الصراع على الطاقة في شرق المتوسِّط بين الاقتصادي والسياسي

بلال سلايمة

باحث دكتوراه في العلاقات الدولية

اقرأ في هذا المقال

  • تشهد منطقة شرق المتوسِّط في السنوات الأخيرة تطوُّراتٍ مهمَّة، بالترافق مع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي فيها. وهذا الاهتمام المتصاعد لا يعبِّر عن دوافع جيوسياسية فحسب، بل يترافق مع صعود البعد (الجيواقتصادي)

توطئة:

تشهد منطقة شرق المتوسِّط في السنوات الأخيرة تطوُّراتٍ مهمَّة، بالترافق مع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي فيها. وهذا الاهتمام المتصاعد لا يعبِّر عن دوافع جيوسياسية فحسب، بل يترافق مع صعود البعد (الجيواقتصادي) على أجندة الفاعلين الإقليميين والدوليين، وتحوُّله إلى عامل مهمٍّ في تشكيل التقاربات والاصطفافات أو شرعنتها، خاصَّةً مع تصدُّر الحديث عن اكتشافات الغاز الطبيعي وإمكانيات استثمار هذه الاكتشافات أجندةَ حكومات دول المنطقة.

تحاول هذه الورقة استعراض مراحل تصاعد اهتمام الدول في منطقة شرق المتوسِّط، وانخراطها في بيئة التنافس عليها، وصولًا إلى تأسيس منتدى غاز شرق المتوسِّط، والذي مثَّل نقطة تحوُّل هامة في المأسسة لهذه الاصطفافات.

1.      الاحتياطات المتوقَّعة:

إنَّ أحد أهمِّ الدوافع خلف الاهتمام الإقليمي والدولي بمنطقة شرق المتوسِّط هي احتياطات النفط والغاز المتوقَّع وجودها في المنطقة. فوَفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية المنشورة في عام ٢٠١٠، فإنَّ المنطقة تحوي ما بين ١٢٢ و٢٢٣ تريليون قدم مكعَّب (3.5 و6.3 تريليون متر مكعَّب) من الغاز، بالإضافة إلى1.7 مليار برميل محتمَل من النفط[1].

وفي البعد التجاري، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ إمكانية استثمار هذه الاحتياطات، ومن ثَمَّ تسويقها، يحمل أهمِّية أكبر من الأرقام النظرية. كما يجب الأخذ في الحسبان كلفة استخراج الغاز من تحت مياه البحر ومن ثَمَّ تصديره، إمَّا عبر إسالته التي تتطلَّب وجود محطَّات إسالة وناقلات للغاز المُسال، وإمَّا عبر تمديد أنابيب نقل للغاز تحت مياه المتوسِّط، العملية التي لا تبدو سهلة. لكن على الرغم من كلِّ هذه العقبات، فإنَّ الأرقام التي جاءت في سياق التخمينات كانت كافية لفتح شهية دول المنطقة وشركات النفط والغاز العالمية.

ومنذ عام ٢٠٠٩، وصل حجم الاكتشافات في شرق المتوسِّط إلى قُرابة ٢١٠٠ مليار متر مكعَّب. الأمر الذي يجعل من التنافس على حقول الغاز هناك أمرا استراتيجيا. خاصة إذا ما قورن ذلك، على سبيل المثال، بحجم استهلاك الاتِّحاد الأوروبِّي في عام ٢٠١٧ من الغاز، اذ بلغ قُرابة ٤١٠ مليارات متر مكعَّب[2].

2.      اكتشاف الغاز وتحريك المياه الراكدة في شرق المتوسِّط:

2.1.       التحرُّك الإسرائيلي:

أخذت المياه في شرق المتوسِّط في التحرُّك مع حديث إسرائيل عن اكتشافها لحقلي غاز تَمار وليفياثان في عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٠ على التوالي. تلا هذا الاكتشاف توقيع إسرائيل اتفاقيةً مع القسم اليوناني من قبرص، لترسيم حدود المياه الإقليمية بين الجانبين في عام ٢٠١٠، الخطوة التي قابلتها لبنان بالإعلان عن أنَّ حدود المياه الإقليمية المعلنة من قبل الطرف الإسرائيلي تمثِّل تجاوزًا على حدوده الإقليمية.

وقد تعزَّز التقارب الإسرائيلي – اليوناني القبرصي في عام ٢٠١٢، خاصَّةً في ظلِّ توتُّر العلاقات الإسرائيلية-التركية من جهة، وصعود الإخوان المسلمين والرئيس مرسي إلى السلطة في مصر من جهة أخرى. وشهد عام ٢٠١٢ زيارة مهمَّة أجراها نتنياهو بصفته أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور نيقوسيا.

ثم مهَّد التقارب القبرصي اليوناني مع إسرائيل لتعزيز العلاقات الإسرائيلية – اليونانية. وكان من اللافت أنَّ العلاقات بين الطرفين استمرَّت في التحسُّن على الرغم من انتخاب تسيبراس رئيسًا لوزراء اليونان في عام ٢٠١٥، والذي انتُخب ممثِّلًا عن حزب سيريزا اليساري. وتُوِّج التقارب الإسرائيلي – اليوناني – القبرصي اليوناني بعقد لقاءات وقمم ثلاثية عدَّة منذ عام ٢٠١٦.

وقد دفعت اكتشافات الغاز في شرق المتوسِّط إسرائيلَ إلى البحث عن أسواق للتصدير، ما جعلها تتوجَّه إلى جيرانها في كلٍّ من مصر والأردن. إذ وقَّعت إسرائيل على اتِّفاقية مع الأردن على تصدير الغاز في عام ٢٠١٦، على أن يبدأ تصدير الغاز الإسرائيلي إلى الأردن في عام ٢٠١٩، كما وقَّعت على اتِّفاقية لتصدير الغاز مع مصر في ٢٠١٨. إلَّا إنَّ هذه المحاولات تواجه صعوبات تتعلَّق باكتفاء مصر من الغاز الطبيعي، والرفض الشعبي في الأردن لشراء الغاز الطبيعي من إسرائيل.

وقد دفعت عدم قدرة إسرائيل على تسويق الغاز الطبيعي المستخرج في المنطقة إلى السعي للوصول إلى الأسواق الأوروبِّية، إمَّا عبر خطٍّ للغاز يمرُّ من تركيا، وإمَّا عبر طرح فكرة تأسيس خطِّ EastMed لإيصال غاز شرق المتوسِّط إلى الأسواق الأوروبِّية، الفكرة التي حظيت -من حيث المبدأ- بدعم كلٍّ من الولايات المتَّحدة الأمريكية والاتِّحاد الأوروبِّي، الذي خصَّص عدَّة ملايين لدراسة المشروع.

لكنَّ هذه المحاولات تصطدم من ناحيةٍ بالتوتُّر المستمرِّ الذي تعيشه العلاقات التركية-الإسرائيلية، ومن ناحيةٍ أخرى بصعوبة تطبيق مشروع خطِّ EastMed في الواقع، لكونه يتطلَّب إنشاء خطٍّ للغاز تحت مياه المتوسِّط، الأمر الذي يبدو مستبعَدًا بسبب كلفته المالية العالية، وانعدام جدواه التِّجارية. لا سيَّما عند الأخذ في الحسبان أنَّ إسرائيل قد استغرقت قُرابة أربع سنوات لمدِّ خطِّ الغاز تحت المتوسِّط من حقل تَمار إلى شواطئ حيفا بطول ٩٠ كم، في حين يُتوقَّع أن يصل طول خطِّ الغاز تحت المتوسِّط إلى أوروبَّا إلى أكثر من ٢١٠٠ كم.

2.2.       دخول مصر على خطِّ الاصطفافات الإقليمية:

وعلى الجانب الآخر من المتوسِّط، فقد دخلت مصر إلى سوق الغاز في شرق المتوسِّط ومعه إلى سوق الاصطفافات الإقليمية، في نهاية ٢٠١٤ وبداية ٢٠١٥. لكنَّ التطوُّر الأهمَّ لمصر كان في عام ٢٠١٥، عندما أُعلن عن اكتشاف حقل ظُهر، الذي يُعدُّ أكبر حقل غاز طبيعي اكتُشِف في شرق المتوسِّط، وذلك على يد شركة تنقيب إيطالية. وقد عزَّز هذا الاكتشاف من دور مصر في سوق الغاز الطبيعي في المنطقة، خاصَّةً مع الأخذ في الحسبان امتلاكها لمحطَّتَي إسالة للغاز الطبيعي، كما أنه أعطى دَفعة جديدة لشركات التنقيب عن الغاز والنفط.

وكان قد سبق هذا الاكتشافَ ومنذ عام ٢٠١٤ تحسُّن ملحوظ في العلاقات المصرية – اليونانية – القبرصية اليونانية، مع عقد لقاءات ثلاثية عدَّة، وذلك فضلًا عن إعادة ترميم العلاقات المصرية-الإسرائيلية بُعيد انقلاب السيسي. وقد أدَّى دخول مصر السيسي على خطِّ التحالف الثلاثي الإسرائيلي – اليوناني – القبرصي اليوناني، دورًا مهمًّا في توسيع الاصطفاف الإقليمي في المنطقة.

2.3.       تركيا والإبحار عكس التيَّار:

أمَّا على الجهة الشمالية من شرق المتوسِّط، فقد وجدت تركيا نفسها معزولة في سياق هذه التحرُّكات الإقليمية، خاصَّةً في ظلِّ توتُّر علاقاتها مع إسرائيل، وتدهور علاقاتها الرسمية مع مصر السيسي، وموقفها العدائي من قبرص اليونانية، والإرث السلبي لعلاقاتها مع اليونان. وعلى الرغم من اللقاء الذي عُقد في ٢٠١٦ بين وزير الطاقة الإسرائيلي ووزير الطاقة التركي آنذاك براءت البيرق، فإنَّ التقارب كان مرحليًّا ولم يؤثِّر في التقارب الإسرائيلي مع بقية الفاعلين.

وعلى عكس بقية الفاعلين، فقد دخلت تركيا سباق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسِّط متأخِّرةً، إذ أطلقت أولى سفنها (سفينة الفاتح) للتنقيب عن الغاز في نهاية عام ٢٠١٨. وهي تعمل حاليًّا على توسيع عمليات تنقيبها عن الغاز جنوبًا، إذ ترتكز تركيا، المتعطِّشة إلى إيجاد مصادر للطاقة، في توسيع سياساتها التنقيبية في شرق المتوسِّط، على حقِّها في الدفاع عن حقوق جمهورية قبرص التركية أيضًا.

3.      منتدى غاز شرق المتوسِّط ومأسسة الاصطفافات الإقليمية:

تُوِّجت هذه التحرُّكات الإقليمية وترتيب الاصطفافات بتشكيل منتدى غاز شرق المتوسِّط في القاهرة، في التاسع عشر من كانون الثاني/يناير ٢٠١٩. إذ شاركت كلٌّ من مصر وإسرائيل واليونان وقبرص اليونانية وإيطاليا والأردن والسلطة الفِلَسطينية، في تأسيس هذا المنتدى. كما حضر الاجتماعَ التأسيسي ممثِّلون عن الاتِّحاد الأوروبِّي والولايات المتَّحدة والبنك الدولي، فيما استُبعد منه كلٌّ من تركيا ولبنان وسوريا وقبرص التركية.

وقد أُضيف إلى المنتدى وهذا الاصطفاف الإقليمي بُعد مهمٌّ بَعد حديث الولايات المتَّحدة عن دعمها لهذا المنتدى، وتقديم مشروع قرار لمجلس الشيوخ بهذا الشأن. إذ يقترح مشروع القرار دعم المنتدى، وكذلك رفع الحظر المفروض على بيع السلاح لقبرص اليونانية، والعمل على زيادة نفوذ دول المنتدى للحدِّ من النفوذ التركي والروسي في شرق المتوسِّط، على حدِّ نصِّ مشروع القرار. كما كان واضحًا رغبة مشروع القرار الأمريكي في معاقبة تركيا نتيجة إصرارها على شراء منظومة إس ٤٠٠ للدفاع الصاروخي من روسيا.

ومن المؤكَّد أنَّ تأسيس منتدى غاز شرق المتوسِّط وإعادة ترسيم الاصطفافات الإقليمية بالارتكاز على محور شرق المتوسِّط، سيُلقي بظلاله على الهيكلية الأمنية في المنطقة، خاصَّةً مع دخول الولايات المتَّحدة على الخطّ. كما أنَّ حضور كلٍّ من البعد الجيوسياسي والجيواقتصادي في حسابات الفاعلين، سيعيد تشكيل مقاربات الفاعلين الإقليميين والدوليين لمنطقة شرق المتوسِّط.

خلاصة:

عزَّز اكتشاف إسرائيل لحقلي تَمار وليفياثان في عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٠، ومن ثَمَّ اكتشاف مصر لحقل ظُهر في عام ٢٠١٥، اهتمامَ الفاعلين الإقليميين والدوليين في المنطقة، كما ساهم في رفع مستوى التنافس الإقليمي، وصولًا إلى تشكيل منتدى غاز شرق المتوسِّط، والذي يمثِّل محاولة لهيكلة الاصطفافات الإقليمية في شرق المتوسِّط.

هذه الاكتشافات التي جرى التوصُّل إليها في شرق المتوسِّط، واحتمالية الوصول إلى احتياطات أخرى، تدفع بالدول المطلَّة على حوض شرق المتوسِّط وشركات التنقيب العالمية إلى توسيع نشاطاتها في التنقيب عن الغاز في المنطقة. وهذه المساعي ذات البعد الجيواقتصادي تأخذ بُعدًا جيوسياسيًّا في ظلِّ الاصطفافات الإقليمية التي تغلب على المنطقة، فضلًا عن وجود مسألتين مستعصيتين على الحلّ: القضية الفِلَسطينية، وقضية قبرص.

وبالتوازي مع زيادة الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، وازدياد المحاولات الروسية لإثبات الحضور، وفي ظلِّ غياب كلٍّ من سوريا ولبنان عن المعادلة، تبدو إسرائيل الفاعل الأكثر ديناميكيةً، خاصَّةً في البعد الجيوسياسي. فيما تبدو مصر الفاعل الأوفر حظًّا في تأدية دورٍ اقتصادي في الصراع على الغاز في شرق المتوسِّط، إذ إنه في ظلِّ المعطيات الحالية، يبدو أنَّ المسار الأكثر واقعيةً لاستثمار اكتشافات غاز شرق المتوسِّط هو الاعتماد على البنية التحتية المصرية في إسالة الغاز الطبيعي، ومن ثَمَّ تصديره إلى الأسواق الأوروبِّية. أمَّا تركيا التي لم يحالفها الحظُّ بعد في اكتشاف أيٍّ من احتياطات الغاز قبالة سواحلها أو سواحل قبرص التركية، فتبدو معزولة في القسم الشمالي من حوض شرق المتوسِّط.

[1]Assessment of Undiscovered Oil and Gas Resources of the Levant Basin Province, Eastern Mediterranean https://pubs.usgs.gov/fs/2010/3014/pdf/FS10-3014.pdf

[2] CNBC, 13-03-2019, Gas Finds in Eastern Mediterranean Spark Partnership between Israel, Palestinian Territories and Rival Nations

https://www.cnbc.com/2019/03/13/gas-finds-in-the-mediterranean-spark-partnership-between-rival-nations.html

بلال سلايمة

باحث دكتوراه في العلاقات الدولية
زر الذهاب إلى الأعلى