السياسات السعودية في اليمن والمآلات  المحتملة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • استمرار السياسات السعودية تجاه اليمن على نفس المسار ليس في صالح المملكة وأمنها واستقرارها، وليس في صالح المنطقة ككل

ستكون الحرب في اليمن قد دخلت عامها السادس في ٢٦ مارس ٢٠٢٠م، الحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية، تحت مسمى التحالف العربي، لدعم الشرعية اليمنية، المنقلب عليها من قبل جماعة الحوثي المدعومة إيرانيا، هذه الحرب التي كان مأمول لها ألا تزيد عن شهرين من الزمان، وفي أقصى حد لها عدة أشهر.

كانت هذه هي الرواية الرسمية، التي يتم تكريسها عن حرب اليمن، كمبرر لتشكيل التحالف العربي في ٢٦ مارس ٢٠١٥م، والقيام بهذه الحرب الخاطفة، الواضحة الأهداف منذ البداية، وهو إسقاط انقلاب مليشيات جماعة الحوثي، واستعادة الشرعية اليمنية المنقلب عليها، لكن طول أمد الحرب كل هذه السنوات الخمس، زاد من تعقيد حالة الحرب في اليمن والمنطقة كلها بل ودخول اليمن في حالة من التشظي الكبير، فضلا عن حالة انكشاف أمني كبير، تعيشه منطقة الخليج كلها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تحديدا.

سنحاول في هذه المقاربة تناول تعقيدات الحرب وأسباب عدم تحقيق أهدافها المعلنة، وكذلك تحولها إلى سلسلة حروب صغيرة داخل الحرب الكبيرة، ولماذا أخفق التحالف في تحقيق انتصار يعكس أهداف المعركة المعلنة، وهل ثمة إمكانية لحسمها عسكريا، وهل غدت هذه الحرب منسية، وما إمكانية نجاح المفاوضات السعودية مع جماعة الحوثي وما موقف الإمارات في كل ما يجري أيضا وموقع الحكومة الشرعية في الأزمة.

السعودية وثورة اليمن                                    

ثمة ضبابية كبيرة جدا فيما يتعلق برؤية المملكة العربية السعودية تجاه اليمن عموما وهي مشكلة تاريخية بالأساس وترتكز على رؤية سعودية متوجسة جدا تجاه اليمن وتجاه أي محاولة يمنية جادة لبناء دولتهم الجمهورية الديمقراطية، فمنذ نشأة المملكة العربية السعودية عام ١٩٣٢ وهي ترى أن أمنها واستقرارها يكمن في وجود يمن ضعيف ومفكك.

فطبيعة العلاقات اليمنية السعودية اتخذت مسارات عدة حكمتها طبيعة النظام السياسي الحاكم في صنعاء في كل مرحلة تاريخية وهو ما أضفى حالة من التذبذب صعودا وهبوطا في مسار هذه العلاقات، إضافة إلى عوامل سياسية وتاريخية، كان لها دور في عدم استقرار هذه العلاقة “.

كان إعلان قيام عاصفة الحزم في ٢٦ مارس ٢٠١٥م، يأمل منها أن تكون بمثابة نقطة تحول و انطلاقة جديدة نحو سياسية سعودية خارجية أكثر استراتيجية وجدية في التعاطي مع الملف اليمني الذي ظلت المملكة تتعاطى معه بريبة وتوجس شديدين كملف أمني ، لكن خمس سنوات من الحرب أثبت عكس ذلك تماما، وهو أن المملكة لا تزال على سياساتها القديمة تجاه اليمن والتي تتلخص في عدم القبول بيمن جمهوري تعددي قوي في حدودها الجنوبية، وأنها تسعى جاهدة لاستمرار اليمن دولة ضعيفة ممزقة يسهل السيطرة والتحكم بها، مع أن مثل هذه المقاربة السعودية أثبت دائما عدم نجاعتها وأن ثمن استمرارها أكثر خطرا على المملكة وأمنها ووجودها الجيوسياسي.

ومع هبوب رياح الربيع العربي ٢٠١١م، وصولا إلى صنعاء، سارعت المملكة بمبادرة سياسية أطلقت عليها بالمبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية والتي اقتضت مغادرة الرئيس السابق علي عبد الله صالح للسلطة وصعود نائبه عبدربه منصور هادي رئيسا لليمن، ومنح صالح حصانة قانونية، وكل هذا لم يكن سوى تكتيك أولي، للالتفاف على ثورة ١١ فبراير اليمنية، والتخلص منها تدريجيا.

بعد ذلك، تم دعم جماعة الحوثي للتمرد والانقلاب على الشرعية اليمنية وبرعاية خليجية إماراتية سعودية غير معلنة، وهو ما جرى وتم فعلا، تحت مبرر التخلص من ثورة ١١ فبراير وضرب حزب الإصلاح وقى ثورة فبراير كلها، وكانت نتائج ذلك كارثية على أمن الخليج واستقرار المنطقة ككل حيث تحول الحوثي إلى جبهة إيرانية، متقدمة في جنوب الجزيرة العربية.

أثبتت خمس سنوات من الحرب، حقيقة ذلك وانكشاف منظومة الأمن القومي للمملكة والمنطقة الخليجية كلها، وبرغم كل ذلك تستمر المملكة في نهج نفس السياسات القديمة التي أوصلتها إلى هذه المرحلة من الانكشاف.

عدا عن ذلك، مثلت السياسة السعودية تجاه اليمن، باعتباره خطرا دائم ومحتمل عليها، مشكلة سعودية دائما، وجاءت ثورات الربيع العربي لتدفع وتعزز هذه القناعة والتوجه السعودي نحو اليمن، وهو ما يضعنا في صورة شديدة الغرابة والتوجس والتناقض السعودي في مسألة الحرب واستعادة الشرعية اليمنية المنقلب عليها.

ومن هنا، بحسب بعض المراقبين، فمسألة الحرب السعودية في اليمن، اتخذت طابعا رماديا  في ظاهره، وواضحا جدا في أهدافه غير المعلنة وهي المتمثلة بإبقاء اليمن ساحة حرب مفتوحة بين اليمنيين، وتخليق حروب صغيرة داخلية تفكك وحدة النسيج المجتمعي والوحدة الجغرافية اليمنية أيضا، هذا في حال غفلنا مسار التفاهمات الجارية والتي قد تصل للاتفاق مع جماعة الحوثي لتقاسم اليمن، شمالا منقسم ومتصارع من نصيب هذه الجماعة، وجنوب منقسم أيضاً و منطقة نفوذ  للإمارات والسعودية معا، وهذا سيكون أسوء سيناريو ممكن توقع حدوثه في جنوب الجزيرة العربية، قد يدفع المنطقة كلها نحو انفجار وحروب طائفية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

ويتضح هذا جليا، في السياسات السعودية المتبعة في اليمن منذ إعلان الحرب في مارس ٢٠١٥ وحتى اللحظة، في أن كل السياسات لم تصب في صالح استعادة الحكومة الشرعية بقدر ما ساهمت في تقوية الانقلاب الحوثي وتخليق حالة مليشوية في المشهد اليمني كله شمالا وجنوبا، فعملوا على دعم فصائل مسلحة خارج إطار مؤسسات الشرعية اليمنية كفصائل ما يسمى بالأحزمة الأمنية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيا، وما يسمى بفصائل المقاومة الوطنية، في الساحل الغربي والمدعومة إماراتيا أيضا، فضلا عن الفصائل والألوية السلفية في الحد الجنوبي السعودي.

مسار التفاهمات الجارية والتي قد تصل للاتفاق مع جماعة الحوثي لتقاسم اليمن، شمالا منقسم ومتصارع من نصيب هذه الجماعة، وجنوب منقسم أيضاً و منطقة نفوذ  للإمارات والسعودية معا، وهذا سيكون أسوء سيناريو ممكن توقع حدوثه في جنوب الجزيرة العربية، قد يدفع المنطقة كلها نحو انفجار وحروب طائفية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

عدا عن هذا كله، لم يسمح للحكومة اليمنية الشرعية من العودة إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتم الانقلاب عليها عسكريا مرتين، أخره انقلاب أغسطس ٢٠١٩م، ولم يسمح لها بتحمل مسؤولياتها، في إدارة شؤونها ومواطنيها، على كل مطاراتها وموانئها ومنافذها ومؤسساتها الإرادية والسيادية، مما أضعف دورها وحولها إلى أضعف الأطراف، في المشهد السياسي اليمني الراهن، وكل ذلك صب في صالح الفصائل المعارضة لها جنوبا وشمالا، مما يعني أن الشرعية المدعومة سعوديا اليوم هي أضعف الأطراف الموجودة في أي تفاهمات سياسية قادمة.

التفاهمات السعودية ـ الحوثية       

لم تعد مسألة وجود مباحثات سرية سعودية مع جماعة الحوثي مجرد تكهنات وشائعات فقد صرح أكثر من مسؤول في الجانبين عن وجود مثل هذه المباحثات والتي دشنت منذ عام ٢٠١٦م في ظهران الجنوب السعودية، حيث جرت مباحثات سعودية مع جماعة الحوثي حينها تمخضت عن تفاهمات حول كثير من المواضيع فيما يتعلق بالأسرى والوضع في الحدود، لكن مصير تلك التفاهمات لم يتم تنفيذها، لكنها كانت مقدمة لتفاهمات تتم حاليا، بوساطة عمانية وبضغط أمريكي أوروبي أيضا.

و فقاً لمصادر مطلعة فإن ما يدفع بالسعودية للمضي نحو هذه التفاهمات هي العمليات العسكرية النوعية التي تبناها الحوثيون على الأقل كعملية ضرب خزانات أرامكو في بقيق منتصف ٢٠١٩ والتي تحدثت تقارير غربية عن أنها تمت بمسيرات إيرانية بحسب تصريح لوزير الخارجية الأمريكية مايكل بومبيو.

وتشير تلك المصادر، إلىى أن اشتداد  الهجمات المسيرة والصاروخية التي تتبنى جماعة الحوثي القيام بها، في العمق السعودي، شكلت ضغطا كبيرا على الجانب السعودي للجلوس مع جماعة الحوثي، خاصة في ظل الضعف الذي آلت إليه الحكومة الشرعية نتيجة السياسات الإماراتية والسعودية التي عملت على تقويض قوة الشرعية لحساب جماعات ومليشيات متمردة عليها.

بيد أن، مثل هذه الاستراتيجية، التي لا تتسق مع أهداف قيام التحالف العربي، ولا حتى مع مصالح الآمن القومي للمملكة والخليج عموما، لكنها تمضي على تبني مخاوف مزعومة، فيما يتعلق بمواجهة خطر الإخوان المسلمين، الذين يصنفونهم كجماعة إرهابية، وهم أي حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي أعلن أكثر من مرة عن عدم وجود أي علاقة لها بجماعة الإخوان، وهو أي الإصلاح من يشكل اليوم العمود الفقري في معركة مواجهة انقلاب جماعة الحوثي المدعومة إيرانيا في اليمن.

كل هذه التناقضات، التي تبرز في صراع كل هذه الأطراف في اليمن، تسهم في تشتيت الجهود وتبديد الإمكانيات التي لو تم توفيرها مع وضوح الرؤية والهدف، ربما لشكلت فارقا وحققت انتصارا ضد الانقلاب منذ الشهر الأول لإعلان قيام عاصفة الحزم ، ولكن للأسف ما جرى هو أن هذه التناقضات كلها صبت في صالح جماعة الحوثي، التي تحولت اليوم إلى طرف قوي وفاعل على المسرح اليمني، بعد خمس سنوات من الحرب، ولا يمكن تجاوزها في ظل هكذا سياسات، وهو ما أضطر الجانب السعودي للسعي للتفاوض والتفاهم مع هذه الجماعة تحت مبرر ووهم إمكانية فصلها عن إيران، وهو ما لا يمكن أن يتحقق مطلقا في ظل القبضة الإيرانية على كل مفاصل القرار داخل هذه الجماعة.

ومع ذلك يستمر الجانب السعودي، في مشاوراته مع جماعة الحوثي بوساطة عمانية متواصلة، تكللت بزيارتين متتاليتين لنائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان للسلطنة، باعتبار الأمير خالد هو الممسك بالملف اليمني في هذه المرحلة، ولم يتم تسريب أي شيء عن مضمون تلك المباحثات.

بيد أن ما يظهر على السطح يشي ببعض تلك التفاهمات من قبيل وقف الهجمات الصاروخية على المملكة، وتوقيف الضربات الجوية لطيران التحالف ضد أهداف لجماعة الحوثي، عدا عن توقيف الدعم والإسناد بل وتجميد القرار العسكري للشرعية اليمنية، وإبقائه في يد الجانب السعودي، وهو ما تجلي بالتراجع الكبير للجيش الوطني في مديرية نهم شرق صنعاء، وصولا حتى مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف المحاذية للمملكة العربية السعودية التي دخلها الحوثيون مؤخرا يوم ٢ مارس الجاري في مؤشر خطير يعكس تفاهمات سعودية حوثية.

الإمارات العربية المتحدة ودورها في هذه اللحظة

يرى مراقبون للشأن اليمني، أن المستفيد الوحيد من الوضع الراهن في اليمن هي الإمارات، التي تمكنت من السيطرة على كثير من الموانئ والمطارات والجزر اليمنية، على امتداد السواحل اليمنية في البحرين العربي والأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وأن كل هذا التمدد والنفوذ جاء على حساب الدولة اليمنية الشرعية، التي تناصبها الإمارات العداء، عدا عن أنه أتى على حساب النفوذ السعودي التاريخي في اليمن.

يتساءل البعض كيف ذلك والإمارات قد أعلنت أصلا أكثر من مرة انسحابها من اليمن، وهذا ما يثير الكثير من التساؤلات، حول ذلك الإعلان، ولماذا لا تزال الإمارات في ذات الوقت، هي المسيطرة تماما على الوضع في عدن من خلال الفصائل المسلحة، التي دربتها وسلحتها والتي  يقدّر عددها ما يقارب تسعين ألف وفقاً  لأحد ضباط الإماراتيين.

تتحرك الإمارات في فراغ كبير لتراجع الدور السعودي وديناميكياته في اليمن، ويتجلى هذا التراجع في إضعاف السياسات السعودية للحكومة الشرعية اليمنية، حليفها الاستراتيجي المفترض يمنيا ، ممثلا بالحكومة المعترف بها دوليا، والتي تعاني كثيرا في عدم قدرتها في إدارة شؤونها، نتيجة المنع لعودتها إلى الداخل اليمني وكذلك إنشاء مؤسسات بديلة عنها في المناطق المحررة جنوبا، شمالا، وهو ما ساهم بتمدد الإمارات في فراغ كبير تحت عنوان ما أطلق عليها بالمجلس الانتقالي الجنوبي وميليشياته التابعة له والممولة إماراتيا جنوبا وما تسمى بالمقاومة الوطنية وحراس الجمهورية شمالا.

ليس هذا فحسب فما تقوم به الإمارات باليمن، خصوصاَ بعد ضرب المنشأت الحيوية السعودية في بقيق، التواصل مع الجانب الإيراني وإجراء تفاهمات معه وتمثل ذلك بالزيارة التي قام بها عدد من الضباط الإماراتيين لإيران، في ٣ يونيو ٢٠١٩م، وصرح بذلك، سالم الزعابي مدير إدارة التعاون الأمني في الخارجية الإمارتية، تحت مبرر بحث التنسيق الأمني لخفر السواحل بين البلدين، هذا عدا عن مسألة استمرار الإمارات كأكبر شريك تجاري خليجي لإيران يتراوح ميزان التبادل التجاري بينهما العشرين مليار دولار.

ومن خلال متابعة ما تقوم به الإمارات في اليمن فقد وصل مرحلة تتصرف به الإمارات أشبه بقوات احتلال، من خلال ممارساتها فيما يتعلق السجون السرية، والتحكم الموانئ والمطارات والمنافذ، ومنع الحكومة الشرعية من العودة للداخل، فضلا عن إسهامها في تشكيل فصائل مسلحة خارج مؤسسات الدولة اليمنية الأمنية والعسكرية وتشتيت جهود المعركة الوطنية اليمنية لدحر الانقلاب والإسهام في تقويته وتثبيته.

وهنا يأتي سؤال أخر حول، هل ثمة خلاف سعودي إماراتي حول هذه الممارسات والسياسات الإماراتية في اليمن،أم أنه يأتي في سياق تبادل الأدوار، أم أنه خلاف في التكتيكات دون أن يلغي  وحدة الأهداف الإستراتيجية، وهل من الممكن أن يتطور خلافات إن وجدت إلى مواجه مباشرة بين الحليفين، الأرجح وفقاً للمعطيات المتوفرة  لا يوجد خلاف جوهري بين الطرفين وإنما ثمة تكامل ولعب أدوار واضحة بين الطرفين، وقد لا يكون تكامل متفق عليه، بقدر ما يكون تكامل الضرورة واللحظة، وهذا ما جرى في جزيرة سقطرى وعدن.

عدا عن ذلك، استطاعت الإمارات عن طريق علاقتها بإيران بالتهدئة مع جماعة الحوثي، والتوافق معها حول نقاط عدة في الملف اليمني منها، العداء المشترك للتجمع اليمني للإصلاح والشرعية اليمنية، خطوط تواصل مع المجلس الانتقالي الجنوبي، ظهر جليا من خلال تهريب الأسلحة مرورا بمناطق سيطرة المجلس فضلا عن الإنقلاب على الحكومة الشرعية في عدن، ورفض عودتها، وكل هذا على حساب المملكة العربية السعودية ونفوذها في اليمن.

الحكومة الشرعية والسعودية

تكمن مشكلة الحكومة اليمنية الشرعية، أنها رمت بكل ثقلها وأوراقها في يد المملكة العربية السعودية، وطال أمد بقائها في الخارج، راضخة لإماءات المملكة وسياساتها التي لم تكن في كثير من الأحيان في صالح عودة الحكومة الشرعية وإنما ساهمت في إضعافها وبقائها بعيدة عن الداخل اليمني، ومع هذا لا يمكن تحميل السياسات السعودية كل نتائج كل هذا الفشل الذي تعيشه الحكومة اليمنية الشرعية، فهي المسؤول الأول والأخير أمام اليمنيين، الذين منحوها ثقتهم، وهي وحدها من بيدها أن تقف كل هذا العبث في اليمن، من حروب وصراعات وأزمات متفاقمة على كل المستويات.

إذا ظلت قواعد السياسة السعودية لليمن تمضى على نفس المسار، فإن مصير المملكة ينتظره مستقبل قاتم ، يتهدد وجودها وكيانها السياسي، في ظل ما باتت تعيشه المملكة من حالة انكشاف أمني كبير، بفعل التهديدات التي يمثلها مليشيات الحوثي في اليمن جنوباً، والحشد الشعبي في العراق شمالاً

يُرجع بعض المصادر القريبة من الحكومة الشرعية، إلى أن السبب الجوهري، وراء كل هذا الفشل والتراجع في شعبية الحكومة الشرعية، إلى طاقمها وإدارتها التي سلمت كل قرارها للخارج، ورهنت كل تحركاتها وفقا لإملاءات السعودية والإمارات، فضلا عن ذلك وهو الأخطر، هو حجم الفساد المهول الذي تمارسه هذا الحكومة في كل المستويات من قرارات تعين وصفقات تجارية مشبوهة بملايين الدولارات وتصب كلها في صالح شخصيات نافذة مقربة من الرئيس هادي ومسؤوليه ومستشاريه.

ويأتي كل هذا على حساب تضحيات الجيش الوطني، والمقاومة في الداخل، التي تدير حربا كبيرة دون قيادة موحدة ولا غرفة عمليات مشتركة، على عكس ما تسمى بمليشيات الحوثي التي ورثت تركة كبيرة من ترسانة الجيش اليمني السابق، فضلا عن وجود خبراء عسكريين إيرانيين، يديرون ويخططون لهذه المليشيات، فيما في المقابل يقاتل الجيش الوطني التابع للشرعية الذي تم إعادة بنائه من الصفر، دون أي عتاد نوعي ولا سلاح ثقيل ولا طيران ولا أدنى شروط الحرب التي تؤهله لكسب المعركة وأن كل ما لديه هي أسلحة خفيفة للدفاع عن النفس أكثر منها للهجوم والتقدم.

في المحصلة، لقد ساهم ضعف الحكومة الشرعية بشكل كبير، في طول أمد المعركة، لانعدام الكفاءة وغياب الرؤية والخيال السياسي، وسوء الإدارة والفساد الحاصل، وتسليم قرارها الوطني ورهنه للمملكة، عدا عن صراعات الاجنحة والمصالح داخل مؤسسات الحكومة الشرعية، و من خلال كل هذه التناقضات استطاعت الإمارات والمملكة و كذلك جماعة الحوثي من تحقيق أهدافهم وتمريرها على حساب الحكومة الشرعية الطرف الأضعف في المعادلة السياسية اليمنية الراهنة، المطالبة اليوم بتلافي مشاكلها و إصلاح مسارها وأدائها حتى تخرج من حالة التيه الذي قربها من مرحلة التلاشي وإسدال الستار عليها من قبل الجميع .

الخلاصة:

استمرار السياسات السعودية على نفس المسار السابق دون تغييرها وتصحيح مسارها، سياسيا وعسكريا واقتصاديا أيضا، تجاه اليمن، قطعا ليس في صالح المملكة وأمنها واستقرارها، وليس في صالح المنطقة كلها، لأن هذه السياسات أتت بنتائج عكسية لصالح مشروع إيران في المنطقة، و لصالح جماعة الحوثي الانقلابية، والتي بعد خمس سنوات من الحرب، أصبحت أكثر قوة وقدرة، على البقاء كطرف لا يمكن تجاوزه بفعل سياسات المملكة، التي أفرغت الحكومة الشرعية وجيشها الوطني من قوته وقدراته التي لو تمت في ظل سياسات دقيقة وواضحة لكانت اليوم قد تحررت اليمن باكرا.

لقد ارتكبت السياسات السعودية في اليمن خطأ كبيرا متمثلة بعدم تغيير نظرتها لليمن طوال نصف قرن من الزمن، وكانت نتيجة هذه السياسات، ما نراه اليوم من سقوط اليمن، فريسة سهلة في يد مليشيات مدعومة إيرانيا، تلك المليشيات التي باتت تتحكم بمصير دول عربية كبيرة كالعراق شمالا واليمن جنوبا، وهو ما يشكل خطرا وجوديا للمملكة التي تراجع دورها ونفوذها ومكانتها كثيرا، لصالح دولة صغيرة وحديثة النشأة والتأسيس كالإمارات العربية المتحدة خليجيا، وإيران ومليشياتها أقليميا.

وإذا ظلت قواعد السياسة السعودية لليمن تمضى على نفس المسار، فإن مصير المملكة ينتظره مستقبل قاتم ، يتهدد وجودها وكيانها السياسي، في ظل ما باتت تعيشه المملكة من حالة انكشاف أمني كبير، بفعل التهديدات التي يمثلها مليشيات الحوثي في اليمن جنوباً، والحشد الشعبي في العراق شمالاً، وهي في الواقع مليشيات تتلقى تعليماتها من  الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يؤكد حقيقة عدم إمكانية فصل الحوثين في اليمن عن المشروع الإيراني، وتوهم مثل هذا الافتراض وعدم تحققه، ومن ثم فشل أي مباحثات يمكن أن تجري بين المملكة وجماعة الحوثي مستقبلا .

المادة تعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة أن تعبر عن وجهة نظر منتدى السياسات العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى