برامج التّدريب العسكريّة الأميركيّة وأثرها على دور العسكريين في السّياسة العربية

محمد المؤدب

أمير لواء متقاعد- تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • لبرامج التكوين الأمريكيّة تأثير بالغ في سياسة الأنظمة العربيّة العسكريّة أو تلك المُنْبَثِقة عن المؤسّسة العسكريّة، وهذا أمر بديهي بحُكْم تولّي القادة العسكريّون السلطة السياسيّة بأنفسهم، إذْ لا يؤثّرون في سياسة الدولة فقط، بل يهندسونها بأنفسهم ويمارسونها كاملة

 

تسعى الجيوش  للرفع من قدراتها العملياتية، عبر الاستفادة ممّا توصّلت إليه جيوش الدّول التي تتقدّمها في ميادين العلوم والتصنيع والتجارب الحربيّة. ويتمّ ذلك من خلال اكتساب العلوم العسكرية بمختلف اختصاصاتها ومستوياتها في مدارس التكوين التابعة لتلك البلدان المتقدّمة من ناحية، والمشَارَكة في مختلف الأنشطة كالزيارات والمنتديات والتدريبات العسكريّة المشتركة، ثنائيّة كانت أو متعدّدة الأطراف من ناحية أخرى.

ولا تشذّ جيوش الدّول العربيّة عن هذا السياق، ففي إطار التعاون العسكري مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، تسعى تلك الجيوش إلى استغلال الفرص المتاحة بغية تكوين إطاراتها العسكريّة وتدريب وحداتها، وذلك لما توفّره برامج التكوين والتدريب ومختلف الأنشطة العسكريّة الأمريكيّة من فرص وهي، كما سنُبَيِّنُه لاحقا، متعدّدة ومتنوّعة من حيث المستوى والمضمون، إذْ تشمل أغلب المستويات والاختصاصات العسكريّة، ما يفتح المجال أمام أعداد غير هينة من ضبّاط الجيوش العربيّة متابعة ما يتاح من دورات.

من جهتها، لا تدّخر الولايات المتّحدة الأمريكيّة جهدا ولا موارد ماليّة لجذب أكبر شريحة من النخبة العسكريّة للدّول التي تعتبرها صديقة للاستفادة من برامجها التكوينيّة، سعيا منها لاستقطاب تلك النخبة باعتبارها القيادة المستقبلية لتلك البلدان. ونظرا للأعداد الهامّة من الضبّاط العرب الذين تلقّوا تكوينا، خلال العقود الماضية، ضمن برامج التّكوين الأمريكيّة من جهة، ونظرا للبَوْنِ الشّاسع بين واقع كلٍّ من تلك البلدان العربيّة من جهة وواقع الولايات المتّحدة الأمريكيّة كأكبر قوّة عظمى في العالم تقوده منذ أكثر من قرن في جلّ الميادين؛ فمن الطبيعي التساؤل عن انْعِكاس وأَثَرِ ذلك التّكوين على دور أولئك الضُبّاط القادة العرب في المشهد السّياسي. وللإجابة على هذا التساؤل، سيتمّ التعريف بتلك البرامج والتوقّف على ماهيّتها وأهمّيّتها مع التركيز على تأثير ذلك على الضباط والقادة العسكريين من الدرجة الأولى.

برامج التكوين[1] والتدريب[2] العسكريّة الأمريكيّة المفتوحة للجيوش العربيّة

يمكن تبويب برامج التكوين والتدريب إلى ثلاثة مستويات:

  • المستوى القاعدي:يشمل التكوين الأساسي للضبّاط في الأكاديميات، ودورات التخصّص وتكوين آمري الوحدات الصغرى.
  • المستوى المتوسّط: يُعْنَى بتكوين آمري الوحدات المتوسّطةوما يعادلها من الدوائر التقنيّة والإداريّة وضباط أركانها والضبّاط المكلّفين بالمهامّ التنفيذيّة.
  • التكوين العسكري العالي: خلافا للتكوين في المستويين القاعدي والمتوسّط، والذي يغلب عليه الجانب التقنيّ والتنفيذي، يرمي التكوين العسكري العالي إلى تطوير قدرات الضبّاط والقادة السّاميين على التّفكير الاستراتيجي والتخطيط وإدارة الأزمات والحروب، وتأهيلهم لقيادة الوحدات الكبرى وإدارة المهام في المستويات القياديّة العليا، وكذلك تأهيل عدد من الإطارات المدنيّة السّامية التابعة للمؤسّسات الحكوميّة ذات العلاقة بمجالات الأمن والدّفاع.

توفّر الولايات المتّحدة الأمريكيّة للعسكريّين الأجانب العديد من فرص التكوين في مؤسّساتها بمقابل للدولالقادرة على الدّفع في إطار برنامج “المبيعات العسكريّة الأجنبيّة” (FMS) [3]، ومجانا على شكل مساعدات يموّلها “البرنامج العالمي للتكوين والتدريب العسكري” (IMET) [4] للدّول متوسّطة وضعيفة الدّخل. ولا تقتصر الأهداف المعلنة “للبرنامج العالمي للتكوين والتدريب العسكري الأمريكي” على تنمية القدرات اللغويّة والمعرفيّة وتطوير المهارات التطبيقيّة العسكريّة للمستهدفين فحسب، بل تشمل ترسيخا لمفاهيم ومبادئ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان ودور القوّات المسلّحة فيها، كما تحرص إدارات التدريب على غمسهم بالنّمط الحضاري الأمريكي.

يأتي ذلك في سياق تعويل السلطات الأمريكيّة على تلك النخبة في المساعدة على تطوير العلاقات العسكريّة والسياسيّة مع بلدانهم لاحقا، وخدمة المصالح المشتركة والمساهمة في نشر السّلم والأمن والاستقرار، في الوقت الذي يزيد عدد الدول المنخرطة في تلك البرامج عن 120 دولة “صديقة” أو حليفة من مختلف أصقاع العالم سنويا، وتشمل عددا من الدول العربيّة. كما أطلقت السلطات الأمريكيّة إثر هجمات 11 سبتمبر 2001 “برنامج مِنَح الدّراسات حول مقاومة الإرهاب” (CTFP) [5]، لتمويل أنشطة “معهد الشؤون الأمنيّة الدوليّة” التابع “لجامعة الدفاع الوطني” والمتعلّقة أساسا بمحاربة الارهاب.

يجدر الإشارة إلى تبلور النقاش في هذه الورقة على التكوين العسكري العالي الذي يشمل الضبّاط السّامين والقادة، نظرا لمكانتهم في أعلى هرم تركيبة الجيش والتي تؤهلهم للعب دور ما في سياسة البلاد.

تعتبر المؤسّسات التاليّة أهمّ مؤسّسات التكوين العسكري العالي الأمريكي المتاحة للدول العربية والمُمَوَّلة في إطار برنامجي (IMET) و (FMS):

1.جامعة الدفاع الوطني: (NDU) [6]: تحتضن هذه الجامعة، التي بُعِثَت سنة 1976، عددا هامّا من مؤسّسات التعليم العسكري العالي والمعاهد ومراكز الدراسات والبحوث التي ينخرط فيها الضبّاط السّامين والقادة والإطارات السامية المدنيّة التابعة لمؤسّسات رسميّة عربية ذات علاقة بمسائل الأمن والدّفاع. وتضم “جامعة الدفاع الوطني” الأمريكيّة المؤسّسات التاليّة:

  • مدرسة (إيزنهاور) للأمن القومي والموارد الاستراتيجيّة (ESNSRS) [7].
  • معهد الشؤون الأمنيّة الدّوليّة (ISAC) [8].
  • المدرسة الحربيّة الوطنيّة (NWC) [9].
  • معهد أركان القوّات المشتركة [10] (JFSC).
  • معهد العلوم المعلوماتيّة والفضاء السيبراني[11] (CIC).

توفّر تلك المعاهد فرصا تعليمية وبحثية طيلة سنة جامعيّة، كما تمنح شهادة الماجستير لمنتسبيها في الوقت الذي تهدف وزارتا الخارجيّة والدّفاع الأمريكيّة من خلال ذلك إلى تنشيط التفكير الاستراتيجي حول الأمن القومي الأمريكي.

تحتوي هذه الجامعة أيضا على مراكز الدراسات الجهويّة التاليّة:

  • مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا (NESA)[12].
  • مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجيّة[13] (ACSS).
  • مركز دراسات الدفاع للنّصف الغربي من الكرة الأرضيّة[14] (HDSC).

تُنظِّم هذه المراكز أنشطة مختلفة المضمون لفترات متفاوتة الأهميّة كالمحاضرات والندوات التي قد تمتدّ لأسابيع، والتي تتركز حول مسائل مختلفة مرتبطة بالمناطق المستهدفة. وتشترك تلك المراكز في تنظيم فعاليات مع مؤسّسات مماثلة في الدّول العربيّة، على غرار مشاركة “مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا” في تنظيم حلقة نقاش سنوية مع “معهد الدّفاع الوطني” في تونس.

  1. المدارس الحربيّة العليا التابعة لكلّ من جيوش البرّ والطيران والبحر والمارينز[15] (WC).
  2. مدارس القيادة والأركان العامّة لكلّ من جيوش البرّ والطيران والبحر والمارينز (CGSC) [16] والتي تهدف إلى إعداد آمري وضبّاط أركان التشكيلات والقيادات المتوسّطة والكبرى.

دائما ما يتم استحضار أنشطة متفرّقة في سياق تكوين الإطارات العسكريّة العليا، وتجدر الإشارة هنا إلى العديد من هذه الأنشطة الثنائيّة والمتعدّدة الأطراف، والتي تساهم في تكوين القيادات العسكريّة العربيّة. ومنها على سبيل المثال؛ مشاركة ضبّاط بصفة ملاحظين في مناورات أمريكيّة أو متعدّدة الأطراف تقوم  الولايات المتّحدة بتنظيمها في مختلف أنحاء منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى مشاركة ضبّاط أركان وقوّات في تمارين تدريبيّة أو مناورات مشتركة تُنَظَّمُ في إحدى دول المنطقة، على غرار مناورات “النجم الساطع” الأمريكيّة-المصريّة،  والأمريكيّة-المغربيّة “الأسد الإفريقي”.

ويبلغ احتكاك قادة وكبار ضبّاط بعض الجيوش العربيّة بالجيش الأمريكي أعلى درجاته عند الانخراط بتحالفات وحروب تقودها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، كحرب العراق (1990-1991) والتحالف الغربي ضدّ داعش في سوريا والعراق (2014-2017)، وتساهم تلك المشاركات الميدانيّة في التكوين العام للعسكريين المشاركين فيها.

توفّر البرامج آنفة الذكر إطارا يشارك ضمنه الضبّاط القادة والسّامون العرب في محاضرات ونقاشات مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يساهم أولئك الضباط في إنجاز دراسات حول مسائل الأمن والدّفاع في مختلف مناطق الاهتمام في العالم في سياق السعي إلى تطوير قدراتهم على التفكير الاستراتيجي، وتصوّر السّياسات والاستراتيجيّات الكفيلة بتحقيق المصالح الوطنيّة الحيويّة، وإدارة الأزمات، والتخطيط للحروب مع التدرّب على آليّات إدارتها.

يتمّ ذلك كله في الأوساط السياسية والاجتماعية الأمريكية التي لا تغيب جوانب التثقيف الحضاري والقِيَمي والسياسي عن برامجها، وبالتالي تؤثر على كافة المتدربين لديها إذ تتبَلْور عندهم قناعات ومواقف قريبة من السّياسات والرؤى الأمريكيّة إن لم تكن متطابقة تماما معها. وليس من الغريب أن يكون ذلك من الأهداف الأمريكيّة الرئيسيّة من وراء توفير فرص المشاركة في تلك البرامج والأنشطة وتمويلها. ونظرا لأهمّية مكانة الضباط المشاركين في تلك البرامج على رأس المؤسّسة العسكريّة لدولهم، تسعى السلطات الأمريكيّة إلى أن يكون لهم أثرا ما في سياسة دولهم، ومردودا إيجابياّ لذلك على مصالحها.

