السياسة التركية والصراع في إدلب

منتدى السياسات العربية

وحدة الأبحاث والسياسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • تتعزز التحركات التركية في تثبيت الوجود التركي في مواجهة عدة أطراف متنافرة، بحيث تنتقل لمركز الاهتمام السياسي بين كل من روسيا، أوروبا والولايات المتحدة، وإيران، وهو ما يشكل انتقالاً مهماً يساعد على إعادة ترتيب مسار الصراع حول سوريا.

 

منذ اندلاع التوتر في إدلب في منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2020، يشهد الصراع الدولي حول سوريا تغيرات نوعية، لا يرتبط فقط بالأهمية الاستراتيجية لـ”إدلب”، لكنه أكثر ارتباطاً بمحاولات تثبيت أوضاع جديدة، وفي هذا السياق تأتي أهمية مناقشة السياسة التركية تجاه الأزمة العسكرية وتصاعد المعارك، وقدرة كل من تركيا وروسيا على ضبط الصراع والقبول بتسويات جزئية ومرضية لكل منهما.

ووفق هذا المدخل يركز التقرير على محاوِرٍ ثلاث:

 الأول: السياسة العسكرية التركية.

الثاني: سجال اللاجئين بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

الثالث: الموقف الإيراني في ضوء ما يجري في إدلب.

السياسة العسكرية التركية

وإزاء مؤشرات انهيار إطار “سوتشي”، أعلنت تركيا في 1 مارس/آذار 2020 عن إطلاق عملية “درع الربيع” لمواجهة توسع النظام السوري، بدعم روسي، في إدلب، وذلك بعد هجمات من النظام على القوات التركية التي دخلت إدلب لمنع النظام من السيطرة عليها، وكان أشد هجمات النظام على القوات التركية هجوم يوم 27 فبراير/شباط 2020 حيث قتل 36 جندي تركي وجرح عشرات آخرين.

وقد جاءت العملية التركية بعد امتناع روسيا عن القيام بالضغط الكافي لإجبار قوات النظام على العودة خلف نقاط المراقبة التركية، ويُعتقد أن متخذي قرار السيطرة على إدلب ظنوا أن أنقرة التي لا تعيش علاقاتها مع الغرب أفضل أحوالها؛ سترضخ أمام فرض واقع جديد في إدلب في ظل عدم رغبتها بالمواجهة مع موسكو وفي ظل احتياجها للعمل مع موسكو في ملفات إقليمية وثنائية أخرى.

وقد دخلت تركيا المعركة بعدة محددات بدت واضحة تماماً وهي أنها:

  • لا تريد حدوث مواجهة مع روسيا ومع إيران.
  • منع موجة هجرة جديدة من إدلب إلى تركيا.
  • ويرتبط بما سبق منع النظام من ارتكاب جرائم حرب في إدلب.
  • إعادة النظام إلى خلف نقاط المراقبة المتفق عليها في سوتشي.

ونظراً لإغلاق المجال الجوي فوق إدلب أمام الطائرات التركية بسبب التفوق الروسي، وعدم قدرتها على إقناع الناتو بفرض حظر جوي فوق إدلب، فقد لجأت أنقرة إلى استخدام سلاح الدرونز والذي أعطاها تفوقاً نوعياً، قام على انتقاء الأهداف وتقليل الخسائر، وقد استطاعت تحييد أكثر من 2000 جندي للنظام السوري أو للمليشيات التابعة له. ومع ذلك استخدمت أنقرة طائرات F16 ولكن من داخل الحدود التركية حيث أسقطت حتى تاريخ 3 مارس/آذار 2020 ثلاث طائراتٍ حربية للنظام.

وكانت القوات التركية مع إطلاق اسم عملية “درع الربيع” قد دمرت خلال الأيام من 27 فبراير/شباط وحتى 1مارس/آذار 2020 ثماني طائرات هليكوبتر و103 دبابات و72 مدفع هاوتزر وراجمات صواريخ وطائرة مسيرة وستة أنظمة دفاع جوي. وذلك وفقاً لتصريحات وزير الدفاع التركي. مع استهداف منشآتٍ عدة في إدلب وخارجها ومنها مطار النيرب العسكري الذي يقع في حلب.

وقبل الحديث عن ملف اللاجئين نود الإشارة إلى نقطة مهمة مرتبطة بسياق العمليات وهي موقف جبهة النصرة التي كانت تسيطر بالفعل على إدلب وتعتبر نقاط المراقبة التركية ضمن أراضيها، حيث أثبت سير المعارك أن أدائها كان باهتاً مما جعل بعض المراقبين يشككون في تسليمها لبعض المناطق لإجبار الجيش التركي على التدخل، ومن المؤكد أن وضع جبهة النصرة ما بعد أحداث إدلب لن يكون كالسابق ويُخشى أن تتحول الجبهة إلى مواجهة مع تركيا، وقد أشار الكاتب التركي والنائب السابق في البرلمان رسول طوسون أن تركيا مستعدة لمحاربة جبهة النصرة في حديثٍ له على تلفزيون دويتشه فيله يوم 5 مارس/آذار 2020.

من المؤكد أن وضع جبهة النصرة ما بعد أحداث إدلب لن يكون كالسابق ويُخشى أن تتحول الجبهة إلى مواجهة مع تركيا

 

فتح ملف اللاجئين

وفي سياق موازٍ، ومع سعيها للحصول على دعمٍ من الناتو ضد أي تهديدٍ محتمل، أعلنت أنقرة أنها لن تكون عائقاً أمام تدفق اللاجئين نحو أوروبا بعد عدم قيام الأخيرة بتعهداتها في هذا الملف، وقد ذكر وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، على حسابه على موقع تويتر أن عدد اللاجئين الذين غادروا تركيا إلى الحدود اليونانية حتى صباح 4 مارس/آذار 2020 تعدى 135 ألف لاجئ.[1]

وقد بدت هذه الخطوة تحمل بُعدين، الأول؛ وضع الدول الأوروبية أمام مسؤولياتها في ملف اللجوء وجعلها تأخذ التهديدات التركية على محمل الجد، أما الأمر الآخر؛ فهو لموازنة العبء في حال حدوث تطورات في إدلب حيث ينتظر مئات الآلاف على الجانب السوري من الحدود التركية السورية منذ منتصف فبراير/شباط.

وعند هذه النقطة فقد بدا للمتابعين أن تركيا تغامر في الوقت الذي يحمل احتمالات مواجهة مع روسيا، باستفزاز الدول الأوروبية من خلال السماح للاجئين حيث يشكل موضوع المهاجرين أزمة للعديد من الدول الأوروبية بل وكابوساً خاصة مع صعود التيارات اليمينية المتشددة، ولكن هذا يمكن تفسيره بأن أنقرة وصلت لقناعة تامة بأن دول الاتحاد الأوروبي لن تقدم أي دعم من خلال الممارسات التقليدية أو عبر الاتفاقات السابقة إلا بهذه الطريقة.

الدول الأوروبية إما ستكون مضطرة لتقبل موجة من اللاجئين من أجل الحفاظ على علاقة جيدة مع تركيا لجذبها بعيداً عن روسيا

 

كما أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي تشترك في هدف إبعاد تركيا عن روسيا، قد تكون نبرتها أخف في التعامل مع تركيا في ملف اللاجئين حتى لا تشوش على هدفها في إحداث فجوة في العلاقات التركية الروسية، وربما كان قرار تركيا بفتح الحدود منسجماً مع هذا الإدراك. وقد عبرت عن ذلك ممثلة الولايات المتحدة في الناتو “كاي بيلي هاتشينسون” التي أملت أن تكون الضربة التي تعرضت لها القوات التركية في إدلب مفيدة لكي تعرف أنقرة من هو شريكها، كما أعلنت رغبتها في أن تحث هذه الأحداث أنقرة على التخلي عن استخدام منظومة الدفاع الروسية إس 400.

وفي هذا السياق، وضعت تركيا أوروبا أمام خيارات في اتجاه واحد، فالدول الأوروبية إما ستكون مضطرة لتقبل موجة من اللاجئين من أجل الحفاظ على علاقة جيدة مع تركيا لجذبها بعيداً عن روسيا، أو ستكون مضطرة للوفاء بمسئولياتها وتقاسم العبء مع تركيا من خلال المساهمة في النفقات اللازمة، ويجادل كثير من الباحثين الأتراك أن الاتحاد الأوروبي لن يستطيع تحمل الكثير من موجات اللجوء خاصة بعد مسألة” بريكزت“، والمشاكل الاقتصادية والتنافس داخل الاتحاد الأوروبي.[2]

والدليل أن الدول الأوروبية بالرغم من الاتصالات، لم تقم بأي تعهدات فيما على الجانب الآخر، وكما ذكرت بعض المصادر الدبلوماسية فقد تعهدت 4 دول في اجتماع الناتو في حال ازداد التوتر مع روسيا أن تقدم دعماً ملموساً لأنقرة، وهذه الدول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وايطاليا وإسبانيا.[3]

 ومع ذلك، فإنه لا يوجد أي معطيات حقيقية على الأرض من قبل الناتو وقد قال أمين عام حلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” حول الدعم الملموس الذي سيُقدم لأنقرة ”أن الناتو يدعم تركيا والحلفاء يدرسون إمكانية فعل المزيد من أجلها“

الموقف الإيراني في ظل معركة إدلب

بعد سيطرة النظام على خان شيخون ومعرة النعمان أمهل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوات النظام السوري قرابة 20 يوم انتهت مع شهر فبراير/شباط 2020 للتراجع خلف نقاط المراقبة التركية وإلا سيتم استخدام القوة ضد النظام.

تعتبر إيران أن النظام السوري هو الجهة التي يدور النزاع على أراضيها وأن على الجميع التعاون معها على أساس مسار أستانة الكفيل بحل الأزمة، ولكن الأمر الأهم بالنسبة لإيران أن هذه التطورات تأتي في ظل استمرار حملة الحصار الأمريكي عليها أو التخلي الروسي عنها، ولذلك لا ترغب إيران في الانزلاق لهذا المسار، وتربط إيران مخطط إبعادها عن الشمال السوري بسلسلة إجراءات كان اغتيال الجنرال قاسم سليماني من بينها.

وقد كان لافتاً تقديم إيران عدة مقترحات للتوسط لحل الأزمة وقد جاءت المبادرات كالتالي:

  • إعلان كبير مساعدي وزير الخارجية وممثل إيران في مفاوضات أستانة علي أصغر حاجي، في لقاء له مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، في 8 فبراير/شباط 2020 استعداد إيران للوساطة بين تركيا والنظام السوري لتسوية الخلافات.[4]
  • اتصال بين الرئيسين التركي والإيراني حيث اقترح الأخير اجتماعاً سريعاً لحل الأزمة، وقد ذكرت وكالات الانباء أنه اجتماع تركي إيراني، ولكن الإيرانيين عادوا للقول أن ذلك خطأ وأن المقصود حضور روسيا وليس سوريا.
  • صدور تصريحات من جهاتٍ مقربة من النظام الإيراني تقول أن الأطراف المتربصة بتركيا تريد توريط أنقرة بصراع مع النظام السوري لكي تغطي على سرقة الثروات النفطية شرق الفرات.[5].
  • تجنب المليشيات التابعة لإيران من استهداف القوات التركية.

ويستدل على ذلك ببيان المركز الاستشاري الإيراني في سوريا الذي أعلن تجنبه استهداف القوات التركية” إنها موجودة منذ شهر في مرمى قواتنا وكنا نستطيع الانتقام، لكننا لم نفعل ذلك تلبيةً لأوامر قيادتنا“، ووفق المركز فإنه لا يزال القرار بعدم التعرض للقوات التركية ساري المفعول. مع أن بعض عبارات هذه المليشيات لم تخلُ أيضاً من التهديد.[6]

  • لقاء بين مدير الأمن العام في لبنان “اللواء عباس إبراهيم”، ورئيس جهاز المخابرات التركية “هاكان فيدان” في إسطنبول، في 29 فبراير/شباط 2020 حول ” وساطة يقوم بها إبراهيم بين تركيا وحزب الله” لإجلاء قتلى الحزب من إدلب، مقابل “الانسحاب تدريجياً” من محور “سراقب-الطليحية” شرق المحافظة، إضافة إلى “تثبيت هدنة لوقف إطلاق النار”.

في ظل هذه التقديرات، تميل إيران إلى أن وجودها في سوريا مستهدف من قبل الأطراف الكبرى، ولذلك تحاول أن لا تكون الخاسر الأكبر مما يجري في إدلب، وستكون عقبة أمام أي تغيير يكون على حسابها سواء كان من خلال اتفاق تركي روسي أو بسبب استمرار العمليات العسكرية.

ولهذا لم تدخل إيران في العمليات مباشرة وحاولت إرسال رسائل طمأنة لتركيا ولكن مع ذلك حاولت إعطاء أهمية أكبر لعلاقتها مع روسيا من خلال تكثيف وجودها في الميدان في ظل عمل روسيا من الجو بالدرجة الأولى وخاصة في محوري الشيخ عقيل غرب حلب وفي سراقب بمحافظة إدلب.

وتتواجد بشكل أساسي من خلال حزب الله الذي كثف من تواجده العسكري في الأيام الأخيرة وساهم في استعادة مدينة سراقب الاستراتيجية التي تعد عقدة الطرق الدولية بين حلب ودمشق واللاذقية من خلال قوات النخبة لديه (وحدة الرضوان).  وقد ذكرت مصادر إعلامية أن حزب الله كان على رأس المشاركين في شن معركة ليلية على سراقب وهذه أول مرة يشن فيها حزب الله معركة ليلية واسعة النطاق. وبهذا تحاول إيران إيجاد مواطىء قدم لها في مناطق استراتيجية في سوريا فترفع من أهميتها لدى روسيا وتؤمن نفسها كقوة على الأرض من جهة، وتحاول أن تكون قريبة من قضايا تؤثر على تركيا حتى تبقى حاضرة في أي حوار تركي روسي.

ومن جانبٍ آخر، تشير نتائج زيارة الرئيس أردوغان لموسكو؛ لتثبيت الوضع القائم على الاعتراف المتبادل بالمصالح الأمنية والعسكرية، وعلى الرغم من أنه لا يمثل حلاً نهائياً للوضع في إدلب، فإنه يعيد ترتيب المعادلة السياسية ويضع نهايةً لمحاولات استبعاد تركيا من الملف السوري أو إضعاف موقفها.  ولكن مع ذلك، لم يُلبِّ الاتفاق؛ المطلب التركي الرئيس بانسحاب النظام إلى ما وراء نقاط المراقبة كما لم يتطرق إلى الحديث عن المناطق الآمنة.

تتعزز التحركات التركية في تثبيت الوجود التركي في مواجهة عدة أطراف متنافرة، بحيث تنتقل لمركز الاهتمام السياسي بين كل من روسيا، أوروبا والولايات المتحدة، وإيران، وهو ما يشكل انتقالاً مهماً يساعد على إعادة ترتيب مسار الصراع حول سوريا.

 

بشكلٍ عام حقق لقاء بوتين أردوغان وقف إطلاق نار، واتفقا على إنشاء ممرٍ آمن بالقرب من طريق M4  وتسيير دوريات مشتركة على طول الطريق ابتداءً من 15 مارس/آذار الجاري. ومن المعروف أن الطرفين بالأصل تفاهما في اتفاق استانة في سبتمبر أيلول 2018 على فتح الطرق الدولية واعتُبِرَ في ذلك الوقت مصلحة لتركيا من الناحية الأمنية والاقتصادية.

وعلى هذا الأساس، تتعزز التحركات التركية في تثبيت الوجود التركي في مواجهة عدة أطراف متنافرة، بحيث تنتقل لمركز الاهتمام السياسي بين كل من روسيا، أوروبا والولايات المتحدة، وإيران، وهو ما يشكل انتقالاً مهماً يساعد على إعادة ترتيب مسار الصراع حول سوريا.


المصادر:

[1]  الحساب الرسمي لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو على تويتر، https://twitter.com/suleymansoylu/status/1235105963377491968

[2] مقابلة مع الصحفي التركي جيهون بوزكورت، صحيفة حرييت، تاريخ الدخول 4 مارس/آذار، https://www.hurriyet.com.tr/yazarlar/fulya-soybas/turkiye-kapiyi-neden-araladi-41457932

[3] مصادر دبلوماسية

[4] تركيا ترسل تعزيزات إضافية الى سوريا..وطهران تعرض التوسط، المدن، تاريخ الدخول 4 مارس/آذار 2020،

[5] حديث للدبلوماسي الإيراني السابق أميرموسوي للجزيرة، 3 مارس/آذار 2020، https://www.aljazeera.net/news/politics/2020/3/3/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D8%AF%D9%84%D8%A8-%D8%AF%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9

[6] إيران لتركيا: أمرنا قواتنا بعدم الرد على ضرباتكم بإدلب، العربية، تاريخ الدخول 4 مارس/آذار 2020،  https://bit.ly/2TEtcye

منتدى السياسات العربية

وحدة الأبحاث والسياسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى