السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا بعد عام 2011

جلال سلمي

باحث دكتوراه في العلاقات الدولية

اقرأ في هذا المقال

  • أولًا- مسار تطور الموقف الإسرائيلي في سوريا
  • ثانياً: اتِّجاهات السياسة الإسرائيلية في سوريا
  • ثالثاً: سيناريوهات المستقبل

توطئة:

منذ اندلاع الأزمة في سوريا منتصف آذار/مارس 2011، اتَّجهت الأنظار، بدرجة عالية من الفضول، نحو طبيعة الموقف الإسرائيلي منها، انطلاقًا من أهمِّية هذا الموقف في قراءة مستقبل الاحداث في سوريا، خصوصا في ضوء أهمِّية الحدود السورية الشمالية وموقعها من الأمن القومي الإسرائيلي، وهو ما يجعل من الأهمِّية بمكانٍ دراسة الموقف الإسرائيلي والتعمُّق في فَهمه.

الموقف الإسرائيلي اتسم لفترة ما بدرجة من الغموض والتعقيد، وهو ما عكسه غياب التصريح الواضح من المسؤولين الإسرائيليين، والذي يبدو أنه ترتب بتعقيدات الربيع العربي والسيناريوهات التي فتح الأبواب على العديد منها خالقا مزيجا مربكا من الفرص والتحديات لمعظم الأطراف المعنية، ومن بينها اسرائيل.

ركزت اسرائيل في مسار تحرُّكها على هدف حماية مصالحها الأمنية أمام المخاطر المحتملة. وسعت لاستثمار اي فرصة متاحة لتعزيز وضعها في معادلة الصراع مع خصومها وأعدائها في المنطقة.

أولًا- مسار تطور الموقف الإسرائيلي في سوريا:

[popup_anything id=”2053″]  تَمحور الموقف الإسرائيلي من الأزمة السورية حول حماية أمنها القومي ضدَّ أيِّ خطر قادم من أيِّ جهة فاعلة في سوريا. وعلى هذا الأساس، تَجسَّد موقفها حيال الأزمة السورية بحالة ترقُّب توسَّطتها تدخُّلات ظرفية، مباشرة وغير مباشرة، دبلوماسية وعسكرية، مع التركيز على سياسة الرضا والصمت حيال حالة إضعاف مركزية النظام السوري على نحوٍ نسبي، دون إبداء موقفها الواضح من إسقاطه أو بقائه، وهذا ما جعل موقفها تجاه الأزمة السورية معقَّدًا ومُبهمًا[1].

ولقد شكَّل الربيع العربي تحدِّيًا مباشرًا للأمن القومي الإسرائيلي، وتجدر الإشارة إلى أنه مع اندلاع ثورات الربيع العربي، وُجدت إسرائيل -بحسَب تصريح رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو- أمام «هِزَّة أرضية تتطلَّب منها تعزيز أمنها القومي»[2].

وقد علم النظام السوري بالتخوُّف الإسرائيلي على أمنه، مشيرًا -على لسان رجل الأعمال المقرَّب منه، رامي مخلوف- إلى أنَّ «استقرار إسرائيل مرتبط ارتباطًا عضويًّا بحالة الاستقرار في سوريا، ولا أحد يضمن مستقبل إسرائيل في حال حصل أيُّ شيء سلبي لهذا النظام»[3].

لقد الْتزمت الحكومة (الإسرائيلية)، خلال السنة الأولى من انطلاق الثورة السورية، الصمتَ حيال مصير النظام السوري برئاسة بشَّار الأسد، وتجاه الثورة السورية ومسار أحداثها المتتابعة[4]. وربَّما أدَّى الْتزام النظام السوري اتِّفاقيةَ وقف إطلاق النار لعام 1974، دورًا كبيرًا في ميلاد هذا الموقف الذي عكس رغبتها في عدم سقوطه ونشوء دولة ديمقراطية على أنقاضه.

ومع استمرار موقفها الصامت المُبهَم، أصدر المستوى المهني ضمن وزارة الخارجية الإسرائيلية، في شباط/فبراير 2012، توصية بشأن المسار السياسي الذي يمكن أن تتَّبعه إسرائيل حيال ما يجري في سوريا. ودعت هذه التوصية إلى ضرورة وضع حدٍّ لسياسة الغموض الإسرائيلي إزاء الأحداث في سوريا، والنظر في اتِّباع سياسات تنسجم مع مواقف الولايات المتَّحدة وأوروبَّا، الداعية إلى استقالة الرئيس السوري بشَّار الأسد من رئاسة سوريا[5].

وحينما تبنَّى وزير الخارجية الإسرائيلية آنذاك، أفيغدور ليبرمان، التوصيةَ المطروحة، وأخذ بها إلى طاولة اجتماعات الحكومة الإسرائيلية في سبيل تبنِّيها، عارض الاقتراحَ رئيسُ الحكومة بينامين نتنياهو، بالإضافة إلى عدد آخر من الوزراء، مُرشِّحين الاستمرار على الموقف ذاته دون تغييره[6].

وفيما بقيت الحكومة الإسرائيلية على موقفها الغامض حيال الثورة السورية، رغبت في الاستفادة من حالة البطش الذي يلقاه الشعب السوري على يد النظام الحاكم، كدعاية سياسية تُلمِّع صورتها بوصفها دولةً ديمقراطية تتوسَّط مَنطِقة مليئة بالأنظمة الاستبدادية من جهة، وتُبرِّر مستوى قمعها للفِلَسطينيين من جهةٍ أخرى، بحيث يظهر على أنه “إنساني جدًّا” مقارنةً بمستوى قمع أنظمة دول المَنطِقة. وقد تجلَّى ذلك في تعليق نتنياهو على الأحداث في سوريا، في شباط/فبراير 2012، حين قال: «وصلَتنا حديثًا بعض الأخبار التي ذكَّرَتنا بنوعية المَنطِقة التي نعيش فيها، فقد رأينا الجيش السوري وهو يذبح شعبه دون رحمة»[7]. وبعد هذا التصريح، لبس الموقف الإسرائيلي ثوب التعاطف النسبي الاستعراضي مع الشعب السوري، متَّجهًا عبر تصريحات مسؤوليه إلى إدانة الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد بحقِّ شعبه. وفي إطار ذلك، أصدر نتنياهو في 27 أيَّار/مايو 2012، بيانًا حول مجزرة الحُولة التي ارتكبها النظام السوري بحقِّ المدنيين في مدينة حِمص، لكنَّ البيان جاء بنكهة الساعي إلى استغلال الأمر في دعايته السياسية، والرامي إلى الحفاظ على أمنه القومي، من خلال الإشارة إلى أنَّ إيران وحزب الله يشاركان في هذه «الحرب السورية الداخلية»، ولذا «على العالم أن يتحرَّك ضدَّهما أيضًا»[8].

وعلى هذا النحو، توالت تصريحات المسؤولين (الإسرائيليين) حيال أحداث الثورة السورية، غير أنها كانت حريصةً دومًا على إبقاء موقفها غير واضح، حتى وإن شمل إدانةً لما يرتكبه النظام ضدَّ المدنيين.

وبالتزامن مع الحديث عن دخول بعض عناصر حزب الله إلى سوريا مطلع عام 2012، خرج الموقف (الإسرائيلي) من حالة الصمت إلى حالة التحذير من “تغلغل الميليشيات الإيرانية في سوريا”، وإظهار حرص شديد على إبقاء مسار الأزمة السورية في إطار سيطرتها التي تحول دون ظهور خطر حقيقي على أمنها القومي. فأخذت تتَّبع سياسة تقليم أظافر تجاه النظام السوري وحلفائه، من حزب الله وإيران أذرعها. وظهرت أول حالة انتقال في الموقف الإسرائيلي حيال الأزمة السورية من الصمت إلى التدخُّل الظرفي الجزئي في 30 كانون الثاني/يناير 2013، إذ ضربت بصواريخ أرض-جوّ موقعًا عسكريًّا قرب دمشق، ادَّعت احتواءه على موادَّ كيميائية، وضلوعه في نقل أسلحة من سوريا إلى حزب الله[9]. لكنها أبقت على موقفها غير الواضح، القائم على عدم المطالبة الكاملة بإسقاط النظام السوري أو دعم الثورة السورية، وإنما الإبقاء على المطالبة بما يقلص المخاطر على أمنها القومي، الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، وخطر تملُّك الفصائل السورية أسلحةً ثقيلة، خصوصًا تلك التي يولي بعضها عَداءً وكراهية لإسرائيل، مثل جبهة النصرة المقرَّبة من القاعدة[10].

ثانياً: اتِّجاهات السياسة الإسرائيلية في سوريا

وفي محور مصالحها المذكورة أعلاه، تُرجِمت اتِّجاهات السياسة الإسرائيلية في سوريا وَفْقًا لتحرُّكاتٍ عدَّة، يمكن توضيحها على النحو التالي:

●       التحرُّك السياسي والدبلوماسي:

تُرجم التحرُّك الإسرائيلي السياسي والدبلوماسي من خلال:

1ـ التعاون مع روسيا:

كانت (إسرائيل) تحظى بحرِّية التصرُّف فيما يخصُّ سوريا، قبل التدخُّل الروسي الجوِّي المباشر في نهاية أيلول/سبتمبر 2015، لكن بعد هذا التدخُّل، وبعد اتِّجاه الأمور نحو تولِّي روسيا مسار حلِّ الأزمة السورية، وجدت إسرائيل ضرورةً في بَدء تنسيق دبلوماسي وعسكري وطيد مع روسيا، من أجل تجنُّب وقوع أيِّ اشتباك غير مقصود بين قوَّاتها والقوَّة العسكرية الروسية التي تعمل في سوريا. وقد بدأ التنسيق بزيارة وفدٍ عسكري روسي بقيادة النائب الأول لرئيس هيئة الأركان العامَّة في القوَّات المسلَّحة الروسية، نيقولاي بوغدنوفسكي، تلَّ أبيب، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2015. [11]

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الطرف الروسي قد نسَّق مع (إسرائيل) قبل بَدء تدخُّله المباشر في سوريا، فقد زار رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، برفقة رئيس هيئة الأركان غادي أيزنكوت، موسكو، وذلك في 21 أيلول/سبتمبر 2015، أي قبل بَدء التدخُّل الروسي المباشر بتسعة أيام، إذ أُسِّس جهاز ميداني مشترك بين الجانبين، مَهمَّته عدم وقوع عمليات احتكاك بينهما، يقي الجنود الروس من أيِّ استهداف إسرائيلي، ويشمل إعلام روسيا بالهجمات المُراد تنفيذها[12]. وقد أُطلق على هذا التنسيق آلية منع التصادم[13]، إذ يشمل التنسيق “الكهرومغناطيسي” موافقة كلِّ طرف على عدم اعتراض الاتِّصالات اللاسلكية أو أنظمة التتبُّع بالرادارات الخاصَّة بالطرف الآخر[14]. وقد أقرَّت روسيا بحقِّ إسرائيل في استهداف المخاطر التي تقع ضمن خطوطها الحمراء المعلَنة[15].

ولقد تجلَّى التنسيق الحثيث بين الطرفين، بزيارة نتنياهو موسكو عدَّة مرَّات، وتأكيد الطرفين على متانةَ العلاقات التي تربطهما على جميع الأصعدة، بما فيها تلك المتعلِّقة بالشأن السوري. وقد بدا ذلك واضحًا من خلال إلحاق هذه التصريحات بتنسيق أمني أطلق يد إسرائيل في ضرب كلّ ما ترى أنه يهدِّد أمنها، دون اعتراض روسي واضح، وهو ما أكَّده نائب السفير الروسي في (إسرائيل)، أليكسي دروبنين، في تصريحات سابقة عن وجود تنسيق حيوي بين وزراتي الخارجية والدفاع لبلاده ونظيرتيهما الإسرائيليتين[16].

ولعلَّ توصُّل الطرفين إلى تفاهُمات مشتركة قضت بانسحاب الميليشيات التابعة لإيران مسافة 85 كيلومترًا عن مَنطِقة الحدود السورية-الإسرائيلية، والإبقاء على اتِّفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، أكبرُ دليل واضح على التنسيق رفيع المستوى بين الطرفين[17].

وانطلاقًا من عِلم روسي على الأرجح بأهمِّية أمن إسرائيل للقطب الغربي، وخاصَّةً الولايات المتَّحدة، لم يتأثَّر التنسيق بينها وبين إسرائيل، على الرغم من إخلال الأخيرة بالاتِّفاق في 9 نيسان/أبريل 2018، من خلال استهداف مطار (تيفور) الخاضع لسيطرة النظام شرقي حمص[18]، ومن ثَمَّ استهداف مواقع للنظام في الآونة الأخيرة في مدينة اللاذقية. إذ صرَّحت (إسرائيل) بأنها لن توقف ضرباتها داخل سوريا، مع إشارتها إلى الاتجاه نحو تعزيز التنسيق لشنِّ هجمات جديدة في سوريا[19]. لكن بعد وصف موسكو لأول مرة الضربةَ الإسرائيلية بـالعدوان، فقد تتَّجه القيادة الروسية إلى تحديد قواعد اشتباك جديدة قد تحدُّ من التحرُّك الإسرائيلي في الأجواء السورية. ولعلَّ منح روسيا النظامَ السوري منظومة إس 300، يأتي في إطار تعبير روسيا عن انزعاجها من استهداف إسرائيل لمَنطِقة اللاذقية غير المتوقَّع استهدافها، ومن دون إبلاغ روسيا عن ذلك ضمن مدَّة زمنية معقولة، وهو ما يُعبِّر عن رغبة روسية في تغيير فحوى الاتِّفاق القائم بينها وبين إسرائيل، بما يشمل تخفيف هذه العمليات قدر الإمكان، والتنسيق مع موسكو على نحوٍ أفضل.

إنَّ عدم القدرة على توقُّع منع موسكو إسرائيلَ من استهداف الأهداف التي تهدِّد أمنها القومي بشكلٍ كامل، ينبع من تخوُّفها من التصعيد مع الولايات المتَّحدة، بالإضافة إلى استمرار رغبتها -على الأرجح- في تقليم المزيد من النفوذ الإيراني في سوريا. وهذا ما يأخذنا إلى القول بأنَّ نشر موسكو لمنظومة إس 300، يأتي في إطار سعيها إلى كسب ثقة النظام السوري، والحفاظ على هيبتها على الساحة الدولية، بعد أن استهدفت إسرائيل اللاذقيةَ التي تحتضن قاعدة حيميم، الأمر الذي أحرج بوتين داخليًّا ودوليًّا.

2ـ الاعتماد على الولايات المتَّحدة:

إلى جانب تنسيقها مع موسكو، جنحت إسرائيل إلى توكيل الولايات المتَّحدة في تولِّي الأمر بما يخدم المصالح المشتركة بينهما، إذ ثمَّة تقاطع كبير بين التصوُّرات الإسرائيلية والأمريكية، فيما يتعلَّق بمَنطِقة الشرق الأوسط، فضلًا عن حالة التأثير الكبير الذي تحظى به إسرائيل في مراكز صنع القرار السياسي والأمني الأمريكي.

ويُلامِس توكيل إسرائيل للولايات المتَّحدة ملفَّ أمنها القومي، ومصالحها في سوريا، من خلال ترؤُّس واشنطن لغرفتَي عمليات “الموك” في عمَّان، و”الموم” في أنقرة. “الموك” أو “الموم” على حدٍّ سواء، تعني غرفة العمليات المشتركة التي ترأَّستها الولايات المتَّحدة حتى إغلاقها في 30 كانون الأول/ديسمبر 2017، بالتعاون مع دول (أصدقاء الشعب السوري)، كبريطانيا وفرنسا وبعض الدول العربية، والتي كان أبرزها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتَّحدة والأردن، لدعم فصائل الجيش الحرِّ في الجبهتين الشمالية والجنوبية[20]. وعلى الرغم من عدم انضمام “إسرائيل” إلى هذه الغرف، فإنها قد حقَّقت من خلال الولايات المتَّحدة ما ترنو إليه، ففي نهاية المطاف، لم تضمَّ الأسلحةُ المدعومة من “الموك” أو “الموم” أسلحةً ثقيلة تغيِّر المعادلة في مسار الثورة السورية، ولم يُسمَح للمعارضة بإجراء عمليات عسكرية شاملة من شأنها إسقاط النظام[21].

وقد استكملت الولايات المتَّحدة دورها في عقد اتِّفاق وقف إطلاق النار في الجنوب السوري الأول، 9 تمُّوز/يوليو 2017[22]. ربَّما لم تشارك (إسرائيل) في محادثات الاتِّفاق وغيرها من التحرُّكات الدبلوماسية، وقد يكون ذلك كمحاولةً منها للتملُّص من أيِّ مسؤولية قانونية قد تحدُّ من ضرباتها العسكرية ضدَّ الميليشيات والمصالح الإيرانية، بالإضافة إلى عدم موافقة الاتِّفاق طموحَها في الحيلولة دون تقدُّم الميليشيات الإيرانية صوب حدودها، وَفقًا للمسافة التي تطمح إليها.

أكملت واشنطن دورها الرئيس في تحقيق طموح إسرائيل من خلال قمَّة هلسنكي التي جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، وتبعتها تسريبات صحفية حول توصُّل الطرفين إلى صفقة تقضي بتسليم الجنوب السوري، مقابل بَدء التفاوض فيما يتعلَّق بمصير النفوذ الأمريكي الذي يتمركز في شمال شرقي سوريا[23]. وقد تأكَّدت صحَّة هذه التسريبات بعد سير إسرائيل على مرجعية هذه القمَّة، وإتمامها اتِّفاقًا مع روسيا بخصوص سيطرة النظام السوري على كامل الجنوب السوري، بالإضافة إلى انطلاق التفاوض فعلًا بين دمشق ومجلس سوريا الديمقراطي (مسد)، المنبثق عن قوَّات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكيًّا.

وقد قدَّمت الولايات المتَّحدة الدعم الإعلامي والدبلوماسي الدائم لـ(إسرائيل)، من خلال تأييد ضرباتها في سوريا، إذ أشارت إلى أنها تأتي في إطار استهداف معامل لتطوير الأسلحة الكيميائية، وقوافل نقل أسلحة لمنظمات إرهابية[24].

●       التحرُّك العسكري:

تُرجِم التحرُّك العسكري الإسرائيلي تجاه الأزمة السورية عبر تكتيكَين:

1ـ التدخُّل المباشر:

يتخذ التدخل العسكري الاسرائيلي المباشر في سوريا، الغارات الجوية كأداة تنفيذية شبه وحيدة بجانب الرمايات المدفعية في المناطق الحدودية، والقصف بصواريخ أرض/ أرض لبعض الأهداف الأخرى، ويستهدف هذا التدخل كبح وتقليص اي تهديدات ناتجة عن متغيرات الوضع السوري، ويتمسك بأهداف عسكرية وعملياتية تلبي هذه الأهداف.

* منع نشوء تهديد جديد على الحدود الشمالية:

 تشدد اسرائيل على رفض اقتراب الميليشيات الشيعية أو غير الشيعية الموالية لإيران من حدودها لمسافة 85 كيلومترًا[25]، وكذلك الحال بالنسبة لأي تشكيلات مسلحة أخرى لا تضمن ولاءها، وهو ما عملت على منعه بالنيران المباشرة في حالات متعددة، حاول فيها النظام أو الميلشيات المتحالفة معه السيطرة على بلدات متاخمة للحدود مع الجولان السوري المحتل، وكذلك من خلال غارات جوية استهدفت كوادر عسكرية مسؤولة عن التأسيس والتخطيط لبنى عسكرية معادية لإسرائيل في الجولان المحتل او على تخومه.
وترى إسرائيل أنَّ تنامي وجود حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى في سوريا، خطٌّ أحمر، يؤسِّس لقواعد اشتباك تسمح لها باستهدافه. إذ ترى أنَّ هذا الوجود يفتح أمامها جبهة جديدة من الصراع، من خلال بناء قواعد تدريبية وعسكرية تمكينية لحزب الله، بالقرب من القُصَير المحاذية للحدود اللبنانية على وجه التحديد[26].

  • منع نقل السلاح لحزب الله:

  ترى اسرائيل في وجود القوات الايرانية والميلشيات المتحالفة معها، على أنه محاولة إيرانية لتأسيس خطٍّ برِّي لنقل الأسلحة منها إلى حزب الله في لبنان بسهولة[27]. هذا الخطُّ الذي يوازي (الخطَّ الإسلامي) الذي تحاول إيران بواسطته نقل غازها الطبيعي إلى العراق، ومنه إلى سوريا، وصولًا إلى لبنان، ومن ثَمَّ إلى الدول الأوروبِّية مستقبلًا، يمكن أن يؤمَّن من قِبل ميليشيات محلِّية، ممَّا يسهِّل على إيران نقل أسلحتها إلى حزب الله.

  • استهداف القدرة التقنية:

      أحد الأسباب الأساسية لاندفاع (إسرائيل) نحو استهداف عدد من المناطق في سوريا، هو الترسانة العسكرية، لا سيَّما تلك المتعلِّقة بالأسلحة الكيميائية، التي تحاول إيران إنتاجها وتطويرها بالتعاون مع النظام السوري[28]، وبالأخصِّ في مَنطِقة مصياف (حماة) التي تحتضن معامل إنتاج الأسلحة الكيميائية[29].

ولقد تعدَّدت الضربات (الإسرائيلية) في سوريا، حتى تضاربات التوقُّعات حول عددها بالضبط. غير أنه يمكن رصد أبرزها بجدولٍ زمني على النحو التالي[30]:

تاريخ الاستهداف

طبيعته

هدفه

30 كانون الثاني/يناير 2013

صواريخ أرض-جوّ

استهداف مجمَّع عسكري قرب دمشق.

4 و5 أيَّار/مايو 2013

استهداف جوِّي

استهداف مركز البحوث العلمية ومستودع للذخيرة وبطارية للدفاع الجوِّي في جمرايا.

14 تمُّوز/يوليو 2013

صاروخ بحري

استهداف شِحنة من 50 صاروخ ياخونت المضادِّ للسفن في اللاذقية.

7 كانون الأول/ديسمبر 2014

غارة جوِّية

استهداف مواقع عسكرية في الديماس وبالقرب من مطار دمشق الدولي.

18 كانون الثاني/يناير 2015

غارة جوِّية

استهداف مجموعة من حزب الله والجنرال محمَّد علي دادي من الحرس الثوري الإيراني بالقرب من حدود هضبة الجولان.

29 تمُّوز/يوليو 2015

غارة جوِّية

استهداف مجموعة من حزب الله وقوَّات النظام السوري في مدينة القنيطرة.

21 آب/أغسطس 2015

غارة جوِّية

ادِّعاء (إسرائيل) استهدافَ مجموعات عسكرية، في حين كانت الحصيلة مقتل خمسة مدنيين بالقرب من حدود هضبة الجولان.

19 كانون الأول/ديسمبر2015

غارة جوِّية

استهداف سمير القنطار، العضو في حزب الله.

13 أيلول/سبتمبر 2016

غارة جوِّية

استهداف مواقع سورية تابعة للنظام السوري بالقرب من الجولان.

7 كانون الأول/ديسمبر 2016

صواريخ أرض-أرض

استهداف مطار المُزَّة العسكري -مقرِّ الاستخبارات الجوِّية السورية- في ضواحي دمشق.

13 كانون الثاني/يناير 2017

غارة جوِّية

استهداف مطار المُزَّة العسكري.

17 آذار/مارس 2017

غارة جوِّية

استهداف قافلة أسلحة في تدمر، كانت في طريقها إلى حزب الله، بحسَب الادِّعاء الإسرائيلي.

27 نيسان/أبريل 2017

غارة جوِّية

استهداف مستودع أسلحة تابعة لحزب الله بالقرب من مطار دمشق الدولي.

7 أيلول/سبتمبر 2017

غارة جوِّية

استهداف موقع عسكري غربي سوريا، أشارت إسرائيل إلى تطوير أسلحة كيميائية فيه.

22 أيلول/سبتمبر 2017

غارة جوِّية

استهداف مستودع سلاح لحزب الله بالقرب من مطار دمشق الدولي.

16 تشرين الأول/أكتوبر 2017

غارة جوِّية

استهداف بطارية صواريخ شرق دمشق ردًّا على استهداف طائرة تجسُّس إسرائيلية في الأجواء اللبنانية.

2 كانون الأول/ديسمبر 2017

غارة جوِّية

استهداف مواقع عسكرية بالقرب من الكُسْوة في دمشق.

4 كانون الأول/ديسمبر 2017

غارة جوِّية

استهداف مواقع عسكرية في مَنطِقة جمرايا.

8 و9 كانون الثاني/يناير 2018

غارة جوِّية

استهداف مستودعات أسلحة تابعة لقوَّات النظام السوري.

7 شباط/فبراير 2018

غارة جوِّية

استهداف مستودع للأسلحة في مَنطِقة جمرايا.

10 شباط/فبراير 2018

غارة جوِّية

استهداف مواقع إيرانية وأخرى تابعة للنظام السوري، بعد سقوط طائرة إف 16 (إسرائيلية).

9 نيسان/أبريل 2018

غارة جوِّية

استهداف قاعدة تيفور العسكرية في محافظة حمص، وكانت الحصيلة 14 قتيلًا بينهم مقاتلون إيرانيون.

29 نيسان/أبريل 2018

غارة جوِّية

استهداف مطار عسكري في حلب، واللواء 47 في حماة، وكانت الحصيلة 26 قتيلًا أغلبهم إيرانيون.

8 أيَّار/مايو 2018

غارة جوِّية

استهداف مستودع أسلحة تابع للقوَّات الإيرانية في مَنطِقة الكُسْوة، وكانت الحصيلة 15 قتيلًا، 8 منهم إيرانيون.

 9 و10 أيَّار/مايو 2018

غارة جوِّية

استهداف عدد من الأهداف العسكرية ردًّا على إطلاق قذائف صاروخية من قبل ميليشيات إيرانية.

14 أيلول/سبتمبر 2018

غارة جوِّية

استهداف مواقع عسكرية، ومعامل تطوير أسلحة كيميائية في حماة وطرطوس.

16 أيلول/سبتمبر 2018

غارة جوِّية

استهداف موقع تابع لإيران بالقرب من مطار دمشق الدولي.

18 أيلول/سبتمبر 2018

غارة جوِّية

استهداف موقع تابع لإيران في اللاذقية.

ويُلاحَظ أنَّ الغارات الإسرائيلية قد زادت بعد اتِّفاق إسرائيل مع موسكو على تأسيس آلية فاعلة للتنسيق المشترك. وإلى جانب هذه الغارات، اتَّجهت إسرائيل إلى استخدام طائرات “الدرون” -أحيانًا- في سبيل استهداف عناصر (داعش) وقادته في المناطق القريبة من حدودها[31].

2ـ حرب الوكالة (العمل الاستخباري):

إلى جانب تحرُّكها العسكري المباشر، قدَّمت إسرائيل دعمًا لفصائل سورية مسلَّحة، للاستفادة منها في تأمين حدودها من خطر الميليشيات الإيرانية[32]. وكان لواء فرسان الجولان أبرز فصيل سوري معارض أقرَّ بالدعم الإسرائيلي، ذلك الدعم الذي شمل الموادَّ الغذائية والعلاج وسلاحًا وراتبًا شهريًّا بلغ      5 آلاف دولار. وقد تنوَّعت الأسلحة المقدَّمة إلَّا إنها بقيت خفيفة، إذ لم تتجاوز البنادقَ الهجومية والرشَّاشات وقاذفات الهاون الخفيفة[33].

وعلى الرغم من نفيها المستمرِّ لهذا الدعم، الذي تزامن مع سيطرة المعارضة السورية على أراضٍ قريبة من الجولان عام 2012، فإنَّ (إسرائيل) بدأت منذ منتصف حزيران/يونيو 2017، بالاعتراف حول تقديم دعمها لبعض الفصائل والقُرى السورية المحاذية لحدودها[34].

وبحسَب ادِّعاء صحيفة تايمز البريطانية، فإنَّ الدعم الإسرائيلي شمل عددًا من عناصر جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام في الوقت الحالي)، فقد تلقَّى عدد منهم العلاج في المستشفيات الإسرائيلية[35].

ويُشار إلى أنَّ الدعم العسكري والمالي الإسرائيلي المقدَّم لبعض الفصائل السورية المعارضة، زادت وتيرته في عام 2013، ليشمل 12 فصيلًا، منهم لواء فرسان الجولان الذي كان يتمركز في بلدة جباتا الخشب في القنيطرة، ويُعدُّ الوسيط الأساسي بين إسرائيل وبقية الفصائل، و(لواء عمر بن الخطاب) الذي تمركز في بلدة بيت جن القريب من جبل الشيخ. وقد توقَّف الدعم المذكور في تمُّوز/يوليو 2018، إذ جرى التوصُّل إلى اتِّفاق مع موسكو[36].

وحول مصير قادة وعناصر وكلاء إسرائيل، فقد لجأ بعضهم إلى إسرائيل، والبعض إلى الأردن، والبعض الآخر إلى تركيا، أمَّا قسم كبير منهم فقد قَبِل المصالحة مع النظام السوري[37].

  • التحرُّك الإنساني:

في إطار سعيها إلى مواصلة الاستفادة من حالة البطش الذي يلقاه الشعب السوري على يد النظام الحاكم، بصفتها دعايةً سياسية تُلمِّع صورتها الإنسانية أمام العالم، مالت إسرائيل إلى تقديم الدعم الإنساني المحدود، الذي شمل عددًا من القُرى السورية القريبة من حدودها.

وانطلاقًا من سعيها إلى إقناع المواطن العربي على وجه الخصوص بإنسانيتها، مقارنةً بأنظمة المَنطِقة وعلى رأسها إيران، مع تصوير ذاتها على أنها حليف للعربي وليست عدوًّا، نشرت إسرائيل عبر حساب الناطق باسم جيشها باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، تحت مسمى “حُسْن الجوار”، أنَّ المساعدات الإسرائيلية تصل إلى 80 قريةً في الجنوب السوري، بما يشمل 200 ألف مواطن سوري، مشيرًا إلى أنَّ إسرائيل قدَّمت خدمة الطبابة لـ 3000 جريح سوري في مستشفياتها، مع العمل على إنشاء مراكز صحِّية في القنيطرة[38]. ولعلَّ نشر أدرعي عددًا من الصور للجرحى السوريين، واستقباله لمعارضين سوريين زاروا هؤلاء الجرحى في المستشفيات الإسرائيلية، خيرُ دليل على سعيها إلى الاستفادة من الحالة في صنع دعاية سياسية.

وكان برنامج “حُسْن الجوار”، الذي كُشف عنه للمرة الأولى في بيان أصدره جيش الاحتلال في 19 تموز/يوليو 2017، قد بدأ العمل عليه بصورة سرِّية منذ شباط/فبراير 2014، واستمرَّ حتى حزيران/يونيو 2016، إذ أُسِّسَت مديرية “حُسْن الجوار” على نحوٍ تابع لقيادة الجبهة الشمالية في جيش الاحتلال[39].

ويُعرِّف جيش الاحتلال مشروع “حُسْن الجوار” على أنه برنامج يهدف إلى خلق علاقات طيِّبة مع السوريين القاطنين على الحدود لدواعٍ أمنية، وتشكيل بيئة غير عدائية لإسرائيل، عن طريق تقديم مساعدات إغاثية وعلاج للجرحى، وَفْقًا لما جاء على الموقع الرسمي لجيش الاحتلال.

أيضًا، تجدر الإشارة إلى أنَّ إسرائيل قد قدَّمت هذه الخدمات كوسيلةً تسعى بها إلى تأسيس حاجز عسكري ومدني لتقدُّم الميليشيات الإيرانية نحوها. ويدلُّ على ذلك محدودية هذه الخدمات وإيقافها بالكامل، مع رفضها لاستقبال لاجئين سوريين أرادوا الانتقال إلى داخل أراضيها، وتخلِّيها عن تقديم أيِّ دعم عسكري للفصائل التي قدَّمت لها الدعم، عَقِب إجرائها اتِّفاقًا مع موسكو يتضمَّن عدم اقتراب الميليشيات الإيرانية من حدودها.

ثالثاً: سيناريوهات المستقبل

 يتَّضح أنَّ التدخل الإسرائيلي في سوريا قد تمحور بصورة أساسية حول الهواجس الامنية، باتِّباع وسائل عدَّة، كان أبرزها التحرُّك الدبلوماسي النشط بالتعاون مع الطرفين الروسي والأمريكي، والعمل العسكري والامني بصيغه المتعددة. وانطلاقًا من هذه المحصِّلة، يمكن توقُّع توجُّهات إسرائيل حيال سوريا على صعيدٍ استراتيجي على النحو التالي:

  • العودة إلى ما قبل عام 2011:

العودة إلى ما قبل عام 2011 تعني الإبقاء على اتِّفاق عام 1974، الذي ضمن لإسرائيل هدوء جيِّدًا على جبهتها الشمالية. كما تعني إقدام إسرائيل على استهداف عدَّة مواقع عسكرية تابعة للنظام السوري والقوَّات الإيرانية على حدٍّ سواء، في حال استشعرت أيَّ خطر استراتيجي ضدَّها.

وعلى الرغم من تزويد موسكو للنظام السوري بمنظومة إس 300 التي تُغطِّي الأجواء السيادية لسوريا ولبنان، فإنَّ إسرائيل -بترسانتها العسكرية التكنولوجية المتطوِّرة- لن تَعْدَم الوسيلةَ في مهاجمة أهدافها من طرف البحر   المتوسِّط خصوصا بعد تزودها بطائرات اف- ٣٥، وقد تركن إلى قواعد الاشتباك التي حدَّدتها مسبقًا بخطوط حمراء بُنِيَت على مبدأ استهداف النفوذ الإيراني في سوريا.

  • اتِّساع نطاق الصراع بما يشمل حوض شرق البحر المتوسِّط:

إنَّ استهداف إسرائيل لموقعٍ يضمُّ قوَّات إيرانية منتصف أيلول/سبتمبر 2018، يأتي -على الأرجح- في إطار الرغبة الإسرائيلية في نقل رسائل مباشرة إلى إيران.

أولى هذه الرسائل مفادها: «تحقيق المصلحة المُطلَقة من خلال إبعاد القوَّات الإيرانية عن الحدود الشمالية، وعودة النظام السوري إلى الحدود وَفْقًا لاتِّفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، ومن ثَمَّ تكون إسرائيل قد ضمنت استمرار سيادتها على الجولان، وإبعاد الخطر عنها. أمَّا اليوم، فقد حان وقت تحقيق المصالح الجزئية القائمة على استهداف النفوذ الإيراني، لا سيَّما مستودعات الأسلحة ومعاملها في جميع أنحاء سوريا»، وتوحي هذه الرسالة المستقاة بأنَّ إسرائيل قد انتقلت إلى المرحلة الثانية من سياستها حيال سوريا، ألا وهي مرحلة تحقيق المصالح الجزئية على المدى البعيد. ويأتي فحوى الرسالة الثانية على صعيد استراتيجي، لا سيَّما في ظلِّ تزامنها مع وجود سفن لـ(الناتو) وبالأخصِّ لفرنسا في حوض شرق البحر المتوسِّط، بالشكل التالي: «لا تبنوا سياسات واسعة في حوض شرق البحر المتوسِّط، فنحن مدعومون فيه من قبل قطبنا الغربي الذي سنقف إلى جانبه، والذي تحاولون مواجهته عبر التمدُّد في مَنطِقة أوراسيا». وتزداد هذه الرسالة تأكيدًا في ظلِّ وجود أنباء روسية عن مشاركة القوَّات الفرنسية في الهجوم على اللاذقية[40].

ويُقدَّر احتياطي حقول الغاز في مَنطِقة حوض شرق البحر المتوسِّط بـ 122 تريليون م3، كما يقدر أن الحوض يحتضن احتياطيًّا من النفط يبلغ تقديريا 107 مليارات برميل، وقد اكتُشِفَت إلى الآن عدَّة حقول في الحوض، من قبيل غزَّة مارين – “أراضي السلطة الفِلَسطينية”، وتمار وليفياثان وتانين وكاريش ورويي – إسرائيل، وأفروديت – قبرص، وظُهر – (مصر). ويُتوقَّع أن يُكتشَف المزيد في حال أقدمت تركيا على التنقيب عن الغاز في محيط قبرص التركية، وفي حال أُنهيَت الأزمة السورية، وبدأت عملية التنقيب في المياه الإقليمية السورية[41].

ويكاد عدم توقيع كلٍّ من سوريا -المدعومة روسيًّا- وتركيا وإسرائيل -المدعومة غربيًّا- على اتِّفاقية الأمم المتَّحدة لقانون البحار، يكون عاملًا يزيد من الخلاف الإقليمي بين الأطراف. إذ يُحدِّد قانون البحار المَنطِقةَ الاقتصادية الخالصة لكلِّ دولة بحدود 200 ميل، وهو ما يحمل في طيَّاته احتمال زيادة حالة من التداخُل بين مناطق دول الإقليم الاقتصادية، التي يصبح تحديدها غير ممكن إلَّا من خلال اتِّفاقاتٍ بين الدول.

دوليًّا، يحاول الاتِّحاد الأوروبِّي التخلُّص من الخطط الروسية المترسِّخة في سياستها الخارجية، والقائمة على هدف التحوُّل إلى مصدر أو مُتحكِّم أساسي بتوريدات الطاقة إلى الاتِّحاد الأوروبِّي، وذلك في سبيل كسب ورقة ضغطٍ دبلوماسية ضدَّه. وفي إطار ذلك، تسعى روسيا إلى تثبيت أقدامها الأمنية والدبلوماسية في عدَّة مناطق جغرافية في المَنطِقة، بواسطة النفوذ الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي، الذي يقوم عبر إتمام مشاريع لتوريد الأسلحة الروسية المتطوِّرة وتوقيع اتِّفاقيات دفاع مشترَك، وإبرام عقود بين الشركات الروسية ودول المَنطِقة[42].

هذه السياسات الروسية الجيوسياسية والجيواقتصادية والجيوأمنية التي باتت تشمل أغلب دول المَنطِقة، كلًّا على نحوٍ مختلف، تُثير حفيظة دول الاتِّحاد الأوروبِّي التي تسعى إلى تنويع مصادر توريد الطاقة، بما يُعفيها من الاعتماد شبه الكامل على الغاز الروسي، إذ يُشكِّل غاز الحوض ونفطه، بديلًا مهمًّا لها، لا سيَّما في ظلِّ قربه الجغرافي. كما تؤثِّر السياسة الروسية المنطلقة من استراتيجية (الأوراسيانية) -التي تعني وصول روسيا إلى أهمِّ أحواض المياه الدافئة الزاخرة بالطاقة، والمُطِلَّة على طرقٍ تجارية دولية هامَّة- في نفوذ حلف (الناتو) البحري، لا سيَّما بريطانيا التي تملك قاعدة عسكرية في جزيرة قبرص، وإيطاليا التي ترمي إلى الاستفادة من أكبر قدر ممكن من امتيازات استخراج النفط عبر شركاتها خصوصًا على السواحل المصرية الليبية المحاذية لها، وإسرائيل التي ترمي إلى إبعاد الشركات الروسية عن المياه الإقليمية لكلٍّ من لبنان وسوريا قدر الإمكان، بهدف التمكُّن من الحصول على حصَّتها من الغاز الطبيعي وإرساله إلى دول الاتِّحاد الأوروبِّي، دون عوائق قد يكون مصدرها روسيا على وجه التحديد، فتطبيق روسيا استراتيجياتها المذكورة تؤثِّر سلبًا في ميزان القُوى القائم لصالح هذه الدول منذ زمنٍ بعيد.

وعن الدور الأمريكي في الحوض، يمكن الإشارة إلى أنَّ واشنطن ترغب -على الأرجح- في اقتطاع حصَّتها، والاستمرار في حماية أمن (إسرائيل)، ممَّا يزيد من احتدام الصراع.

وبهذا التصوُّر للصراع، يُتوقَّع ألَّا يقتصر توجُّه السياسة (الإسرائيلية) الأمنية حيال سوريا، على محيط السيادة الإقليمية لسوريا، بل قد يمتدُّ ليشمل المياه الإقليمية، وما بعدها.

الخاتمة:

 المصالح الإسرائيلية الأمنية في سوريا تقوم على ضرورة عدم منح إيران وميليشياتها فرصةً لتهديد أمنها القومي، وبالأخصِّ حدودها الشمالية مع سوريا، أمَّا المصالح الجيوسياسية فتقوم على ضرورة الحفاظ على سيادتها القائمة على مَنطِقة الجولان، من خلال التعاون المؤقَّت مع فصائل سورية، وإجراء تحرُّك دبلوماسي نشط بواسطة الولايات المتَّحدة، بالإضافة إلى حماية نفوذها ومصالحها الطاقوية في حوض شرق البحر المتوسِّط، على حساب التمدُّد الروسي.

وتحمل المصالح الإسرائيلية في سوريا خاصِّية “المعضِلة الأمنية المستمرَّة” عند الأطراف الأخرى. فاشتراطها، في اتِّفاقها مع موسكو، ضربَ أهدافٍ إيرانية وأخرى تابعة للنظام في سوريا على نحوٍ دائم، في حال شعرت بخطورةٍ على أمنها القومي، يدفع هذين الطرفين إلى النظر في الردِّ عليها بعد إتمام عملية التسوية، واسترجاع النظام سيطرتَه الواسعة. أمَّا تحرُّكاتها المشترَكة مع القطب الغربي في حوض شرق البحر المتوسِّط، الذي يضمُّ جزءًا مهمًّا من المياه الإقليمية لسوريا، فيخلُق حالة تنافس استراتيجي بينها وبين روسيا، التي تحاول رفع مستوى نفوذها الأمني والاقتصادي في الحوض. وهذا ما يوحي باحتمال استمرارية الصراع الإسرائيلي-السوري متعدِّد الأطراف على المدى القريب.

[1] الموقف الإسرائيلي من الثورة السورية ومستجدَّاته، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

https://cutt.us/YYLTb

[2] ماجد كيالي، رؤية إسرائيل للثورة السورية، شبكة جيرون الإعلامي، 7/12/2016.

https://cutt.us/ymhS2

[3]Anthony Shadid, Syrian Elite to Fight Protests to `The End`, The New York Times, Dateof Publication: 10/5/2011.

https://cutt.us/567X0

[4]الموقف الإسرائيلي من الثورة السورية ومستجدَّاته، مصدر سابق.

[5] نتنياهو يعارض ليبرلمان، الغد، 16/2/2012.

https://cutt.us/dhm6K

[6] نتنياهو يعارض ليبرلمان، الغد، 16/2/2012.

[7] الموقف الإسرائيلي من الثورة السورية ومستجدَّاته، مصدر سابق.

[8] وإسرائيل تستنكر مذبحة (الحُولة)، البيان، 30/5/2012.

https://cutt.us/WWcNn

[9] تسلسل زمني للغارات الإسرائيلية على سوريا، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 21/8/2015.

https://cutt.us/QpelI

[10] Ariel Ben Solomon, What is Israel`s Interest in Syria? The Jerusalem Post, 10/9/2013.

https://cutt.us/wuaWY

[11] تلُّ أبيب.. بَدء مشاورات روسية-إسرائيلية حول التنسيق العسكري بشأن سوريا، روسيا اليوم، 16/10/2015.

https://cutt.us/RALh6

[12] تلُّ أبيب.. بَدء مشاورات روسية-إسرائيلية حول التنسيق العسكري بشأن سوريا، روسيا اليوم، 16/10/2015.

https://cutt.us/SMS62

[13] التنسيق بين “إسرائيل” وروسيا في سوريا “على المحك”، المصدر الأساسي: يديعوت أحرونوت، ترجمة وتحرير: تلفزيون سوريا، 11/4/2018.

https://cutt.us/16D7c

[14] تنسيق عسكري بين روسيا وإسرائيل بشأن سوريا، العربية نت، 24/9/2015.

https://cutt.us/APGNG

[15]إسرائيل والوجود الإيراني في سوريا.. فشل وخطوط حمراء، الجزيرة نت، 15/2/2018.

https://cutt.us/YkVlb

[16] مسؤول روسي يؤكِّد التنسيق مع إسرائيل في سوريا، الجزيرة نت، 10/5/2017.

https://cutt.us/znWnG

[17] عدنان أبو عامر، تنسيق إسرائيلي روسي لتأمين الحدود السورية وإخراج إيران، عربي 21، 21/5/2018.

https://cutt.us/CLTT8

[18] التنسيق بين “إسرائيل” وروسيا في سوريا “على المحكّ”، مصدر سابق.

[19] إسرائيل تتحدَّث عن تعزيز التنسيق مع روسيا لشنِّ هجمات جديدة في سوريا، أورينت نيوز، 21/9/2018.

https://cutt.us/VBGfp

[20] مهنَّد الحوراني، “الموك” غرفة العمليات الدولية المشتركة التي تقدِّم الدعم للمعارضة المسلحة المعتدلة، القدس العربي، 27/10/2014.

https://cutt.us/tW9h2

[21]مهنَّد الحوراني، مراسل ميداني في جنوب سوريا، مقابلة هاتفية، 10/10/2018.

[22] بَدء سريان اتِّفاق وقف إطلاق النار جنوب غربي سوريا، بي بي سي نيوز عربي، 9/7/2017.

https://cutt.us/Hk6Eq

[23] موسكو تعلن عن مباحثات بين بوتين وترامب بخصوص سوريا وتعلِّق على تسريبات حول المَنطِقة الجنوبية، السورية، تاريخ النشر: 29/6/2018.

https://cutt.us/LXQHk

[24] تسلسل زمني للغارات الإسرائيلية على سوريا، مصدر سابق.

[25] قوَّات روسية تنتشر على الحدود بين سوريا وإسرائيل في مرتفعات الجولان، يورو نيوز، 3/8/2018.

https://cutt.us/IaToU

[26]علي الأمين، حين تفرض إسرائيل نهاية مَهمَّة ميليشيات إيران في سوريا، أورينت نيوز، 26/6/2018.

https://cutt.us/qR22A

[27]Larry Hanauer, Israel`s Interests and Options in Syria, Rand.

https://cutt.us/TNxRH

[28] Israel Reportedly Strikes Syrian Military Site in Western Syria, Haaretz, 22/7/2018.

https://cutt.us/I9Pai

[29] “عدوان إسرائيلي” على مصياف السورية: الضربة استهدفت “موقعًا عسكريًّا”، النهار، 22/7/2018.

https://cutt.us/bjM7U

[30] تسلسل زمني للغارات الإسرائيلية على سوريا، مصدر سابق.

الهجمات الجوِّية على سوريا، بي بي سي عربي، 24/7/2019.

https://cutt.us/IfSy6

بالفيديو الهجوم الصاروخي على اللاذقية، سكاي نيوز عربية، 18/9/2018.

https://cutt.us/60jv9

هجوم اللاذقية.. صمت إسرائيلي ونفي سوري، الجزيرة نت، 14/7/2013.

https://cutt.us/7USTo

[31] باسل درويش، فورين بوليس: هذه قصَّة برنامج إسرائيل السرِّي لدعم فصائل سورية، عربي 21، 7/9/2018.

https://cutt.us/72i3A

[32]Amos Harel, To Push Iran Back, Israel Ramps Up Support for Syrian Rebels, Arming 7 Different Groups, 21/2/2018.

https://cutt.us/SGFU7

[33] باسل درويش، فورين بوليس: هذه قصَّة برنامج إسرائيل السرِّي لدعم فصائل سورية، مصدر سابق.

[34] Richard Spencer, Gregg Carlstrom, Israel Arms Golan Heights Rebels in Syrian War, The Times, 1/6/2017.

https://cutt.us/xDlZG

[35] IBBI.

[36] باسل درويش، فورين بوليس: هذه قصَّة برنامج إسرائيل السرِّي لدعم فصائل سورية، مصدر سابق.

[37] المصدر السابق.

[38] المصدر السابق.

[39]تسريبات من داخل شبكة “أورينت” تكشف خيوط التعاون مع إسرائيل، العربي الجديد، 7/2/2018.

https://cutt.us/m3h44

[40]هكذا علَّقت إسرائيل على استهداف النظام السوري باللاذقية، عربي 21، 18/9/2018.

https://cutt.us/dy5CX

[41] علي حسين باكير، النزاع على الغاز في شرق المتوسِّط ومخاطر الاشتباك، مركز الجزيرة للدراسات، 22/4/2018.

https://cutt.us/T0VmM

[42] المصدر السابق.

جلال سلمي

باحث دكتوراه في العلاقات الدولية
زر الذهاب إلى الأعلى