أثر برامج التكوين والتدريب العسكريّة الأمريكيّة على دور العسكريين في السياسة العربية

قبل التطرق إلى صلب الموضوع، لا بدّ من التأكيد على الدّور الهامّ للقادة العسكريّين في تحديد السياسة الدّفاعيّة لبلادهم، والتي تتناغم عادة مع السّياسة الدّفاعيّة للدّولة من ناحية، ومع سياستها العامّة وخاصّة الخارجيّة منها من ناحية أخرى. وبالتالي يصبح من الممكن أن تتأثّر السياسة الخارجيّة في مجال الدّفاع بقناعات الضبّاط القادة الذين خضعوا لبرامج التكوين والتدريب العسكري العالي.

من جهة أخرى، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ اختلاف الواقع السياسي للبلدان العربيّة من حيث طبيعة أنظمتها السياسيّة وعلاقة كلّ منها بالمؤسسة العسكريّة. لذلك، يقود التعميم والنّظر لمجموع البلدان العربيّة على أنّها كلّ متجانس، يمكن إخضاعه لنفس التحليل، ثمّ سَحْب نفس الاستنتاجات على كلّ منها إلى الخلل.  وبما أنّ المجال لا يتّسع للتطرّق لكلّ حالة على حدة، سيتمّ فيما يلي تبسيط المقاربة شيئا ما من خلال تقسيم الدّول العربيّة إلى مجموعتين على أساس التشابه في العلاقة بين المؤسّسة العسكريّة والقرار السياسي منذ فترة الاستقلال.

ولا ينسحِب هذا النقاش إلاّ على الدّول التي ربطتها علاقات تعاون عسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك سيتم استثناء الدّول التي ربطتها علاقات عسكرية مع الإتّحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية دون أن تجمعها علاقات عسكريّة تذكر مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة؛ وهي سوريا والعراق والجزائر وليبيا.

  • المجموعة الأولى: تضمّ الأنظمة العسكريّة أو المدنيّة المنبثقة عن المؤسّسة العسكريّة؛ مصر، السودان، اليمن، الصّومال (إلى انهيار الدولة في بداية التسعينات) وموريتانيا.
  • المجموعة الثانية: وتضمّ الدّول ذات الأنظمة المدنيّة؛ تونس، المملكة المغربيّة، لبنان، البحرين، دولة الكويت، قطر، المملكة العربيّة السعوديّة، الإمارات العربيّة المتّحدة، عُمَان، الأردن، جيبوتي وجزُر القمر.

ولا يسمح الوضع الخاصّ لفلسطين بإدراجها في أيّ من المجموعتين. أما بالنسبة لتونس (1987 – 2011)، فبالرغم من الخلفيّة العسكريّة لشخص الرئيس بن علي، إلا أنه لم يكن للمؤسّسة العسكريّة أيّ دور سياسي يذكر طيلة تلك الفترة، وبذلك حافظت الدّولة على طابعها المدني.

أولا، الدّول ذات الأنظمة العسكريّة أو المدنيّة المُنْبثِقة عن المؤسّسة العسكريّة:

تتولّى المؤسّسة العسكريّة في هذه الأنظمة القيادة السياسيّة للبلاد، وبذلك يكون دورها في السياسة جليا وغير مرتبط بمتابعة كبار ضبّاطها دورات برامج التكوين العسكري العالي الأمريكي من عدمها. فأثر تلك النخبة العسكرية في السّياسة ظاهر وكامل، إذ تتولى رسم سياسات الدولة وتنفيذها. وحتّى في حالة الأنظمة “شبه العسكريّة” أي المنبثقة عن الجيش أو التي تستمدّ مشروعيّتها منه، تؤثّر القيادات العسكريّة ولو بصفة خفيّة، لكن نافذة، في رسم السياسات الكبرى للدّولة وخاصّة المتعلّقة منها بالدفاع والأمن. وتجسّد الحالات المصريّة والسودانيّة وكذلك اليمنيّة، بصفة لا لبس فيها، تأثير الجيش في السّياسة، وقد برز ذلك جليا بعد تطوّر أحداث ما يعرف “بالربيع العربي” وما تبعها.

تجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أنّ تصرّف الأنظمة العسكريّة وتأثير قياداتها العسكريّة في السياسة، لا يختلف باختلاف التوجّهات الكبرى للدولة، فالضباط وإن خضعوا، أو إن لم يخضعوا لبرامج التكوين العالي العسكري في الولايات المتّحدة الأمريكيّة أو الاتّحاد السوفياتي أو روسيا الاتحادية، فلهم كلّ الأثر في الحياة السّياسة وفقا للطبيعة العسكريّة للنظام.

ثانيا، الدّول ذات الأنظمة المدنيّة:

تخضع المؤسّسة العسكريّة في هذه الأنظمة إلى السّلطة المدنيّة، في ظل الإبقاء على النخبة العسكريّة خارج الحياة السياسيّة، وبذلك تكون مسألة أثر التكوين العسكري العالي للقيادة العسكريّة في السّياسة العامّة للبلاد غير مطروحة. ولا ينفي ذلك دورهم الرئيسي في تحديد الخيارات الكبرى للدّولة في مجالات الدّفاع والأمن، ويرجع ذلك إلى التقاطع الطبيعي للسّياسي بالعسكري-التّقني.

ويتمثّل ذلك الدّور بالتحديد في مساعدة القيادة السياسيّة صياغة توجهاتها بخصوص:

– السياسة الدّفاعيّة للبلاد، ومنها العلاقات والتحالفات العسكريّة والتوجّهات الاستراتيجيّة الكبرى لتحقيق الأمن.

– نمط وحجم القوّات العسكريّة الواجب بناؤها، وضبط الأولويّات الكبرى لتحقيقها.

– خيارات اقتناء منظومات الأسلحة، والتّوجّهات الوطنيّة في مجالات التصنيع العسكري.

وضمن هذا المستوى الاستراتيجي بالتحديد يلتقي السياسي بالعسكري، وفي تلك الحدود وجب البحث عن أثر برامج التكوين والتدريب العالي العسكري الأمريكي على دور العسكرييّن في سياسات الدّول العربيّة. في الواقع، نلاحظ أنّ الخيارات العربيّة الاستراتيجيّة والعسكريّة في غالبيّتها، وإن تفاوتت، تتماشى مع السّياسات الأمنيّة الأمريكيّة في المنطقة العربيّة.

ويتجلّى ذلك في منظومة الدّفاع لمجلس التعاون الخليجي و”التحالفات الخليجيّة- الأمريكيّة” ضدّ العراق منذ 1990 وفي مواقفها من إيران منذ 1978، أبان الثورة الايرانيّة. أمّا بالنسبة للخيارات الأخرى في مستوى تسلّح وتنظيم الجيوش العربيّة وتكوين عناصرها وتدريبها، فتتطابق أغلبها مع الخيارات والمناهج الأمريكيّة. وهذا ليس بالغريب، أوّلا لأنّ تلك الخيارات وليدة السياسة الدّفاعيّة والتي سبق وأن بيّنا أنّها أمريكيّة التوجّه، والسياسة الدّفاعيّة وليدة السياسة العامّة لتلك الدّول، وهي متناغمة أيضا مع السّياسة الأمريكيّة إن لم تكن محكومة بها إلى حدٍّ كبير.

وبما أنّه من البديهي أن يكون للتّكوين أثر هامّ على خيارات الفرد أيّا كان، فلا غرابة أن يكون للتكوين العسكري العالي الأمريكي الأثر المباشر والبالغ على التوجّهات والخيارات الاستراتيجيّة والعسكريّة لكبار ضبّاط قيادات جيوش الدّول العربيّة عامّة. إلاّ أنّ ذلك التأثير لا يتعدّى حدود مجالات اختصاص العسكرييّن المشار إليها أعلاه.  ونجد ذلك الأثر بوضوح في تسليح أغلب جيوش الدّول العربيّة بمنظومات من إنتاج أمريكي؛ كالأسلحة الفرديّة وناقلات الجند والدبّابات والمدفعيّة ومنظومات القيادة والسّيطرة والطائرات والقطع البحريّة ومنظومات الدفاع الجوّي وغيرها.

في الخلاصة، يتبيّن من خلال ما تقدّم أنّ لبرامج التكوين الأمريكيّة تأثير بالغ في سياسة الأنظمة العربيّة العسكريّة أو تلك المُنْبَثِقة عن المؤسّسة العسكريّة، وهذا أمر بديهي بحُكْم تولّي القادة العسكريّون السلطة السياسيّة بأنفسهم، إذْ لا يؤثّرون في سياسة الدولة فقط، بل يهندسونها بأنفسهم ويمارسونها كاملة. أمّا في الأنظمة العربيّة المدنيّة، فأثر القيادات العسكريّة وبالتالي أثر برامج تكوينهم في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في السياسة، وإن كان فعّالا، يبقى في حدود الخيارات الاستراتيجيّة الكبرى. ويبقى التأثير مباشرا ومؤثّرا عند ارتباطه بتنظيم القوّات وتسليحها وتدريبها في مختلف المجالات العسكريّة-التقنيّة. وفي النهاية، لابدّ من الإشارة إلى أنّ ما سبق استنتاجه ينطبق على الدّول العربيّة بشكل متفاوت، حسب نظام كلّ دولة وواقعها الجَغْرَسِيَاسي والحقبة التاريخيّة المُعْتَبَرة.


[1]. التكوين: يتمّ في المدارس ومراكز التكوين المتخصّصة من حيث المستوى ومجال الاختصاص، ويُركّز على تكوين الفرد الواحد ليكْتسِب المعارف النظريّة ويَحْذِق المهارات التطبيقيّة التي تؤهّله لأداء مهمّة معيّنة. وعادة ما تُخْتَتم فترة التكوين بإسناد شهادة لكلّ ناجح في الامتحانات التقييميّة وهي أيضا فرديّة. ومن مدارس التكوين المعتمدة لدى أغلب الجيوش في العالم، أكاديميّات التكوين الأساسي للضباط ومدارس الأركان والمدارس الحربيّة ومدارس تكوين ضبّاط الصفّ والجنود وكذلك مدارس ومراكز التخصّص في مختلف الدّرجات.

[2]. التّدريب: خلافا للتكوين، يتمّ التّدريب عادة في الميدان خارج أقسام الدراسة، ويهدف إلى تدريب مجموعات وطواقم منظومات الأسلحة والتشكيلات القتاليّة بكلّ مستوياتها الصغرى والمتوسّطة، وصولا إلى المناورات الكبرى التي تشارك فيها وحدات وقوّات من مختلف الجيوش. ويهدف التدريب إلى بلوغ تلك التّشكيلات أعلى درجة عمليّاتيّة، بتكامل وتفاعل بين مكوّناتها لأداء المهمّة العمليّاتيّة المُكلّفَة بها. ففي حين يهدف التكوين لرفع مستوى المقاتل، يهتمّ التدريب بالمجموعات، خلايا وتشكيلات ووحدات من مختلف المستويات.

[3] Foreign Military Sales Program;

[4] International Military Education and Training Program;

[5] Counter Terrorism Fellowship Program;

[6] National Defense University.

[7] Eisenhower School for National Security and Resource Strategy;

[8] International Security Affairs College ;

[9] National War College :

[10] Joint Forces Staff College ;

[11] College of Information and Cyberspace;

[12] Near East South Asia Center;

[13] Africa Strategic Studies Center ;

[14] Hemispheric Defense Studies

[15] War College ;

[16] Command and General Staff Command.

محمد المؤدب

أمير لواء متقاعد- تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى