كيف كشف فيروس كورونا الفجوة الرقمية العربية؟

نبيل عودة

باحث في العلاقات الدولية والسياسة الرقمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • شكل وباء فيروس كورونا المستجد (COVID-19) صدمة في الوعي الإنساني تجاه العديد من القضايا الملحة في حياتنا اليومية. واحدة من هذه القضايا هي الثورة الرقمية ومدى تغلغلها في حياتنا أو بعبارة أخرى مدى تأقلمنا معها وإدماجها في حياتنا اليومية بطريقة أكثر فاعلية.

أصبح تفشي فيروس كورونا المستجد COVID-19 كارثة عالمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مخلفاً وراءه عشرات الآلاف من المصابين، وآلاف الوفيات، وإغلاقا لمدن كبرى، وشلا للحركة في دول عدة، وتعطيلا للإنتاج، وتراجعا في أسواق المال، والدفع بالاقتصاد العالمي نحو حافة الكساد.

في ظل هذه المعطيات المغرقة في القتامة، تلوح بعض المؤشرات الإيجابية التي تستحق الكثير من التأمل والدراسة، كالتعاطي مع الثقافة الرقمية والإنترنت. يرى الكثير من الخبراء أن لجائحة فيروس كورونا المستجد تداعيات عميقة على أنماط حياتنا في السنوات اللاحقة. فالأمر لا يتعلق فقط بمكافحة فيروس بيولوجي من خلال عقاقير مضادة، بل سيشمل ذلك التعاطي والتكيف مع التأثيرات الاجتماعية والنفسية التي سيخلفها هذا الوباء.

وفي ظل الحديث عن وباء طويل الأمد مثل فيروس (COVID-19)، تشير بعض التقارير إلى احتمالية الاصطدام بموجة تفش أخرى لهذا الفيروس، الأمر الذي يجعل في تكييف أنماط الحياة اليومية وفق مقتضيات البيئة الرقمية أمراً في غاية الأهمية. فشبكة الإنترنت كفضاء رقمي قد توفر لنا بديلاً حيوياً للاستمرار في حياتنا وإتمام أعمالنا اليومية بلا انقطاع.

فمنذ بداية تفشيه في مدينة ووهان الصينية قبل ثلاثة أشهر مضت، وضع فيروس كورونا المستجد عشرات الملايين من البشر تحت الحجر الصحي أو الحجر الطوعي، وفرض علينا ما بات يعرف بالمسافة الاجتماعية (Social Distancing)، وهي مسافة الأمان الاجتماعية التي تبقينا في منأى عن العدوى بالمرض.

فرضت هذه المسافة الاجتماعية وهذا الحجر الطوعي/الصحي علينا إعادة تعريف لطبيعة تفاعلاتنا وأنشطتنا اليومية. فقد وجدنا أنفسنا فجأة أمام بعض الأسئلة المُلحّة من قبيل: كيف أستطيع أن أتابع وأنظم أعمالي عن بعد؟ كيف يمكن أن أقوم بمشترياتي عن بعد؟ كيف يمكنني ملء الفراغ الكبير في الوقت الذي منحه لي الحجر الطوعي هذا؟ وكيف أحافظ على تواصلي مع أصدقائي وأفراد عائلتي بطريقة دائمة؟

شبكة الإنترنت.. المُخلص الرقمي

في ظل هذه الأسئلة الجوهرية برزت شبكة الانترنت بخصائصها التواصلية بوصفها المُخلص. فعلى مدار عقود طويلة، أخذت شبكة الإنترنت تتمدد في حياتنا بطريقة غير مسبوقة. فمنذ اكتشاف الإنسان للنار قبل400  ألف سنة، لم يحدث أن تداخلت التكنولوجيا بهذا القدر الكبير في حياتنا اليومية، حتى باتت منصة الاتصالات الرئيسية، والعصب الرئيسي في مجمل المعاملات الاقتصادية والتجارية، وأداة الوصول إلى المعلومات والبيانات، والبيئة الرقمية الحيوية في مسائل الدفاع والأمن القومي.

بالرغم من هذا التداخل الكبير لشبكة الإنترنت في حياتنا بالقدر الذي بات معه تصور الحياة بدونها أمراً عسيراً، إلا أننا مازلنا ننظر إلى الإنترنت والبنية الرقمية المصاحبة لها على أنها عالم افتراضي في مواجهة العالم الحقيقي الفيزيائي.

إن وقوعنا في فخ ازدواجية الحقيقي-الافتراضي حرمنا ولفترة طويلة من مضاعفة الاستفادة من الميزات التي تقدمها لنا شبكة الانترنت ليس بوصفها شبكة تواصلية فحسب، بل بوصفها بيئة تفاعلية يعاد تشكيل الوعي فيها وفق مقتضيات الخصائص التكنولوجية الفريدة التي توفرها هذه الشبكة بكافة تطبيقاتها التقنية.

قادنا الوقوع في هذا الفخ من حيث لا ندري إلى اتخاذ بُعْدٍ معياري في النظر إلى الأمر. إذ أصبح يأخذ المعنى الافتراضي في وعينا مع الوقت مرتبة متدنية عن معنى الواقعي، وبات النظر إلى الأنشطة المتعلقة بالإنترنت على أنها أمرا ثانويا. فيكفي وصف العلاقة على أنها افتراضية للحكم بزيفها، وبذلك لا تستحق أن تخضع أو تقيّم وفق المعايير الأخلاقية في التعاملات الشخصية.

حاول الكثير من الخبراء والباحثين عبر العديد من الأبحاث والدراسات إعادة تعريف هذه المفاهيم، وذلك من أجل محو حالة التقابل بين الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي بهدف تحقيق أعلى قدر من التجانس والانسجام بين حياتنا الاجتماعية اليومية وبين التكنولوجيا الرقمية ليس بوصفها أدوات أو تقنيات متفرقة هنا وهناك، بل بوصفها أجهزة كلية على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي ستيفان فيال[i]. فالحاسوب حسب وجهة نظره ليس مجرد جهاز جزئي بل هو جهاز كُلّيٌ يعيد تشكيل حياتنا بطريقة شاملة!

وفي سياق إعادة الاعتبار للواقع الافتراضي من حيث هو واقع حقيقي، قدم (فيليب كيو) تعريفه عن الافتراضي بالقول إن “الافتراضي ليس وهماً ولا استيهاماً ولا مجرد احتمالاً مرمياً في جوف الممكن، إنه واقعي بالفعل، يعمل بصورة أصولية. الافتراضي إذن ليس لاواقعياً أو احتمالاً: الافتراضي هو في نظام الواقع”[ii]. ما يعنيه كيو هنا أن الأنشطة التي تجري في الافتراضي – أي في البيئة الرقمية لشبكة الانترنت – هي في جوهرها واقع ولكنه واقع له طبيعة مغايرة نوعاً ما. وهذا بطبيعة الحال لا ينفي واقعيته مطلقا.

فالواقع الافتراضي من حيث الوجود يعتبر كينونة حاضرة ولكنها غير ظاهرة. إنها “الوجود من دون ظهور” كما يسميها ستيفان فيال. إن عدم ظهورها لا يعني أنها غير موجودة، كما أن وجودها غير الظاهر لا يعني أنها بلا قيمة أو ذات قيمة أدنى. إن الشخص الذي تتحدث معه بشكل افتراضي عبر استخدام إحدى التقنيات الرقمية للمحادثات لا يعني أنه غير موجود. إنه موجود رغم أنه غير حاضر في ذات المكان.

يضيف (فيال) في موضع آخر من كتابه نقلاً عن (كيو) فيما يخص حالة التداخل بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي وتشكيلهما واقعاً جديداً مركباً “سوف يغدو من الصعب التمييز، أكثر فأكثر، بين ما هو واقعي حقاً وما هو افتراضي. لأن الافتراضي يميل إلى تهجين ذاته بالنسبة إلى الواقع، وإلى تكوين ضربٍ من مركبٍ واقعي-افتراضي، أي واقع جديد مركب. لا يوجد افتراضي خارج الواقع إنما هو مرتبط به كي يجعله ممكناً ويخرجه إلى الوجود… الافتراضي يتيح توليد الواقع”.[iii]

بعبارة أخرى، إن التطورات التكنولوجية التي تعزز الواقع الافتراضي تتسارع بطريقة تضمن أن تصبح التجارب الافتراضية، أي الوقائع الافتراضية اليومية، أكثر انغماساً في حياتنا من خلال توفير معلومات تجعلنا نحن البشر قادرين على الشعور بأننا داخل عوالم حقيقية بالرغم من أننا نختبر ذلك بوسائل افتراضية رقمية[iv].

من هنا فإن الاستفادة من شبكة الانترنت في حياتنا الاجتماعية وأنشطتنا اليومية بطريقة أكثر فاعلية يتطلب بداية إعادة تعريف الواقعي والافتراضي من جديد بطريقة تضع حداً للثنائية التقليدية، وتعيد إحياء الواقع الافتراضي كواقع حقيقي في وعينا ومخيلتنا.

وللحقيقة، فقد جرت طيلة العقود الثلاثة الأخيرة محاولات لتحقيق هذا الهدف. ولكنّها محاولات لم تحظ بالاهتمام الحقيقي من قبل صناع القرار على مستوى العالم بالعموم، وفي واقعنا العربي على وجه الخصوص. فقد كان ملاحظاً أن التطور في حقل التقنيات الرقمية يجري بوتيرة متسارعة أكثر بكثير من وعي المجتمع وتأقلمه مع هذا الواقع الجديد أفراداً كانوا أم صناع قرار.

فيروس كورونا.. والصدمة الرقمية

وللمفارقة، فإن فيروس كورونا لا فلاسفة التقنيات الرقمية هو الذي أحدث صدمة لدينا كأفراد وصناع قرار ومختصين وخبراء للتفكير جدياً في إعادة تعريف الافتراضي واتخاذ خطوات حاسمة باتجاه الانفتاح على العالم الرقمي بطريقة بعيدة عن الثنائية التقليدية والنظرة الدونية.

ومنذ بداية اعتبار أن الحجر الصحي الطوعي ووجوب التزام البيت واتخاذ مسافة اجتماعية من الطرق الوقائية الأمثل للحد من عدوى فيروس كورونا المستجد، بات البحث عن بدائل توفرها شبكة الانترنت والبينة التحتية الرقمية للاستمرار في مزاولة أعمالنا وأنشطتنا اليومية تتصدر أجندة الاهتمام العالمية.

فجأة رأينا أن العديد من الحكومات والشركات وأصحاب الأعمال، قد هرعوا جميعاً إلى تفعيل نظام العمل عن بُعد وهو ما تطلب إعادة تكييفٍ لأعمالهم ضمن خصائص البنية الرقمية. ومن هنا فإن تلك القطاعات التي كانت تتمتع ببنية رقمية قوية ومحكمة وجدوا أنفسهم أمام انتقال سلس وآمن لممارسة أعمالهم عبر شبكة الإنترنت عن بعد. أما بالنسبة لكثير من القطاعات التي لم تكن تتمتع بمثل هذه البنية التحتية الرقمية فقد كانت هذه النقلة مصدراً للكثير من القلق، وهو ما بات يلزمهم التفكير جدياً في سياساتهم الرقمية لاحقا.

تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في البنية الرقمية وتداخلها مع حياتنا اليومية كأولوية مُلحّة للتصدي للكثير من المشكلات التي سنواجهها نحن البشر في هذا العصر الذي يتصف بحالة من عدم الاستقرار المزمن. ولمزيد من التركيز، سيتم تسليط الضوء هنا على دائرتين مهمتين في هذا المجال هما دائرة الفرد، ودائرة نشاطه الاقتصادي والثقافي خصوصاً في مجال التعليم.

وإذا كان الإسهاب في الحديث عن هاتين الدائرتين هو خارج نطاق هذه الورقة، فإن تقديم بعض الإشارات حولهما سيكون كافياً للتوعية بهما أولاً، ولتمهيد الطريق نحو مزيد من التأمل والبحث.

البيئة الرقمية والكساد الاجتماعي

نشهد حالة من “الركود الاجتماعي على المستوى الفردي”[v]، أو حالة وباء الوحدة والعزلة كما يسميها كبير محرري (Vox) عزرا كلاين بسبب حالة الحجر المنزلي سواء الطوعي أو الإجباري التي فرضت على الملايين منا بسبب أزمة وباء فيروس كورونا. وفي الوقت الذي بات فيه الاختلاط بشكل فعلي بالناس مصدر خطر كبير على الصحة، فإن اللجوء إلى العالم الافتراضي بات خياراً جذاباً لدى الكثيرين.

وحتى لا يشكل هذا اللجوء إلى الافتراضي – للتخلص من العزلة أو منع الانهيار نحو الركود الاجتماعي – انقطاعاً عن الواقع الحياتي المعاش، لا بدَّ من التأكيد على أن هذا اللجوء ليس فراراً من واقع إلى واقع آخر أو تحايلاً عليه بقدر ما هو معايشة الواقع الحقيقي بطريقة أخرى. بهذه المنهجية لا نشعر أننا دخلنا في حالة انقطاع عن واقعنا بل بتنا نعايشه بطبيعة أخرى.

من هنا فإن الاتكاء على التطبيقات الرقمية مثل (Zoom) و(Skype) و(Massager Video Call) من أجل اجتماعات العمل، أو البقاء على تواصل مع الأصدقاء والأقارب، والاشتراك معهم في أنشطة جماعية أونلاين يعد من أهم الخيارات التي من شأنها إحداث ديمومة في التواصل الاجتماعي. وقد رأينا فعلاً أن الكثيرين بدأوا بتلقي دعوات للمشاركة في أنشطة اجتماعية عبر هذه التطبيقات من قبيل دروس فنية على تطبيق (Zoom)، ونواد للكتاب والقراءة وجلسات يوغا عبر سكايب.

إلى جانب الترفيه يكفي النظر إلى بعض الأنشطة التي ابتدعها الأفراد مؤخراً. فقد تدفق المراهقون بشكل ملحوظ على الألعاب التشاركية مثل (Fortnite)، أما في الصين فقد اخترع الشباب الحفلات الافتراضية مستخدمين تطبيق TekTok بحيث يقوم أحدهم بتشغيل DJ  افتراضي على حسابه بينما يتفاعل معه الآلاف بالرقص عبر هواتفهم المحمولة. وفي أماكن  أخرى، مثل الولايات المتحدة، بدأ المواطنون في اختبار حفلات عشاء وصلوات افتراضية.

الاقتصاد الرقمي.. نحو مرونة افتراضية

أما على المستوى الاقتصادي، فقد شهد الانترنت تحولاً جوهرياً في السنوات العشر الأخيرة نحو ما بات يعرف بثورة المنصات (Platform Revolution). إذ نشهد طفرة في المنصات الرقمية التي باتت تدخل غالبية القطاعات الاقتصادية. وقد عدت هذه المنصات كمحفز للنمو الاقتصادي وللتطوير والإبداع، وعملت على تمكين المواطنين العاديين ورواد الأعمال من إنشاء مشاريعهم الخاصة التي تدر عليهم وعلى اقتصاد بلادهم الكثير من المال. كما ساهمت بشكل جوهري في زيادة التواصل بين الأفراد حول العالم. لذلك تعتبر هذه المنصات الرقمية واحدة من أبرز محركات عجلة العولمة هذه الأيام.

فعلى سبيل المثال، يستطيع أي شخص من أي بقعة في العالم استئجار مكان للسكن في مدينة أخرى باستخدام (Airbnb)، أو البحث عن دراسة مقرر علمي ما في موقع (Coursera)، أو الانضمام إلى منصة (PatientsLikeMe) لمشاركة معلومات شخصية عن مرض معين والاستفادة من تجارب الآخرين في العلاج، أو طلب سيارة عبر موقع (Uber) للذهاب إلى مكان معين، أو تصفح الأخبار عبر خدمة Instant) Articles) من شبكة فيسبوك، أو طلب وجبة طعام عبر خدمة (Deliveroo).

لقد استطاعت المنصات الرقمية التغلغل إلى غالبية القطاعات كالتعليم، والسياحة، والتجارة، والإعلام، والمواصلات، والصحة وغيرها. تقود شبكة الانترنت وتكنولوجيا المعلومات النمو الاقتصادي العالمي في الآونة الأخيرة، إذ يكفي النظر سريعاً إلى بعض الأرقام التي تتعلق بأعمال التجارة الإلكترونية (e-commerce business) لنرى حجم المساهمة الاقتصادية لهذا القطاع في النمو الاقتصادي العالمي. فحتى نهاية عام 2019، أنفق المستهلكون في جميع أنحاء العالم ما يقرب من 3.46 تريليون دولار عبر الإنترنت، وهو ما يشكل ارتفاعاً بنسبة 17.9 عن العام الذي سبقه حيث بلغت نسبة الانفاق في عام 2018 ما يقدر بـ 2.93 تريليون دولار.

مبيعات التجارة الإلكترونية العالمية، 2016-2019  المبيعات عبر الإنترنت (بالترليون دولار)
مبيعات التجارة الإلكترونية العالمية، 2016-2019 المبيعات عبر الإنترنت (بالترليون دولار)

بالرغم من هذه الأرقام الكبيرة، إلا أن الاقتصاد الرقمي ليس متوازناً حيث يذهب نصيب الأسد من المنافع الاقتصادية إلى تجارة التجزئة والإعلانات التي تسيطر عليها شركات كبرى مثل شركة أمازون وعلي بابا الصينية، وجوجل وفيسبوك، على التوالي. لقد كشفت أزمة وباء كورونا أن القطاعات الأخرى لم تنفتح بالقدر الكافي على الاقتصاد الرقمي، ولم تكن مجهزة بما فيه الكفاية، كقطاع التعليم حيث بات أكثر من مليار طالب حول العالم خارج مقاعدهم التدريسية.

منذ بداية الألفية كان للشركات الرقمية الكبرى إسهامٌ كبير في تعزيز التعليم الرقمي أو التعليم عن بعد Online Education. فعلى سبيل المثال، سعت شركة ميكروسوفت بشكل حثيث للاستثمار في التعليم منذ ثمانينيات القرن الماضي من خلال البرمجيات المكتبية (Office Software) والبرمجيات الصفية (Classroom Software) والتي عرفت باسم (Blackboard).  أما شركة (Google) فمنذ اطلاقتها، كان لها حضور قوي في حياة الطلاب من خلال تقديم الخدمات المجانية للجامعات والطلاب من قبيل (Scholar)، و(LibraryLink)، وحزمة (Gmail and Docs)، وغيرها الكثير.

ولم تكتف هذه الشركات التكنولوجية بتقديم حزم البرمجيات المجانية لتحفيز التعليم عن بعد أو التعليم الرقمي، بل انتقلت خطوة إلى الأمام من خلال توفير مجموعة جديدة من الأدوات التي تعتمد بشكل كبير على المنافع التي توفرها بنيتها التحتية الرقمية. واتخذت هذه الأدوات الجديدة منحى “الميزات المتعلقة بإنتاج ونشر المحتوى، وتعقب أداء الطلاب، والإدارة الصفية”[vi].

فشركة آبل على سبيل المثال، قدمت تطبيق تعليمي شامل يدعى (Classroom App)، في حين عرضت ميكروسوفت خدمة (MS Education)، حتى أمازون والتي تعتبر من الواصلين المتأخرين في هذا القطاع قدمت خدمة (Inspire) وهي بوابة تعليمية حيث يمكن للمعلمين تحميل ومشاركة ومراجعة المواد التعليمية الرقمية ليس فقط تلك المتوفرة من مكتبة (the Shakespeare Library) ولكن أيضا الأدوات التفاعلية من المتاحف والمواد مفتوحة المصدر مثل (College Scorecard).

هذه الخدمات والتطبيقات والمنصات، وغيرها من المشاريع من قبيل (K-12 Schooling)، ومبادرات الجامعات والكليات في توفير الكثير من المقررات أونلاين والتي تعرف بـ (MOOCs) أي دورات شبكة الإنترنت الضخمة المفتوحة (Massive Open Online Courses)، أو المنصات الرقمية للتعليم عن بعد مثل الشرق أكاديميا، قد ساهمت في تقريب التعليم الرقمي إلى الناس، ولكنها على أهميتها تبقى دون الحد الأدنى.

بالرغم من كل ما تقدم إلا أننا وجدنا أنفسنا مكشوفين وضعفاء أمام هذا الانقطاع المفاجئ والمؤقت عن التعليم بسبب تفشي فيروس كورونا. فجأة وجدت المدارس نفسها أمام اختبار صعب بضرورة استكمال الدروس المنزلية عن بعد عن طريق الإنترنت. ولأن الكثيرين غير مهيئين لمثل هذه الحالات الطارئة سابقا خصوصاً في السياق العربي، ولأن التعليم لم تتم رقمنته على نطاق أوسع، وجدنا أنفسنا في معضلة كبيرة سواء اتجاه إنتاج المحتوى أو اتجاه إعطاء الدروس، وبذلك اتضح حجم الأمية الرقمية التي نتمتع بها. فغالبية المُدرسيين لا يعرفون استخدام التطبيقات المتوفرة لديهم، في حين أن غالبية الطلاب يأخذون دروسهم عبر الإنترنت باستخفاف.

لا شكّ أن هناك بعض المبادرات التي جاءت سريعة وعاجلة لتلبية الحاجة الملحة التي فرضها الحجر الصحي للوقاية من تفشي فيروس كورونا المستجد. ففي عالمنا العربي على سبيل المثال كانت هناك مبادرة “درسك“؛ وهي منصة تعليمية مجانية أطلقتها وزارة التربية والتعليم في الأردن من أجل الاستمرار في التعليم.

على أهمية هذه الخطوات إلا أنها تبقى في خانة ردود الأفعال. ما نحتاجه بعد الخروج من أزمة وباء (COVID-19) هو أن نبدأ فعلياً بإصلاح العديد من القطاعات الاقتصادية والثقافية لمزيد من المرونة تجاه الثقافة الرقمية. على مستوى التعليم لا بدّ من إعادة هيكلة العملية التعلمية نحو مزيد من الرقمنة على المستوى التقني والتكنولوجي هذا من جانب، ومن جانب آخر تعزيز علاقتنا بالثقافة الرقمية من خلال إعادة تشكيل تصوراتنا عنها بحيث لا تبقى في أذهاننا وكأنها ثقافة افتراضية تحتل المقعد الخلفي من تقديراتنا وتفاعلاتنا الاجتماعية اليومية.

الخاتمة

لقد شكل وباء فيروس كورونا المستجد (COVID-19) صدمة في الوعي الإنساني تجاه العديد من القضايا الملحة في حياتنا اليومية. واحدة من هذه القضايا هي الثورة الرقمية ومدى تغلغلها في حياتنا أو بعبارة أخرى مدى تأقلمنا معها وإدماجها في حياتنا اليومية بطريقة أكثر فاعلية. إننا اليوم مدعوون إلى إعادة التفكير في البنية الرقمية الحيوية المتوفرة بين أيدينا من أجل العبور إلى العصر الرقمي بخطى واثقة. يبدأ هذا العبور من خلال إعادة توجيه بوصلة تصوراتنا عن الرقمي وعن الواقع الافتراضي ككل متخلٍّين عن الثنائية التقليدية التي تضع حداً فاصلاً بين الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي.

إننا أمام فرصة لتأسيس فهمٍ جديدٍ للواقع الافتراضي باعتباره واقعاً حقيقياً ذات طبيعة مغايرة. وبذلك يصبح في وعينا ومخيلتنا متمتعاً بالأهمية وبالحكم الأخلاقي الذي يحظى به الواقع الحقيقي، وهو ما يعزز من الفرص والخيارات التي من شأن شبكة الإنترنت أن تقدمها وتساهم بها لتحسين حياة البشر على هذا الكوكب.


المصادر: 

[i]  ستيفان فيال، الكينونة والشاشة: كيف يغير الرقمي الإدراك، ترجمة إدريس كثير، هيئة البحرين للثقافة والآثار، المنامة، 2018.

[ii]  المصدر السابق، ص: 142

[iii]  المصدر السابق، ص: 160

[iv] Blascovich, J., & Bailenson, J. (2012). Infinite reality: avatars, eternal life, new worlds, and the dawn of the virtual revolution. New York: William Morrow.

[v] Ezra Klein, Coronavirus will also cause a loneliness epidemic We need to take both social distancing and the “social recession” it will cause seriously. https://www.vox.com/2020/3/12/21173938/coronavirus-covid-19-social-distancing-elderly-epidemic-isolation-quarantine

[vi]Dijck, J., Poell, T. and Waal, M., 2018. The Platform Society Public Values In A Connective World. New York, NY: Oxford University Press.

نبيل عودة

باحث في العلاقات الدولية والسياسة الرقمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى