تغير التدخل الدولي في ليبيا: الانتقال من التماسك إلى التنافس

د. خيري عمر

مستشار منتدى السياسات

اقرأ في هذا المقال

  • تجربة الحوار الوطني كانت مخيبة لآمال بناء الدولة وتحقيق الانتقال السياسي، فهي من جهة ترافقت مع حالة استقطاب وصراع مسلح، لم تترك فرصة لاستمرار المؤسسات الدستورية، ومن جهة أخرى، ساهم التدخل الانتقائي للبعثة الدولية في تعميق الانقسام بين الأطراف الليبية

تثير تجربة التدخل الدولي في ليبيا عبر الأمم المتحدة، الجدل حول مدى قدرة المجتمع الدولي على تقديم تجارب ناجحة تحقق الاستقرار السياسي والانتقال الديمقراطي وهنا؛ تأتي أهمية تناول سلوك المنظمة الدولية وآثاره السياسية منذ اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، ووفق إعلانات الدعوة لحماية المدنيين من نظام ّمعمر القذافي” والتوجهات الدولية اللاحقة، فإن سياسات بناء النظام البديل وتحقيق السلم تعتبر اساس تقييم تجربة التدخل الجماعي.

وتشير أدبيات التدخل الدولي إلى أن المسألة الأساسية تتعلق بالتوسع في الاستثناء الدولي، حيث كان الأصل العام في العلاقات الدولية هو عدم التدخل في شؤون الدول، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، فيما أن السياسات الدولية صارت تميل نحو فكرة الحق في التدخل تحت دعاوى حفظ السلم والأمن الدوليين من خلال التدابير الوقائية لغرض حل أو تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية.

وفي هذا السياق، ظهر مفهوم “مسؤولية الحماية” كتطوير لـ”التدخل الإنساني”، وذلك بغرض حماية المدنيين في حالة فقدان الحكومة للسلطة، وفيما يتعلق بالوضع في ليبيا؛ تلاقت إرادة عدد من الدول على أن استهداف الحكومة الليبية للمدنيين يضعها تحت مبدأ “مسؤولية الحماية” بسبب القتل الجماعي والجرائم ضد الإنسانية، وهناك جانب أخر، يتمثل في أن حق التدخل يكون لمساعدة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها، والاستفادة من التعاون بين الدول والترتيبات الإقليمية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، وهنا، استندت الأمم المتحدة لدعوة الجامعة العربية ومندوب ليبيا للتدخل ووقف النشاط العسكري للحكومة الليبية.

وقد مرت سياسات الأمم المتحدة بمرحلتين، كانت المرحلة الأولى متمثلة في التدخل العسكري (حلف الأطلسي) وفرض عقوبات واسعة على الحكومة الليبيبة وحصارها دولياً، حيث قامت سياسات الأمم المتحدة على التوسع في العقوبات والعمليات العسكرية حتى سقوط “معمر القذافي”، وقد غلب على هذه المرحلة نوع من إنفراد الدول الكبرى بتقرير مدى ونوعية العمليات العسكرية. أما المرحلة الثانية، فقد اتسمت بوضع ليبيا تحت المفهوم الواسع للتدخل، بحيث يمتد دورها لمتابعة ورعاية بناء النظام السياسي الجديد، فالتدخل هنا يهدف لدعم المرحلة الانتقالية ودعم العملية السياسية، ولهذ الغرض، شكل مجلس الأمن “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا”، لتكون الإطار السياسي لمتابعة الدور الدولي في بناء النظام السياسي الليبي وفق أدوات غير عسكرية.

وقد اتسمت المرحلة الثانية بغياب تصور لبناء نموذج للانتقال السياسي، حيث تراجع اهتمام الأمم المتحدة بالسلم والأمن في ليبيا، بصورة تصاعدت فيها الفوضى، وسار الاهتمام الدولي وراء العديد من القضايا والنزاعات الداخلية، حيث ظهرت قضايا مكافحة الإرهاب وجمع السلاح ورعاية الحوار الوطني، وكان من الملاحظ، عدم حدوث تقدم في أي من هذه الملفات؛ لدرجة يمكن القول معها أن تصدي المنظمة الدولية للعديد من القضايا الداخلية في ليبيا، كان عاملاً سلبياً على الاستقرار السياسي، ليس فقط باعتبار خفة أو كثافة العامل الدولي، ولكن لتعامل المجتمع الدولي انتقائياً مع الجهات الليبية عبر تصنيف بعض المجموعات كمنظمات إرهابية.

ونشير أن تجربة الحوار الوطني كانت مخيبة لآمال بناء الدولة وتحقيق الانتقال السياسي، فهي من جهة ترافقت مع حالة استقطاب وصراع مسلح، لم تترك فرصة لاستمرار المؤسسات الدستورية، ومن جهة أخرى، ساهم التدخل الانتقائي للبعثة الدولية في تعميق الانقسام بين الأطراف الليبية، وهنا تبدو الملاحظة الأساسية حول دور الأمم المتحدة، في أنها تطرح رؤيتها للحل السياسي دون وضوح أفق للاستقرار الدستوري أو وضوح سياسات تكوين المؤسسات.

وفي ظل هذا النمط من التدخل، تحولت المسألة الليبية لأزمة سياسية، أدت لطول الفترة الانتقالية وتفكك سلطات الدولة، كما ساهت التناقضات الإقليمية ( مجموعة جوار ليبيا) وتعدد المؤتمرات الدولية الأخرى في تشتت العملية السياسية في ليبيا وخلق بيئة صراعية وتنافسية بين العديد من الدول، حيث عملت على تعزيز الاستقطاب وخرق حظر السلاح؛ بحيث صار التراخي في تطبيق قرارات الأمم المتحدة من الملامح الأساسية، وفيما تزايد الاهتمام بمكافحة الإرهاب تراجع الاهتمام بسياسات دعم المؤسسات والاقتصاد وحماية الثروة النفطية.

وبشكل عام، يشير توجه القرارات الدولية، منذ اندلاع ثورة فبراير، إلى تعميق التدخل الدولي ووضع ليبيا تحت الإشراف المستمر، فقد عكست قرارات مجلس الأمن نوعاً من الوصاية على الحكومات الليبية، غير أن قرارات مجلس الأمن لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ، خصوصاً ما يتعلق بتأكيد مشروعية الحكومة المعترف بها دولياً، ونزع الصفة القانونية عن الجهات الموازية واعتبارها متمردة، ما يمثل نوعاً من التراخي الدولي مع مسألة تهدد السلم والأمن، وخصوصاً بعد اندلاع الصراع حول العاصمة، وعدم قدرة مجلس الأمن على إصدار قرار لوقف الحرب أو تنفيذ قراراته السابقة.

و في هذا السياق، يكون التقييم للتدخل الدولي من وجهة القدرة على الانتقال من الفوضى للاستقرار، وبهذا المعنى يمكن القول، أن تفاقم الأزمة الليبية، يمثل في أحد جوانبه اختلاف المصالح الدولية والإقليمية، تشير خبرة التدخل الدولي في ليبيا إلى أن ظهور الأزمة السياسية في ليبيا يرتبط  لوجود تناقضات بين الفاعلين الدوليين، بشكل أدى لظهور صراعات معقدة أطاحت بفكرة الأمن الجماعي، وبهذا المعنى، لا يكشف انتقال التدخل الدولي من العمليات العسكرية لبناء المؤسسات عن حالة نجاح يعتد بها، بقدر ما ترتب عليها أزمة عميقة تكاد تطيح بالاستقرار السياسي في ليبيا والبحر المتوسط.

للإطلاع على الدراسة كاملة يمكنكم تحميل ملف pdf في الأعلى

د. خيري عمر

مستشار منتدى السياسات
زر الذهاب إلى الأعلى