي قد نعيشه خلال السنتين القادمتين بشكل سيء جدا.

يجب على الدول العربية النفطية أن تفكر في الطرح الأوروبي لمشروع “مرشال” في القرن الحالي، وأن تذهب في نفس الاتجاه، لأن المخزون النفطي لهذه الدول بدأ بالانخفاض، والبورصات بدأت تخسر بشكل كبير، ما يتطلب بالسير باتجاه بطريق إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية، من خلال إعادة تشكيل الصناعات والإشراف عليها بشكل مباشر.

والاتحاد الأوروبي بدأ إعادة علاقاته الاستراتيجية مع الصين، وهذا يدل على أن القرن القادم سيكون متعدد القطبي ومشترك، وسيكون هناك تعاون مع وجود محفزات لكل قطب من هذه الأقطاب.

المشكلة الأساسية في الصراعات العربية ولد صراع على السياسات الأمنية، والابتعاد عن مشروع التنمية المستدامة، والمتمثلة في الأمن الغذائي، لذلك في المنطقة العربية هناك مشكلة كبيرة جدا وهي أن السياسات التنموية غير موجودة، وإذا قررنا التنمية سنخضع للشروط الدولية التي فرضت علينا عدم الإنتاج والاكتفاء الذاتي، وهي تعادل تبادل السلع.

أعتقد أن الدول العربية خلال السنوات القادمة، إذا لم تنتهج مشروع السياسات العامة في إعادة التنمية المستدامة، سيكون هناك مشكلة كبيرة جدا.

المطلوب عربيا، أولا العودة إلى البحث العلمي الاستراتيجي في قضايا التنمية المستدامة، وفيما يتعلق بالاستقرار المجتمعي والأمني والتنموي والاقتصادي والغذائي والتعليمي، وثانيا يجب على المنطقة العربية أن تبدأ بدراسات استراتيجية، للتعرف على الجهة الأجدى لعقد علاقات استراتيجية معها، وثالثا يجب أن تنتقل السياسات إلى عقد اجتماعي.

بعد كورونا سيكون هناك اتفاقيات جديدة ولن تتنازل أمريكا عن موقعها الاستراتيجي في العالم، ولا زالت واشنطن تملك مراكز قوى كبيرة جدا.

معاذ العامودي

مدير العلاقات العامة والاعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى