تونس: لماذا سقطت حكومة “الجملي”؟

اقرأ في هذا المقال
  • يسعى الفرقاء السياسيون إلى ضرورة التوصل إلى توافق للمصادقة على الحكومة القادمة، من أجل تفادي حل البرلمان، والالتجاء لانتخابات تشريعية مبكرة، لا تكون إمكانية التجديد فيها متاحة لأغلبهم إذا ما أعيدت الانتخابات

 

تمهيد:

يهدف هذا التقرير إلى رصد خصائص المشهد السياسي التونسي على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية (أكتوبر 2019)، ويسعى أيضا إلى تفسير تشتت النتائج وتراجع نصاب الأحزاب باختلاف أحجامها، والذي لم يستثن “حركة النهضة” صاحبة المركز الأول في ترتيب الأحزاب، إذ لم تزد حصيلتها عن 54 مقعد، تلاها حزب “قلب تونس” بمجموع 38 مقعدا (الهيئة المستقلة للانتخابات، أكتوبر 2019).

ويتطرق التقرير إلى مسار تشكيل حكومة حبيب الجملي بين ديناميكية الشك وإدارة المخاطر ضمن إدارة الحكم في تونس.

تعتبر الانتخابات في أعراف الديمقراطيات آليةً للتقييم والمحاسبة، وتتيح للأحزاب التي تنال ثقة ناخبيها قيادة مشاورات بناء فريق الحكم. لكن، هل تسمح النتائج التشريعية التونسية الأخيرة بالسير قدما في تشكيل قيادة ائتلافية تتفق عليها الأحزاب الفائزة؟

لم يكن فوز “حزب النهضة” بالمرتبة الأولى كافيا لتسهيل مشاوراتها في تشكيل حكومة يترأسها أحد قاداتها نظرا لمحدودية عدد المقاعد، ولأن موقف حزبي “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب”، والمعنيان موضوعيا بالمشاركة فيها، تمثل في الإعتراض على ذلك، بالرغم من استجابة “حركة النهضة” لكافة اشتراطاتهما كحليفين مفترضين (أمين بن مسعود، حكومة أقليّة ومعارضة أكثرية، 09-12-2019). وكان لمناخات التنافر المتبادل، والشحن الإعلامي المتواصل طيلة فترة المفاوضات، السبب المباشر في إفشال التوصل إلى ثاني تجربة توافقية في تونس بعد تجربة الترويكا سنة 2011 ؛ وهو التحالف بين الأحزاب الأولى الثلاثة الفائزة في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011، وهي: “حزب النهضة”، و”حزب المؤتمر من أجل الجمهورية”، و”حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات”.

وقد تبيّن أن صعوبة الاتفاق حول ملامح الشخصية التي ستتولّى تشكيل الحكومة لم يساعد على تقدم سلس في المشاورات الهادفة لوضع السياسات ومنهجيات العمل، بالإضافة إلى اختيار الفريق الحكومي الذي سيعتمد تلك المنهجيات ويعمل وفق تلك السياسات.

  1. الشخصية الجامعة للتونسيين وملمح “العصفور  النادر”  

لم تسفر نتائج الانتخابات التشريعية التونسية الأخيرة عن تصدر أغلبية واضحة تساعد على تشكيل الحكومة، ولا يبدو أن التوافق يسيرا في سبيل بناء تحالفات تؤمّن ذلك الغرض، وهو ما جعل طريق المفاوضات معقّدة وطويلة وغير مضمونة النتائج؛ فدور حركة النهضة كحزب مكلّف بتلك المهمة دقيق، ومسؤوليّة حبيب الجملي الشخصية المفوضة لذلك عسيرة ومحفوفة بالكوابح والعراقيل.

لقد أدخلت نتائج الانتخابات المشهد السياسي التونسي في طور جديد تبدّلت فيه الكثير من المعادلات التي ظلّت قائمة منذ الثورة. فقد تقلّص وزن أطراف سياسية تصدّرت نتائج انتخابات 2014، وخرجت أطراف أخرى من معادلة موازين القوى، وسجّلت أطراف أخرى تتهيأ للعب أدوار أكبر صعودا نسبيا. الأمر الذي ينذر بأننا أمام مشهد برلماني يصعب في ظله التوصل إلى توافقات لتشكيل فريق حكومي قادر على الأداء والاستمرار من ناحية، والتوافق من ناحية أخرى على انتقاء شخصية يتسنّى لها الملاءمة بين الأمزجة السياسية المتباينة حدّ التناقض، وقيادة العمل الحكومي بالنجاعة والكفاءة المستحقة.

  • ملامح “العصفور النادر” لتجميع التونسيين

لقد تبيّن أن دعوة الغنوشي، السابقة للانتخابات الرئاسية والساعية للبحث عن “عصفور نادر” يسهّل توافق التونسيين وقيادة المرحلة القادمة، ليست دعوة اعتباطية هدفها المناورة، بقدر ما كانت تعبّر عن إدراك أهمية توافق التونسيين حول ترشيح شخصية  لرئاسة تونس، تنال رضا أوسع طيف منهم؛ بالإضافة إلى تعبيرها عن الوعي بـأنّ عمليّة الاختيار دقيقة ومعقّدة أمام حالة التهّيج والتنافر التي تشقّ التونسيين، وما يرافقها من حالة شكّ متبادل تسود فيها محاسبة النوايا، الأمر الذي يعيق القابلية للعيش المشترك، ويتناقض أيضا مع مناخات بناء الثقة التي يقتضيها التأسيس للديمقراطية وتوفير الشروط الملائمة لتعزيزها.

جاءت دعوة الغنوشي تلك في سياق بحث “حزب النهضة” عن مرشح لها في الانتخابات الرئاسية؛ لا يكفي أن يُلبي اختياره شروط مقبوليته في أوساط الحزب فقط، بل يراعي أيضا شروط مقبوليته وطنيا، ويكون محل إجماع لدى أغلب الأحزاب. هذه تجربة، كان ينبغي على الحركة إعادة انتهاجها عندما قامت باختيار مرشحها لرئاسة الحكومة.

ألم يكن ترشيح قيس سعيد منوالا يقاس عليه في الترشيح لرئاسة الحكومة؟  

كان لاختيار قيس سعيد لمنصب رئيس الجمهورية من خارج الدوائر التقليدية التي تتحكم في توجيه السياسات التونسية، ولاختيار الشخصيات الملائمة تقليديا للقيادة بتفويض من الجهات النافذة، إخراجا ملائما لصورة “العصفور النادر”، ليس كما ألمح إليها الغنوشي في تحديد مواصفات من ترشحه النهضة لتلك المهمة، ولكن بمعايير تتوافق مع رضا التونسيين، وقبولهم لصيغة جمعت على غير المألوف بين اختيار الاسلاميين واليساريين وغيرهم من شتى التيارات السياسية التي رأت في شخصية قيس سعيد شخصية جامعة من خلال عدم انتسابها لدوائر الانتماء التقليدية، وتحررها من أي ولاء حزبي، علاوة على تبنيها لمطالب الإصلاح ومقاومة الفساد.

لكن مشاورات تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2019، لم تهتد إلى اختيار شخصية محورية بتلك المواصفات، يجتمع حولها أوسع طيف من التونسيين، ويتعالون على كل ما يفرقهم في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي المخاطر المحدقة محليا وإقليميا. بدليل أن التوصل إلى توافق حول شخصية قيادية بارزة من النهضة، تتولى رئاسة الحكومة، لم يكن ممكنا ولم ينل موافقة الحلفاء المفترضين. كما أن اقتراح السيد الحبيب الجملي كشخصية مستقلة يجتمع حولها الائتلاف الحاكم، لم تتوفر فيها شروط الرضا التي تساعد على تجاوز حالة الشك والاختلاف، في سياق إمكانية العمل المشترك بين تيارات سياسية جمع بينها مسار مقاومة الاستبداد، لكن لم تهتد بعد إلى قواعد العمل المشترك. فما الذي يعيق تعاون تلك الأحزاب وفق أجندات وطنية واضحة، وأن تهتدي لقواعد وفاق تحالفية وعملية، وتكون محل اتفاق الجميع إلا من عزل نفسه؟

  1. أزمة الثقة بين التونسيين وتنامي ديناميكية الشك

أثبتت سنوات ما بعد الثورة أن التونسيين بالرغم من أنهم لا ينقسمون إلى أعراق وطوائف شتى، إلا أن مرحلة الاستبداد لم تساعدهم على تقاليد العيش المشترك وتقبّل الاختلافات. ففي جينات الطبقات السياسية التونسية تتحرك ديناميكية التنافي باعتماد سرديات الاختلاف الايديولوجي الذي اكتسبته التيارات السياسية في أطوار حياتها الجامعية، خلال ثمانينات القرن الماضي.

تبقى تصنيفات “اليسار”، و”اليمين”، و”الحداثي”، و”المحافظ”، و”القديم”، و”الجديد”، تصنيفات معيارية بحاجة إلى المراجعة والتدقيق، خاصة بعد اكتشاف التونسيين في سنواتهم الأخيرة لمعاني المواطنة والتعددية والديمقراطية، وهي معاني طارئة على حياتهم السياسية، وبحاجة إلى مهلة زمنية لتوطينها واستقرارها، وتأثيرها في وعي الناس وسلوكهم.  فما هي العوامل التي تساهم في تعزيز حالة الشك بين التونسيين، واهتزاز الثقة بينهم، ولا تساعدهم على العمل المشترك وفق أهداف جامعة؟

  • تعزيز ديناميكية الشك بين السياسيين

لا يمكن الجزم بوجود ثقة جامعة للنخب السياسية التونسية قبل الثورة، لأنهم كانوا يرزخون تحت ضغط مناخات الاستبداد الخانقة. لكن من الملفت أن مزيّة الحرية لم تكن كافية لبناء الثقة، وسريان روح التفاعل بين تلك النخب. كما يبدو أنه طيلة العقد الأخير، كانت الهوّة والتناحر في ازدياد بين الأحزاب ذات الرؤى المتباينة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس17-10-2019  )، بل إنّ الصراع بينها خرج  من دائرة احتكاك الأفكار وتناظرها إلى دائرة إنتاج أشكال جديدة من “الشعبوية” التي تستند في تمدّدها وانتشارها إلى تأليب نوازع الكراهية والعدوانية بين التونسيين، وعلى توظيف  آليات الفرقة والتمييز وإثارة النعرات الجهوية والقبلية وغيرها من الأسانيد العرقية أو الجهوية أو الفئويّة.

تزداد خطورة أزمة الثقة في أوساط الطبقة السياسية حين تتزامن مع مظاهر الاحتقان السياسي الحاد، فتمثّل تهديدا للانتقال الديمقراطي، وتعطيلا لتحوّله إلى حالة دائمة يقع فيها التمكين، دون رجعة، للديمقراطية كخيار مجتمعي يتلوه الانتقال الاقتصادي بما يعنيه من تنمية وتغيير لمنوالها، واستثمار وترشيد لثروات البلاد وإمكانياتها. لكن تبرز أشد مخاطر حالات الاختلاف والتنافر في الحياة السياسية، حين تتحول إلى رافعة لبث الكراهية والحقد، عبر ما توفره وسائل إعلام من منابر تعمل على تحقيق تلك الأغراض. فهل يجوز التأكيد على أن أداء تلك المؤسسات الاعلامية وصل حدود التحريض الاعلامي ليساهم في توسيع حالة التوتر على الساحة السياسية التونسية؟

  • دور الإعلام في تذكية روح التنافر بين السياسيين

بالعودة إلى طريقة إدارة الاعلام للحوار بين الفرقاء السياسيين في الانتخابات الأخيرة، نلاحظ أن جل المنابر الإعلامية كانت تنفخ في حالة التنافر وتثير أسباب الاختلاف، لتجعل منها وقودا لتغذية الصراع بين الفرقاء السياسيين، بين أنصار “حركة النهضة” من جهة، وأنصار “حركة الشعب” و”التيار الديمقراطي” من جهة أخرى. وقد تفاقم ذلك الوضع حين اختار أنصار المنظومة القديمة وبعض قوى اليسار مساندة “التيار” و”حركة الشعب”. حيث عملت جل وسائل الإعلام على تغذية التناقض بين تلك الأطراف وجعله مستعرا بإسناده لكل ما في الماضي من أسباب الاختلاف، أو حتى اختلاقها إذا اقتضى الأمر.

ضمن تلك المناخات فقد الفرز بوصلته، ولم تعد المبررات التي انبنى عليها التناقض بين حزب “قلب تونس” و”حركة النهضة” من ناحية، ولا بين “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” مع “قلب تونس” والكتل البرلمانية التي تفرعت عن حزب “نداء تونس” من ناحية أخرى مقبولة، ولم يعد للتناقض بين تلك الأطراف نفس الوجاهة ولا المبررات التي استند عليها خلال الحملات الانتخابية. فقد استعادت ذاكرة التونسيين حالة التقارب بين “حزب النهضة” و”نداء تونس” سنة 2014 مباشرة بعد الانتخابات، بعد أن وصفها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي كتعبير على التناقض بين الطرفين بأنهما “خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإذن الله” (الباجي قايد السبسي، الصباح نيوز، 17-10-2014). وقد أثبتت التجربة حينها التقاء “النداء” و”النهضة”، ورغم أن الاختيار أحدث صدمة لأنصار الحزبين قبل المراقبين، إلا أن ذلك التقارب ساعد على إنجاح تجربة الانتقال في تونس خلاف ما عاشته التجارب العربية الشبيهة.

فهل يعيد التاريخ نفسه فيتحول التنافر بين الفرقاء السياسيين إلى نسخة معدلة للتقارب السياسي بعد انتخابات 2019؟ خاصة في ظل التفاهم، على المستوى البرلماني، بين “حركة النهضة” و”قلب تونس” والذي أفضى إلى تقاسم رئاسة البرلمان ونيابته تبعا لأوزان تلك الأحزاب وترتيبها (“هل يتقاطع مسار البرلمان وتشكيل الحكومة في تحالفات النهضة؟”، الجزيرة نت، 15-11-2019). ومع نفي الطرفين لوجود تفاهمات ترتقي إلى مستوى التحالف بينهما، فإن ما يجري من ترتيبات على مستوى تشكيل الحكومة يبقى المحدد لنوايا تلك الأحزاب وما يتبعها من خيارات بعد ذلك.

لقد جرت مشاورات تشكيل حكومة الجملي ضمن مناخات يشوبها الشك والريبة بين مختلف الفاعلين السياسيين، وقد أثبتت الأسابيع الأولى للمشاورات صعوبة توقع توافقات مع الأحزاب القريبة من نبض الثورة، فما بالك مع الأحزاب القريبة في تركيبتها وخياراتها من المنظومات القديمة (كأحزاب وشبكات مصالح مالية وإعلامية وجمعياتية).

يظهر الشكل التالي عملية التصويت من الكتل البرلمانية التونسية على حكومة الجملي والتي أسقطها البرلمان بعدد 132 صوت “ضد” مقابل 71 صوت ‘مع” وامتناع 3 برلمانيون عن التصويت.

المصدر: موقع مصدر مجلس  https://2u.pw/gY7ov
المصدر: موقع مصدر مجلس https://2u.pw/gY7ov

في تلك السياقات لم تكن جل وسائل الإعلام التونسية منشغلة بتذليل مصاعب التوافق بين الفاعلين السياسيين، بل كانت أكثر ميلا للتأثير في اتجاهات الخطاب السياسي السائد وتقاطعاته، وهو ما لم يكن ليسهل التقاء الأحزاب السياسية المختلفة على قواسم مشتركة تساعدهم على تطوير تجارب الحكم الائتلافي في تونس . فهل يتجه الإعلام لإذابة الجليد بين السياسيين ودفعهم ليكونوا أكثر قدرة على الإصغاء إلى الصعوبات المحدقة ببلادهم؟ أم أنه أكثر ميلا لتغذية ما يفرق بينهم من تباينات وشك متبادل؟

  • تشكيل الحكومة تحت قصف إعلامي كثيف

قطع مسار تشكيل الحكومة، الذي يقوده رئيس الوزراء المُكلف الحبيب الجملي، أشواطا هامة، توصّلت خلالها الأحزاب الأربعة الرئيسية المعنيّة بتشكيلها إلى توافق حول الخطوط الكبرى لبرنامجها ومنهجية عملها، في وقت يعرب فيه الرئيس التونسي عن ثقته الكبيرة في قدرة الكفاءات التونسية على معالجة الأوضاع الصعبة الذي يمر به بلدهم.

كما لاحظ النائب الصافي سعيد أن على الجملي “يُصغي بانتباه إلى شروط البعض ويتفاعل معها ضمانا لتوفّر الدعم اللازم لحكومة موسّعة ونظيفة وقوية” (الصافي سعيد، 28-11-2019). وكأن الصافي سعيد كان يستشعر أن التوافقات بين “النهضة” من جهة، وحزب “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” و”تحيا تونس” من جهة أخرى، لا تكفي لتأمين تشكيل الحكومة في ظل غياب الثقة، وفي ظل ضغط إعلامي يروّج لأسباب التنافر ويقذف بالكلمات على ألسنة المحاورين في سبيل توسعة الهوة بدل رتقها، خاصة أنّ أغلب المحللين والإعلاميين الذين يديرون الحوارات السياسية لا يخفون ولاءهم لجهات غير متحمسة لمسار تشكيل حكومة بتلك الملامح.

فقد اتهم مبروك كورشيد، ذو الميول “العروبية”، “حركة النهضة” بالسعي إلى السيطرة على الحكومة، حتى أنّه وصمها بأنها “حكومة حركة النهضة ويجب التعامل معها على هذا الأساس” (المنجي السعيداني، جريدة الشرق الأوسط، العدد 15007، الاثنين 30 ديسمبر 2019)، ذلك أن الجملي هو مرشح النهضة ولم يقع اختياره بالتوافق بين الأحزاب المخولة للمشاركة في الائتلاف الحاكم وهي حجة في نظره كافية لتعطيلها. وهذا التصريح ينسجم مع ما ذهبت إليه “حركة الشعب” و”التيار الديمقراطي” في اشتراطهما عدم إشراف شخصية من “النهضة” على تشكيل الحكومة.

وقد حمّل الناطق باسم “حركة النهضة” عماد الخميري في تصريح “للجزيرة نت” كلا من “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” مسؤولية فشل المفاوضات، والتراجع المفاجئ عن الاتفاقات المبرمة، وإهدار الوقت في التفاوض غير الجدي على حساب مصلحة الشعب والدولة. وقد نتج التعطّل في مسار التفاوض، في نظره، عن المبالغة في الاشتراطات و”رفع سقف المطالب” التي قدمتها الأحزاب المدعوة للانضمام للحكومة في ظل ضغط متزايد من المنظمات الوطنية، وقطاعات واسعة من وسائل الإعلام عبر ما تقوم به من شحن للرأي العام (أمال الهلالي، الجزيرة نت، 24 ديسمبر 2019).

ولا تعد محاولات شيطنة النهضة والسعي لعزلها أمرا عرضيا في الحياة السياسية التونسية، بل يعتبر سلوكا استمر الحزب الحاكم (واسمه الحزب الاشتراكي الدستوري زمن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبية، ليصبح التجمع الدستوري الديمقراطي زمن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) على اتباعه كسياسة اتصالية تعتمد على الوصم والتشويه مع “حركة النهضة” ومع أغلب الأحزاب المعارضة الأخرى زمن الاستبداد. لكن العجيب أن سلوك الوصم والنعت بنعوت منافية كـ”الإرهاب” و”الظلامية”، أصبح سلوك مناكفة تعتمده بعض الأطراف السياسية بعد سنة 2011، وتشترك فيها أيضا بعض وسائل الإعلام للترويج لذلك الخطاب العنيف.

وينتج عن اعتماد لغة الشتم والتخوين، العودة بذاكرة التونسيين إلى جدالات زمن الاستبداد، حيث استمر الترويج لصور نمطية، عملت وسائل الإعلام على ترويجها وتكرارها باستمرار بغرض ترسيخها في العقل الباطن لدى التونسيين؛ مقابل إغفال التعرض بموضوعية لحقيقة الصعوبات والتحديات التي تواجهها تونس داخليا وخارجيا من ناحية، ومحاولة تهميش مركزية الدور الذي ينبغي على الطبقة السياسية والحكومة القادمة لعبها من أجل التعاطي معها من ناحية أخرى.

  1. حكومة الجملي بين التحديات الداخلية والمخاطر الخارجية

من المبالغة حصر تفسير تعطل تشكيل الحكومة التونسية فقط بالمخاطر الخارجية أو بالمناكفات بين الفرقاء السياسيين وتأزيمهم للوضع الداخلي، لأنه يجدر الانتباه أيضا إلى الصراعات داخل “حزب النهضة”، سواء بين أجنحتها أو بين الأجيال المختلفة داخلها. كما يتعين فهم المخاضات التي يعيشها الحزب المرشح للحكم في الأشهر الأخيرة.

فبالرغم من حصاد النهضة لأكبر كتلة في البرلمان، ونيلها رئاسته، وحظوتها بتكليف الشخصية التي تشكل الحكومة الجديدة، إلا أن ذلك لا يداري بعض أوجه التراجع الذي تعيشه، ولا يحجب الصعوبة التي تثنيها عن ابتكار حلول ملائمة لإدارة الاختلاف وفض النزاعات التي يفرزها الكم الكبير من التكليفات التي تؤمنها قياداتها الوسطى والعليا داخل الحزب أو داخل مؤسسات الدولة.

كما أن الطرق المعتمدة في انتقاء المرشحين للمراكز القيادية لا تقوم دوما على اختيار الأكفأ في التكليف للمواقع القيادية داخلها أو داخل مؤسسات الدولة. وهو ما يثير تدريجيا حالة من عدم الرضا بين صفوفها على السياسات المتبعة في توزيع الصلاحيات واتخاذ القرارات المهمة؛ خاصة وأنّ “حركة النهضة” تعدّ الحزب الأكبر والأكثر تنظيما واستقرارا قياسا بالأحزاب الأخرى. وتطفح الاختلافات الناتجة عن تلك السياسات، بشكل خاص، في المنعطفات التي تتجدّد فيها المؤسسات بآلية الانتخابات وما تفرزه من قيادات جديدة، وما يستتبعها من تسميات في مستويات مختلفة.

فمن الطبيعي أن منهجيات الفرز للتكليف القيادي ولاختيار المسؤولين على مستوى الحزب وعلى مستوى مؤسسات الدولة، تصبح مصدرا للتبرم والغيظ الذي يعد أرضية خصبة لبروز الخلافات والنزاعات، ما لم يكن الحزب قادرا على فضها ومعالجة تداعياتها.

3-1 التحديات الداخلية ومنهج إدارة الخلافات

تعتبر الانتخابات الآلية الأهم في سد المواقع القيادية داخل الأحزاب ومختلف المنظومات والمؤسسات. وقد شهدت سنتي 2018 و2019 أكثر من محطة انتخابية بلدية (2018)، وبرلمانية ورئاسية (2019)، سمحت بفرز داخلي لمن سيكون مرشحا لأي من تلك الانتخابات. وقد فتحت تلك العمليات أبواب التنافس من أجل إعادة التموقع.

ولم تكن “حركة النهضة” في مأمن من الصراعات بين الأفراد والتيارات داخلها؛ فكان بعضها أكثر ميلا إلى التوافق مع جانب من منظومة الحكم القديمة، فيما أبدى تيارا آخر ميلا أكثر إلى القطع مع ذلك النهج والاقتراب أكثر من “الخط الثوري” في تماه مع توجه وطني عام اندرج ضمنه انتخاب الرئيس قيس سعيد بنجاح ناهز ثلاثة أرباع أصوات الناخبين (الهيئة المستقلة للانتخابات، الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، أكتوبر 2019).

يُشار إلى أن جمهور “النهضة”، الذي تراجع إلى حدوده الدنيا في الانتخابات المحلية لسنة 2018، انضوى قسم منه ضمن أطر جديدة بعضها مثّل نواة “ائتلاف الكرامة”، والبعض الآخر التحق بحزب “التيار الديمقراطي” بحثا عن العمق الاجتماعي للثورة، وشق آخر مكون من بعض القيادات انكفأ على نفسه فيما يشبه انسحابا من الحياة السياسية (مختار الدبابي، جريدة “العرب”، 6-8-2019). كانت القاعدة العريضة للخزان الانتخابي لحركة “النهضة” دوما مركز اهتمام للباحثين عن إعادة هندسة الخارطة الانتخابية في تونس، لكنها كانت أيضا مدار اهتمام بعض الغاضبين من نتائج التجربة التوافقية التي عاشتها “حركة النهضة”، إذ رأت فيها نوعا من تذويب هوية الحركة الثورية، وتحويلها إلى كيان براغماتي لم تنل اختياراته كل الرضا، بل لامست في بعض الأحيان مستويات من الفشل والخيبة، دون أن تخضع إلى عمليات تقييم وتقويم موضوعي.

وقد أظهرت حالات الاستقالة والتجميد والانسحاب الطوعي من الحركة أن الخلاف داخلها لا يدار بشكل تفضّ فيه النزاعات وتعالج علاجا ملائما. وبالرغم من أن الوضع لم يصل حدود اللاعودة، بما أن محاولات تفجير الأوضاع في النهضة والدعاية لذلك باءت جلها بالفشل، لكنه يبدو من المكابرة اعتبار “حزب النهضة”، ككيان سياسي، خال من كل ما يتهدده من عوامل الفرقة والتصدع. فالحركة تواجه أعباء الحكم، واستحقاقات تجديد نفسها ومناهج عملها، تحتاج مراجعات في بناها التنظيمية، وآليات التدرج التنظيمي داخلها، ومناهج التأهيل القيادي، ونظم التكليف وتحميل المسؤوليات وتبوأ المراكز القيادية.

إن ترتيب حركة النهضة لبيتها الداخلي وتنقية المناخات والعلاقات داخلها هي ضمانة لاستمرار دورها الوطني، خاصة مع تراجع مكانة الأحزاب الكبرى وأحجامها، وفي ذلك أيضا ضمانة لاستقرار الدولة ولآلية التناوب على الحكم فيها.

وتقتضي إدارة الحكم في هذه المرحلة اجتناب أجواء التشنّج والتجاذب والخلافات التي يعج بها الخطاب السياسي في دوائره المختلفة، بسبب التناقضات العميقة بين التيارات السياسية والفكرية المتباينة؛ حتى يتسنى التحكم في الانفعالات وتوفير مناخات تسمح بمعالجة مشاكل التونسيين الحقيقية لا أعراضها.

فلا مهرب للحكومة المقبلة من الاعتناء بمشغل الاقتراض المبرمج لتعبئة موارد   ميزانية 2020 بما يناهز 12 مليار دينار، وفق ما أكّده الخبير الاقتصادي الصادق جبنون (حنان جابلي، حفريات، 22-12-2019)، والعمل على التحكم في نزيف الاقتراض الذي يوجه للاستهلاك بدل الاستثمار، وهو اختيار يفترض وحدة الصف الوطني لمواجهته، بدلا من تبادل التهم وتحميل مسؤولية الوضع لهذا الطرف دون ذاك.

كما أن إصلاح وضع المالية العمومية، والتحكم في حجم المديونية، ومقاومة التهرب الضريبي، وإيقاف نزيف التهريب، ومحاربة ما كبر وما صغر من أشكال الفساد، كلها أولويات غير قابلة للتأجيل وتفترض إرادة قوية، وعزيمة ثابتة، وخطة لإدارتها على المستويات المختلفة، يتكامل فيها تدخل أجهزة الدولة وفق رؤية واضحة وفريق قيادة متجانس.

ولا يتسنى للحكومة الجديدة تأمين مجمل الوظائف والمهام العاجلة، وبالفاعلية اللازمة، دون أن تحظى بحزام برلماني يسهل تدخلها، ويوفر لها ما تحتاجه من تشريعات ومساندة، دون إرباك العوامل الخارجية التي تتهدد البلاد وتستنزف مواردها بطوارئ غير قابلة للتحكم والضبط.

3-2 إدارة التحديات والمخاطر الخارجية

لا تحيق بالحكومة تحديات داخلية فحسب، لأنها مدعوة إلى حكمة التفاعل مع المحيط الخارجي، خاصة في الجوار، حيث تعيش الجزائر مخاضا عسيرا للتحول بضغط مضاعف من الشارع، وبتفاعل حذر من قبل مؤسسات الحكم والعسكر. ولعل الانتخابات الرئاسية الأخيرة مثلت فرصة لصياغة حل وسط بين القوى التي تتبنى التغيير الشامل، وتلك التي تقاومه وتخشاه حين يكون جذريا.

أما حالة الصراع المحتدم في ليبيا، بما فيه من حضور إقليمي ودولي متشابك ومؤثر، فإنه يكاد يسحب إدارة الحل من بين أيدي الليبيين، بتقوية التدخل الخارجي وفسح مجالات فعله عبر جسور تمثلها أطراف ليبية، تراهن على الحسم العسكري، وعلى مقايضة أمن الليبيين بالتخلي على سيادتهم واستنزاف ثرواتهم.

وبعد أشهر من إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، علّق التونسيون عليها أمال التغيير والخروج من الحصيلة السلبية لحصاد السنوات الماضية. لكن مشاورات تشكيل الحكومة التي تمططت، وغلبت عليها كما أسلفنا مناخات المناكفة السياسية، أفضت إلى فشل حكومة الحبيب الجملي في نيل ثقة أغلبية نواب الشعب. وهو ما جعل الطبقة السياسية بكل مكوناتها في موضع الاتهام الشعبي، نظرا لانشغالها باختلافاتها المزاجية، وتغليب ذلك على استحقاقات ذات أولوية قصوى. ولا مهرب في هذه السياقات من تدخل رئيس الجمهورية قيس سعيد، وفق مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 89، لتعيين الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة، والتي يفترض أن تستفيد من المكانة الاعتبارية للرئيس، في إدارة الحوار بين المكونات الرئيسية للمشهد السياسي.

يُدعى الفرقاء السياسيون في تونس إلى ضرورة التوصل إلى توافق للمصادقة على الحكومة القادمة، من أجل تفادي حل البرلمان، والالتجاء لانتخابات تشريعية مبكرة، لا تكون إمكانية التجديد فيها متاحة لأغلبهم إذا ما أعيدت الانتخابات ، علاوة على ما يترتب على تلك الإعادة من محاذير لها علاقة بحفظ أمن البلاد، وضرورة الإسراع لمعالجة الأوضاع الاقتصادية، التي لا تزداد تحت إشراف حكومة تصريف الأعمال إلا تراجعا وتدهورا. وهو ما يجعل النجاح في إدارة مشاورات تشكيل الحكومة القادمة يندرج ضمن الأولويات الوطنية التي يفترض أن تكون موضع إجماع.

قائمة المراجع:

  1. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس المشهد السياسي في ضوء نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، 17-10-2019، الرابط: https://2u.pw/MeyVV تم التصفح بتاريخ 8-12-2019.
  2. عبد اللطيف “الحناشي، المشهد السياسي التونسي على وقع الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها”، 25-8-2019، الرابط: https://2u.pw/2GYiD، تم التصفح بتاريخ : 24-12-2019.
  3. التقى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس حركة نداء تونس الباجي قابد السبسي في العاصمة باريس يوم 15 أوت 2013 من أجل وضع أسس التوافق بين حزبيهما وهو ما سيؤسس للتعايش والحكم المشترك في العهدة 2014-2019.
  4. “هل يتقاطع مسار البرلمان وتشكيل الحكومة في تحالفات النهضة؟”، الجزيرة نت، 15-11-2019، الرابط: https://2u.pw/Np3ys تاريخ التصفح: 24-12-2019.
  5. تقرير إخباري مسار تشكيل الحكومة التونسية الجديدة يقترب من الحسم، news.cn، 2019-12-22 02، الرابط: https://2u.pw/fiG5l، تاريخ التصفح 24-12-2019
  6. الصافي سعيد، “الحبيب الجملي مصرّ على تكوين حكومة موسّعة ونظيفة وقوية بعيدا عن الجهات المشبوهة”، Tunivisions، 28-11-2019، الرابط: https://2u.pw/mt5ju تاريخ التصفح : 09-12-2019.
  7. المنجي السعيداني، “جدل في تونس حول الأسباب الحقيقية لتعثر تشكيل الحكومة”، جريدة الشرق الأوسط، العدد 15007، الاثنين 30 ديسمبر 2019، الرابط: https://2u.pw/Y6Ogi تاريخ التصفح: 3 جانفي 2020.

8.      أمال الهلالي، “بعد فشل مفاوضات الجملي مع الأحزاب.. تونس تتجه إلى حكومة كفاءات مستقلة”، الجزيرة نت، 24 ديسمبر 2019، الرابط: https://2u.pw/kAraq التصفح:   3-1-2020

9.      رؤوف بالي، “الغنوشي: هناك أطراف تعمل على تعزيز الكراهية والحقد والاستثمار في الدم”، جريدة الشروق، 27-10-2018، الرابط: https://2u.pw/Xjirc التصفح: 3-1-2020.

10.     مختار الدبابي، الانتخابات الرئاسية في تونس تشعل صراع الأجنحة داخل النهضة، جريدة “العرب”، 6-8-2019، الرابط: https://2u.pw/NijJU التصفح بتاريخ:  03-01-2019.

  1. حنان جابلي، “تونس 2020: انتهاء أزمات أم عودة احتجاجات؟”، حفريات، 22-12-2019، الرابط: https://2u.pw/K3hUf
  2. وكالة تونس افريقيا للأنباء، “تونس.. الحزب الدستوري يطلب جلسة برلمانية لمناقشة زيارة أردوغان”، الخميس 26 ديسمبر 2019، الرابط: https://2u.pw/W4NRK ، تم التصفح بتاريخ : 4-1-2020.
  3. اسماعيل عزام، “بعد تدخل لأردوغان أين تقف الدول المغاربية من الأزمة الليبية؟”، DW عربية، 3 جانفي 2020، الرابط: https://2u.pw/5cGCR التصفح بتاريخ 4-1-2020.

14.    DW عربية، “تدخل تركيا عسكريا: حسابات الربح والخسارة”، 3 جانفي 2020، الرابط:   https://2u.pw/x3FgM، تاريخ التصفح 4-1-2020.

 

د. منجي مبروكي

أستاذ الإعلام والاتصال - جامعة قرطاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى