عطب الاقتصاد اللبناني وتحديات حكومة حسّان دياب

جو حمورة

باحث في الشؤون الشرق الاوسطية والتركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • تحقيق خروج شبه آمن من الأزمة يحتاج إلى إجراء إصلاح حقيقي في بنية الدولة وإداراته، ورؤية أكثر جرأة وفعالية لسياساتها المالية. غير أن ضعف الحكم وغياب الحلول السهلة قد تؤجل أي معالجة سريعة وحقيقية، فينتهي أمر لبنان دولة منهارة، وهو واقع لا يبدو بعيداً على جميع الأحوال.

 

 

لم يكن اندلاع “ثورة 17 تشرين” في لبنان مفاجئاً لكثر. لقد عاش هذا البلد الصغير وسط أزمات دائمة. فهو يجاور سوريا المشتعلة كما الاحتلال الإسرائيلي كعدو، إضافة لسلسلة من مسببات الأزمات الاجتماعية والسياسية؛ من بضعة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، إلى سلاح منظمة “حزب الله” المتجبر على الدولة، مروراً بعطب بنيوي أنتج الأزمة المالية والاقتصادية الحالية.

ساهمت “الثورة” بإسقاط حكومة سعد الحريري في 29 تشرين الأول، مفسحة المجال أمام تشكيل حكومة جديدة برئاسة حسّان دياب. الرجل القادم من خارج الطبقة التقليدية لرجال الأعمال والحزبيين الذين يتحولون إلى وزراء ونواب بفعل شبكة علاقاتهم الواسعة، اصطدم سريعاً بسلسلة من الأزمات تبدأ بصعوبة السيطرة على الشارع، ولا تنتهي بكفية التعامل مع الأزمة المالية والمعيشية والنقدية الخانقة.

نهاية “الحريرية السياسية” ووريثها

عرف لبنان سياسة مالية ونقدية شبه ثابتة منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1991. منذ ذلك التاريخ وحتى الأمس القريب، قامت سياسة الدولة على الإقتراض من المصارف المحلية ومن دول العالم ومنظماته النقدية. اصطُلح، في السياق الأدبي اللبناني، على تسمية هذه السياسة المالية بـ”الحريرية السياسية”، على اعتبار أن مطلقها كان رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، واستمر بها من بعده نجله سعد.

لقد كانت هذه السياسة “ضرورية”، وسمحت بإعادة إعمار لبنان وبناء مؤسساته وتنظيم أموره بعد حرب مدمرة استمرت خمسة عشر عاماً. إلا أن كثرة الشوائب التي رافقت “الحريرية السياسية” أنتجت عطباً بنيوياً في الاقتصاد اللبناني كان محتماً أن يؤدي، في نهاية الأمر، إلى إنفجار يوماً ما. إن استدانة الدولة لمليارات الدولارات من الداخل والخارج، راكم ديناً عاماً ناهز الـ90 مليار دولار عام 2020، وهو دين يشكل أكثر من 170% من الناتج المحلي[1]. فباتت الدولة اللبنانية ومواطنيها، مجبرون على دفع فوائد هذه الديون ومترتباتها، وأبطأ، بالتالي، النمو المحلي وخلق اقتصاد منتج.

تبقى الأزمة المالية والاقتصادية الحالية هي أخطر ما يواجهه حسّان دياب وحكومته. وهو أمام معضلة حقيقية متعددة الجوانب، وتحتاج للكثير من العمل والتضحيات لتحقيق خرق جدي في جدار الأزمة، ولتجنب الإنهيار القادم.

 

لا تشكل الاستدانة أي استثناء لبناني، إذ أن معظم الدول تقوم بها، وتمول خزينتها من القروض المتوسطة أو الطويلة الأجل. إلا أن الشائبة الحقيقية التي أنتجتها “الحريرية السياسية” وشركاءها المحليين في الحكم، هو أنها لم تستخدم القروض لغرض تمويل استثمارات محلية منتجة، إنما ذهبت هدراً لدفع الديون المتراكمة وفوائدها، وتمويل نفقات الدولة من معاشات موظفين وقوى مسلحة، وسط فساد مستشري في الإدارة والحكم أغرق البلاد بديون يصعب ردها، وأزمة لا خروج سهل منها.

على الرغم من خروجه من السلطة، ما يزال سعد الحريري يحظى بدعم كبير في الشارع السني اللبناني، كما كتلة نيابية وازنة، ومجموعة كبيرة من المتحملقين حوله من متمولين وإداريين وتجار. غير أن إيجاد بديل عنه ليشغل المنصب العائد للطائفة السنية، أرخى بثقله على الحياة السياسية اللبنانية وتوزيع النفوذ بين الطوائف في الدولة. فإذا كانت رئاسة الحكومة اللبنانية تُسند، عرفاً، لأقوى سني في لبنان، فإنه قد تم القفز فوق العُرف، واختار كل من رئيس الجمهورية (المسيحي) ورئيس مجلس النواب (الشيعي) كما حزب الله، حسّان دياب ليشغل منصب الحريري.

هذا “الإنقلاب” بالمفهوم الضيق في الحالة اللبنانية، أعطى دفعاً جديداً “للثورة” وأرفدها بالغاضبين من الحالة التي وصلت إليها البلاد[2]. كما أنه دفع الكثيرين للإعتبار بأن “الحريرية السياسية” قد انتهت مع خروج سعد الحريري من الحكم، واقتناص بقية الطوائف الفرصة لتنصب رئيس حكومة سني ضعيف مكانه.

يبدو دياب كمن ورث كرة لهب عن سلفه، وأوكلت إليه مهمة لا يبدو أنه قادر على تحقيقها. فهو، بداية، دون شعبية تذكر، ولا يملك كتلة من المتمولين أو النافذين تساعده على تحقيق ما يريد، كما، والأهم، يبدو كمدين لمن أوصله إلى الحكم. تبعاً لذلك، كان قرار دياب الأول فور حصول حكومته على ثقة مجلس النواب، تفويض بعض صلاحيات رئاسة الحكومة إلى المدير العام في القصر الجمهوري، وهي جلّها صلاحيات ذات صلة بالأمور الإدارية والمالية والجامعية[3].

بعيداً عن شجون وشؤون الطوائف، تبقى الأزمة المالية والاقتصادية الحالية هي أخطر ما يواجهه حسّان دياب وحكومته. وهو أمام معضلة حقيقية متعددة الجوانب، وتحتاج للكثير من العمل والتضحيات لتحقيق خرق جدي في جدار الأزمة، ولتجنب الإنهيار القادم.

جوانب الأزمة: لبنان لن يدفع “اليوروبوندز”

تتشعب الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية الحالية إلى عدة أزمات متفرعة. إلا أن أبرزها ما هو متعلق بالمصارف، وما نتج عنه من عبث أصحاب محلات الصرافة في الأسواق المحلية وتراجع قيمة الليرة، والتضخم المعيشي الحاد، كما عدم نية الدولة دفع متوجباتها من سندات “اليوروبوندز” للعام 2020.

للمصارف قيمة ورفعة في الحياة الاقتصادية اللبنانية. لقد حققت تلك المصارف، البالغ عددها 63 مصرفاً في السوق المحلي، 16 مليار دولار من الأرباح بين العام 1992 و 2015[4]. تخشى تلك المصارف أن تدفع ثمن الإنهيار، خاصة أنها من المقرضين الأساسيين للدولة. لذلك، أقفلت المصارف أبوابها منذ الأسبوع الأول “للثورة” ولمدة 14 يوماً، ثم فتحت أبوابها بعدما أمنت تغطية الدولة حال فرض قيود على المودعين. وهذا ما حصل بالفعل، إذ قامت “جمعية المصارف اللبنانية” بفرض قيود دون رادع، ووضعت سقف ألف دولار للسحوبات الأسبوعية للمودعين، وبحدود الخمسين دولاراً في الأسبوع للمودعين الصغار. ثم قامت، بعد ذلك بأسابيع، بتحديد سقف آخر لكمية الأموال الممكن سحبها أسبوعياً في الليرة اللبنانية.

أدى وضع حد لسقف السحوبات بالدولار إلى ازدهار السوق السوداء. فبات من يهمه الحصول على عملة أجنبية من أجل التجارة، الإدخار أو السفر، التوجه لدى محلات الصيرفة وبيع الليرة اللبنانية لديهم. أدى هذا الأمر إلى انخفاض سعر الليرة إلى حدود 2700 ليرة للدولار الواحد، بينما بقيت 1515 ليرة رسمياً ولدى المصارف. هذه الوضع دفع بالكثر للاستفادة من الأزمة، وتحوّل بعضهم إلى مضاربين ينقلون أموالهم بين المصارف ومحلات الصيرفة لكسب ربح حيناً، وللحد من خسارتهم لقيمة أموالهم في أغلب الأحيان.

على هذا المنوال، حذى التجار حذو أصحاب محلات الصيرفة، فارتفعت قيمة السلع بحدود الـ45 بالمئة[5] على أقل تقدير، على اعتبار أن المواد الأولية المستخدمة للإنتاج تُشترى بالدولار، بينما السلعة تباع بالليرة اللبنانية في السوق المحلي. الأمر الذي أدى إلى تراجع القيمة الشرائية للفرد اللبناني، ودخول البلاد بأزمة اقتصادية ومالية حادة، مع ما ينتجه هذا الأمر من ارتفاع لنسبة البطالة وزيادة نسبة الفقر والهجرة وغيرها.

تواجه الدولة اللبنانية أزمة أشد خطورة مما سبق. إذ عليها دفع حوالى 4.6 مليار دولار عام 2020 كانت قد استدانتها في السابق على شكل سندات خزينة. وكان دياب قد  أعلن عن عدم نية حكومته دفع الإستحقاق الأول (المستحق في 9 آذار من العام الحالي)، معلناً استعداد حكومته الدخول في تفاوض مع الدائنين لإعداة جدولة ديون الدولة[6]. إلا أن هذا الأمر قد يجر أزمة إضافية، وهي تعرض لبنان لعقوبات دولية في حال رفع الدائنين لدعاوى قضائية لإسترجاع حقوقهم، مع ما يستتبعه ذلك من دفع للأموال وفوائدها وأكلاف القضايا القانونية.

إن غياب إمكانية الدولة اللبنانية سداد ديونها، يخلق أزمة حقيقية على جبهتين. الأولى هي بين الدولة والمصارف المحلية التي كانت سوف تستفيد من دفع الدولة لديونها (على اعتبار أنها الجهة الأساسية التي تستدين الدولة منها). فيما الثانية هي مع الجهات الدولية المانحة التي ستفقد الثقة بالمؤسسات اللبنانية، وقد توقف أي شكل من أشكال المساعدات لدولة غير قادرة على دفع متوجباتها المالية.

فرصة للإصلاح الحقيقي

الناظر عن قرب في الواقع اللبناني، يتلمس أن الإنهيار حتمي، ويعود لحقيقة أن كمية الدين الذي على الدولة، وفوائده المتراكمة منذ العام 1992، لا إمكانية لردها. ولكن، وقبل دخول لبنان في الأزمة الحالية، كانت البلاد أمام فرصة لتأجيل الإنهيار على الأقل، وذلك بعد تنظيم مؤتمر “سيدر” الدولي الذي حضرته عشرات الدول والصناديق المانحة بداية عام 2019، والذين تعهدوا فيه برفد لبنان بحوالى 11 مليار دولار من الهبات والقروض الميسّرة.

الشروط الخارجية من صندوق النقد الدولي ودول مؤتمر “سيدر”، وإن كانت ضرورية لإصلاح الاقتصاد اللبناني، إلا أنها تبدو قاسية، ولن تكون إلا على حساب الطبقات الأقل دخلاً والأكثر سخطاً، تضع الحكومة أمام المعترضين كونهم الأكثر ضرراً

 

إلا أن الدول المانحة، كما صندوق النقد الدولي، اشترطوا على الحكومة اللبنانية إجراء إصلاحات بنيوية في الإقتصاد، وبتنمية البنى التحتية والبيئة والقطاعات المنتجة، وبمحاربة جدية للفساد[7] المستشري في الإدارات العامة. كذلك الأمر، اشترطت دول مؤتمر “سيدر” إعادة هيكلة القطاع العام ونظام التقاعد، مع ما يعنيه ذلك من طرد قسم لا بأس به من موظفي الدولة، وحسم من المبالغ التقاعدية التي يجنوها. بالإضافة إلى زيادة الضرائب على المشتقات النفطية، والأملاك المبنية، ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، كما خصخصة بعض القطاعات الإنتاجية كالكهرباء والاتصالات، إلخ[8].

هذه الشروط الخارجية، وإن كانت ضرورية لإصلاح الاقتصاد اللبناني، إلا أنها تبدو قاسية، ولن تكون إلا على حساب الطبقات الأقل دخلاً والأكثر سخطاً. كما إنها ستضع حكومة حسّان دياب أمام مواجهة مع المعترضين و”الثائرين”، كونهم الأكثر تضرراً من هذه الإصلاحات في حال تنفيذها. لذلك، لم يُبدِ الرجل إهتماماً حقيقياً وجاداً في تنفيذ الشروط الأجنبية، دون أن ينفي، في نفس الوقت، حاجة البلاد الضرورية إليها.

يقف دياب متفرجاً في خضم الأزمة أكثر مما هو فاعل فيها. لا يعود ذلك إلى ضعفه السياسي فحسب، أو إلى معرفته المسبقة أن القرارات الكبرى في البلاد تعود لهؤلاء القوى التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة، إنما، كذلك، لأن هكذا قرارات إصلاحية قاسية سترتد عليه في الشارع، وربما تخرجه من السلطة كما أخرجت سلفه سعد الحريري. يقف الرجل حائراً أمام شروط أجنبية تكبله، وقوى محلية تضع الشروط عليه، ومنتفضين في الشارع يبحثون عن كبش فداء.

تبدو آمال حل الأزمة اللبنانية الحالية ضعيفة. تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بسرعة، وتحتجز المصارف جنى أعمارهم، وتتزايد الأزمات المعيشية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، فيما الدولة شبه مكبلة الحركة، ولا تملك، إلى الآن، الجرأة الكافية لمعالجة الأزمة بشكل جاد. إن مرور حوالى 5 أشهر على الأزمة اللبنانية، تشي بسوداوية المشهد، وبغياب أي خطة حقيقية وشاملة لها، كل ذلك وسط تلبك أهل الحكم، وازدياد منسوب خلافاتهم الطائفية والسياسية المتعددة الأوجه.

إن تحقيق خروج شبه آمن من الأزمة يحتاج إلى إجراء إصلاح حقيقي في بنية الدولة وإداراته، ورؤية أكثر جرأة وفعالية لسياساتها المالية. غير أن ضعف الحكم وغياب الحلول السهلة قد تؤجل أي معالجة سريعة وحقيقية، فينتهي أمر لبنان دولة منهارة، وهو واقع لا يبدو بعيداً على جميع الأحوال.


المراجع:

[1]  الجزيرة، “احتياطي العملة بلغ مستوى خطيراً.. لبنان يعلن أول تخلف عن سداد ديون بتاريخه”، 7 آذار 2020.

[2] بولا أسطيح، “تكليف دياب تشكيل الحكومة اللبنانية يفاقم الاستياء السني”، الشرق الأوسط، 04 كانون الثاني 2020.

[3] اللواء، “دياب يفوض مدير عام رئاسة الجمهورية ببعض صلاحياته، 25 شباط 2020.

[4] إيفا الشوفي، “6 أيار 1992: كيف جيء بالحريري إلى الحكم؟”، الأخبار، 6 أيار 2015.

[5] وسيم سيف الدين، “لبنان.. ارتفاع الأسعار بنسبة 45% وتحذير من “الانهيار الكبير” “، 21 شباط 2020.

[6] اندبندنت عربية، “لبنان يقرر تعليق دفع الـ”يوروبوندز” “، 7 آذار 2020.

[7] نور الدين اسكندر، “ما هي تعهدات لبنان مقابل قروض دول “سيدر”؟”، الميادين، 8 آذار 2019.

[8] محمد وهبة، ” وصفة صندوق النقد الدولي: TVA وضريبة على البنزين وزيادة سعر الكهرباء…”، الأخبار، 16 كانون الأول 2019.

جو حمورة

باحث في الشؤون الشرق الاوسطية والتركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى