السودان: الاقتصاد في الواجهة

د. خالد التيجاني

خبير في الشؤون السياسية السودانية

اقرأ في هذا المقال

  • ما يزيد من تعقيدات توجهات الحكومة الانتقالية الاقتصادية، أنها تبنّت سياسات التحرير الاقتصادي دون أي سند أو دعم دولي يساعدها على تخفيف آثارها. بل وللمفارقة، فقد اشتُرط عليها -للحصول على أي دعم خارجي- أن تثبت قدرتها على إنجاز هذه الإصلاحات القاسية بمفردها

كان الحَراك الشعبي السوداني المعروف بـ(ثورة كانون الأول/ديسمبر 2018)، الذي انطلق بمظاهرات احتجاجية في عدة مدن، واستمر لأربعة أشهر حتى نجح في الإطاحة بحكم الرئيس السابق عمر البشير في 11 نيسان/أبريل 2019، هو الأخير في سلسلة احتجاجات شعبية تزايدت وتيرتها منذ العام 2012. وقد كان المحرك الأساس هو الأوضاع الاقتصادية التي أخذت في التردي المتسارع على خلفية انتهاء الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل، التي أُبرمت في العام 2005 بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتحرير السودان، وقادت التمرد المسلح في جنوب السودان منذ العام 1983، بإجراء استفتاء على تقرير مصير جنوب السودان، صوّت فيه مواطنوه لصالح استقلاله. ولم يكن انفصال الجنوب مجرد حدث سياسي أدى إلى تقسيم البلاد فحسب، بل ترتبت عليه بشكل خاص تبعات اقتصادية بالغة التأثير.

فقد فقدت الحكومة المركزية ثلثي احتياطياتها من النفط إذ ذهبت لصالح الدولة الوليدة، حيث توجد معظم الحقول النفطية التي تأسست عليها صناعة النفط منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين صار السودان منتجًا ومصدّرًا للنفط، الذي أصبح رافعة اقتصاده الأساسية طَوال العقد الأول من الألفية الثالثة، إذ كان يوفر نحو 60% من إيرادات الخزينة العامة، و90% من صادرات البلاد. وأدَّى فقدان الحكومة لهذا المورد الحيوي إلى اختلالات بالغة التعقيد في المعادلات الاقتصادية، خاصة في ظل إخفاق الحكومة في استثمار عائدات الفورة النفطية في تطوير الموارد الطبيعية المتجددة التي يزخر بها السودان، والاعتماد على ريع مورد وحيد نضب سريعًا هذه المرة، بفعل الخِيارات السياسية.

وكان لتقسيم السودان -العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبله منذ استقلال البلاد في العام 1956- عواقب وخيمة على الطرفين، البلد الأم والدولة الوليدة معًا، ذلك أن شعار «بلدان في سلام خير من بلد واحد في حرب» قد انتهى إلى أن فقد السودان وَحدته، دون أن يتحقق السلام المنشود. فسرعان ما دخل البلدان في حرب في العام 2012، كانت نتيجتها تدمير منشآت الصناعة النفطية الأساسية القريبة من الحدود، وتوقف تدفق النفط، ليزيد ذلك من تعقيد الأوضاع الاقتصادية في البلدين، فضلًا عن استمرار الحروب الأهلية الداخلية المدعومة من كل دولة للمتمردين على حكومة البلد الآخر، زيادةً على الآثار الإنسانية الباهظة على المواطنين، بفقدان الأرواح والنزوح.

وقد سبّب هذا اختلال جميع مؤشرات الاقتصاد الكلي، فظلّت معدلات التضخم تسجل واحدةً من أعلى النسب على مستوى العالم، وصارت العملة الوطنية تفقد قيمتها الشرائية بوتيرة متسارعة. إلى درجة أن الجنيه السوداني فقد خمسة وأربعين ضعفًا من قيمته في السنوات التسع الماضية، فسجّل الميزان التجاري عجزًا بمتوسط خمس مليارات دولار سنويًّا، وتزايد عجز الميزان الداخلي مع ارتفاع معدلات الاستدانة والتمويل بالعجز من البنك المركزي. هذا إضافة إلى استفحال الفساد المؤسسي، وسيطرة الحزب الحاكم السابق ومنسوبيه على الفرص الاقتصادية، واستحواذ الأجهزة النظامية على أنشطة اقتصادية حيوية، إلى أن فقدت وزارة المالية الولاية على المال العام وإدارة الاقتصاد الوطني، وسادت تلك الهيمنة الموازية مواردَ الدولة، على الرغم من تبني الحكومة رسميًّا لسياسة التحرير الاقتصادي.

بيد أن مأزق الاقتصاد السوداني لم يتفاقم جراء هذه العوامل الداخلية فقط، فقد كان للعوامل الخارجية أيضًا تأثيرات بالغة في تعقيد الأوضاع الاقتصادية، أهمها على الإطلاق العقوبات الاقتصادية المفروضة بشكل أحادي على البلاد منذ العام 1997 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت قد أدرجت السودان في لائحتها للدول الراعية للإرهاب منذ العام 1993. هذا إضافةً إلى العقوبات الصادرة بأوامر تنفيذية من الرئيس بيل كلينتون، ثم الرئيس جورج بوش الابن، فقد فُرضت على السودان أيضًا عقوبات اقتصادية بموجب تشريعات صادرة من الكونغرس على خلفية آثار حرب دارفور، والصراع في جنوب السودان، وكانت النتيجة المباشرة لتلك العقوبات منع السودان من تطبيع علاقاته مع مؤسسات التمويل الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبنك التنمية الإفريقي، وحرمانه من الاستفادة من مبادرة الدول الأكثر مديونية لإعفاء ديونه التي تراكمت أصولها وفوائدها ومتأخراتها العقابية -للإخفاق في تسديدها- حتى بلغت ستين مليار دولار.

كما تمنع التشريعات الأمريكية ممثلي الولايات المتحدة، في مؤسسات التمويل الدولية التي تحظى فيها بصوت مرجّح، من التصويت لصالح أيِّ دولة مدرجة في لائحة الإرهاب من أيِّ تسهيلات أو مساعدات مالية أو اقتصادية، وامتد تأثيرها إلى فرض حظر مصرفي على السودان، بسبب فرض واشنطن عقوبات وغرامات بمليارات الدولارات على مؤسسات مصرفية تعاملت معه. ولم يغير من الأمر شيئًا الرفع الجزئي للعقوبات عن السودان، الذي أصدره الرئيس باراك أوباما قبيل أيام من مغادرته البيت الأبيض في مطلع العام 2017، وأكده الرئيس دونالد ترامب بعد ذلك ببضعة أشهر، بسبب استمرار المعضلة الأساسية باقيةً، وهي إدراجه في لائحة الدول الراعية للإرهاب. ولحق ذلك تشريعات الكونغرس الأخرى، بكل تبعاتها.

حكومة التغيير ترث تركة اقتصادية ثقيلة:

وجدت الحكومة الانتقالية المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور إبراهيم البدوي -وكلاهما اقتصاديان مرموقان عملا خلال العقود الثلاثة الماضية في مؤسسات اقتصادية دولية- وضعًا اقتصاديًّا في حالة متردية للغاية. وكانت قد ورثت كل الاختلالات الهيكلية التي نخرت عظم الاقتصاد السوداني بكل تعقيداتها وتبعاتها، الداخلية والخارجية، وفي ظل وضع سياسي هش لا يزال يتلمس طريقه، وسط اضطراب لم يُنهِه سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وترتيبات فترة انتقالية لإدارة البلاد لثلاث سنوات بشراكة بين العسكريين والمدنيين، فرضتها توازنات القُوى المحلية وتدخلات أطراف خارجية متنافسة.

وعلى الرغم من الأولوية التي تضمّنها برنامج الحكومة الانتقالية لمسألتي إيقاف النزاعات المسلحة في مناطق متعددة من القطر، والاهتمام الذي يحظى به الملف الاقتصادي عند رئيس الحكومة ووزير ماليته، فإن الوضع الاقتصادي -بعد مرور نحو خمسة أشهر من تشكيل الحكومة- لا يزال خارج السيطرة، مع تزايد مصاعب الأحوال المعيشية للمواطنين، وعدم القدرة على الإحاطة بالإرث الثقيل الذي خلّفه النظام السابق، في ظل تباطؤ تجاوب المجتمع الدولي مع جهود السلطات في هذا الصدد.

وباستثناء دعم مشترك قدمته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بنحو ثلاثة مليارات دولار منذ منتصف العام الماضي، أُنفق نصفها حتى الآن، فليست هناك مساعدات منظورة في المدى القريب. فيما تُواجَه موازنة العام الجديد بجملة تحديات حاسمة، مما يجعل البلاد خلال الأشهر القليلة المقبلة مواجَهةً بخطر انهيار اقتصادي.

صراع على توجهات الحكومة الانتقالية:

على الرغم من أن الحكومة الانتقالية كانت قد اختيرت بواسطة قُوى الحرية والتغيير -وهو ائتلاف يضم عددًا من التحالفات السياسية المعارضة للنظام السابق، تولى قيادة الحراك الشعبي الذي أطاح بحكم الرئيس السابق عمر البشير- فإن جدلًا واسعًا رافق الإعداد لمشروع الموازنة العامّ للبلاد للعام 2020، أظهر تباينًا كبيرًا في التوجهات الاقتصادية بين الحكومة الانتقالية وقُوى الحرية والتغيير، حاضنتها السياسية (التحالف الحاكم). فقد اعترضت اللجنة الاقتصادية بالمجلس المركزي لقُوى الحرية والتغيير، على مشروع الموازنة الذي قدمه وزير المالية والتخطيط الاقتصادي إبراهيم البدوي، وفي ظل خلاف محتدم بين الطرفين، رأى البدوي أن يُعرض على مجلس الوزراء وعلى الرأي العام سيناريوهان لمشروع الموازنة، فيكون الأول وَفق ما أعدته وزارة المالية، والآخر معبّرًا عن لجنة الائتلاف الحاكم، في سابقة هي الأولى من نوعها: أن يكون هناك مشروعان للموازنة يستندان إلى فرْضيات متباينة.

هذا قد وتقدمت لجنة الائتلاف الحاكم الاقتصادية بمذكرة لرئيس الوزراء حمدوك تبيّن فيها اعتراضاتها على مشروع الموازنة المقدم من وزارة المالية، ووسط جدل محتدم، عُهد إلى اللجنة محاولة التوفيق بين الطرحين. وتحت ضغط نفاد الوقت المقرر لإعلان الموازنة قبيل نهاية العام، أُجّل اتخاذ قرار حاسم حول التوجهات الاقتصادية للحكومة الانتقالية إلى ثلاثة أشهر، وجُمّد تنفيذ سياسات الوزارة المضمنة في مشروع الموازنة، إلى حين عقد مؤتمر اقتصادي قبيل نهاية شهر آذار/مارس المقبل.

الحكومة تتبنى سياسات التحرير الاقتصادي:

يرى وزير المالية إبراهيم البدوي أن أول موازنة للحكومة الانتقالية مصيرية لمستقبل البلاد السياسي والاقتصادي، وتمثل بداية مرحلة جديدة ضمن مشروع إعادة بناء الدولة السودانية، تتجاوز فيه إرث ثلاثة عقود للنظام المعزول من سوء الإدارة والفساد والإفقار الممنهج، وتبعًا لذلك، فإنها يجب أن تؤسس لتحولات سياسية واقتصادية جذرية، سعيًا إلى تحقيق المضامين الاقتصادية لشعار الثورة: «حرية.. سلام.. وعدالة». كذلك رأى أنها يجب أن تحقِّق تجسيدًا فعليًّا لعقد اجتماعي جديد، ينطلق من رؤية سودانية تستهدي بمنهج علمي مدروس، يأخذ في الحسبان التجارِب الدولية الناجحة، الملائمة للأوضاع السائدة في الاقتصاد السوداني. وقد دعا إلى أن يواكب إعدادَ الموازنة حوار مجتمعي حول اجتهادات ورؤًى متعددة، وصولًا إلى بلورة توافق وطني عريض حول الأهداف والسياسات والبرامج، وتعبئة الموارد وتخصيصها.

كما يتبنى وزير المالية رؤية للإصلاح الاقتصادي، تستند إلى سياسة التحرير الاقتصادي وبرامج الإصلاح الهيكلي، التي تشكّل لبّ سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في ما يتعلق بمكافحة الفقر وبرامج الحماية الاجتماعية. وينطلق البدوي -شأنه في ذلك شأن رئيس الوزراء حمدوك- من أن معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوداني لا يمكن حدوثها دون تحرير البلاد من ربقة الديون والمتأخرات الثقيلة، حتى تتمكن من الحصول على الاستثمارات والمنح والقروض الميسرة من مؤسسات التمويل العالمية والإقليمية، وهو ما يتطلب -بالضرورة- تطبيع علاقات السودان مع هذه المؤسسات.

والمدخل لذلك يتحقق بالدخول في تفاوض مع صندوق النقد الدولي، للاتفاق على برنامج للإصلاح الاقتصادي -وفق خارطة طريق وجدول زمني، حتى تحقيق هدف إعادة التأهيل- يبدأ بمفاوضات مع بعثة الصندوق للسودان، ويخضع للمراقبة في نيسان/أبريل 2020 لمدة ستة أشهر. يتبع ذلك تقويم مجلس مديري الصندوق التنفيذيين لأداء السودان، والوصول إلى «نقطة اتخاذ القرار» خلال النصف الأول من العام المقبل. وفي حالة اتخاذ قرار إيجابي، تبدأ بعد ذلك عملية إعفاء ديون السودان الخارجية البالغة نحو ستين مليار دولار، وتفعيل الآلية التلقائية لسداد متأخرات ديون البنك الدولي المقدرة بـ123 مليار دولار، وبنك التنمية الإفريقي البالغة 370 مليون دولار. في حين تتبقى متأخرات ديون صندوق النقد الدولي البالغة 41مليار دولار -التي يتوجب دفعها لعدم خضوعها للآلية التلقائية في حالتي البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي-لاستئناف التعامل مع السودان، قبل حل قضية الديون بشكل جذري.

وقد كانت أكثر الجوانب إثارة للجدل في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي قدمه وزير المالية، متعلقةً بتبنيه لسياسة التحرير الاقتصادي ركيزةً أساسية، والشروع في تنفيذ متطلبات ذلك بالكامل ضمن محدّدات الموازنة، وَفق مصفوفة تنفيذ متدرجة تبدأ خلال هذا العام، على أن يكتمل بحلول منتصف العام القادم تحرير أسعار السلع الاستراتيجية والخدمات المدعومة حاليًّا، لا سيما المحروقات. ويشمل ذلك تحرير سعر صرف العملة الوطنية بدلًا من سياسة سعر الصرف المرن المُدار السارية حاليًّا، إذ يبلغ سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية في السوق الموازي ضعف السعر الرسمي.

وترتكز الموازنة على برنامج لمخاطبة أهداف التنمية المستدامة، من خلال مضاعفة الصرف الفعلي على قطاعات الصحة والتعليم، إلى جانب توسيع مظلة برامج شبكة الحماية الاجتماعية، من خلال آليات مثل التحول إلى الدعم النقدي المباشر للفئات الفقيرة -تعويضًا عن رفع الدعم عن السلع والخدمات- وتوسيع مظلة التأمين الصحي. ويرى وزير المالية أن برامج الحماية الاجتماعية سيكون لها دور مؤثر في مسار تحقيق الاستقرار الكلي، وإعادة دمج السودان في المنظومة الاقتصادية العالمية، بصفتها من أهم أدوات محاربة الفقر -المقدر بنسبة 65% من السكان- وتحقيق العدالة الاقتصادية، وتهيئة المَناخ المناسب لحزمة الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي.

وتتوقع وزارة المالية بناءً على تنفيذ هذه الحزمة من السياسات والإجراءات، أن تفتح آفاقًا واسعة أمام إعادة تأهيل السودان لتطبيع علاقاته مع مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية، وإعادة دمج اقتصاده في المنظومة العالمية. ويكون هذا من خلال حصوله على إعفاء أو تخفيض حقيقي في ديونه الخارجية، والحصول على دعم مباشر لسد عجز الموازنة، بمنحة من وكالة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي بنحو مليار دولار سنويًّا، والحصول على قروض ميسرة لمشاريع تنموية وبرامج شراكات استثمارية مع القطاع الخاص والأجنبي، بواسطة مؤسسة التمويل الدولية، التابعة للبنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي وصناديق التنمية العربية.

 قُوى الحرية والتغيير تعارض توجهات الحكومة:

سارعت قُوى الحرية والتغيير -الحاضن السياسي للحكومة الانتقالية- إلى إعلان رفضها لمشروع الموازنة بعد التداول حوله مع الوزير، ورفعت مذكرة لرئيس الوزراء تصف فيها الموازنة بأنها «لا تعبّر عن برنامج قُوى الحرية والتغيير والوثيقة الدستورية والبرنامج الإسعافي، ولا عن طموحات وتوقعات الشعب السوداني» بعد الثورة. ويتمحور اعتراضها بشكل أساسي على توجه الحكومة نحو تبني سياسة التحرير الاقتصادي، وترى أنها بعيدة كل البعد عن الإطار العام للسياسات البديلة التي قدمتها قُوى الحرية والتغيير للحكومة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأنها محبطة لـ«توقعات الشعب بأن تكون موازنة 2020 بداية لتخفيف أعباء المعيشة، وتخفيض الأسعار». كما رأت أن سياسات الموازنة ستؤدي إلى انهيار القيمة الشرائية للجنيه السوداني، وستضاعف معدلات التضخم، وترفع من أسعار السلع والخدمات. وأضافت إلى ذلك أن إيرادات الموازنة تعتمد على توقعات بالحصول على دعم ومساعدات من الخارج لتمويل مصروفاتها، بدلًا من تعبئة الموارد المحلية واستنفار الشعب.

وقد قدمت جملة مقترحات بديلة، كـ«توجيه نداء إلى الشعب للتبرع لدعم إيرادات الموازنة، ودعوة المغتربين السودانيين إلى تمويل البنك المركزي بالعملات الحرة، وخفض الإنفاق على القوات النظامية، وفرض وزارة المالية ولايتها على المؤسسات الاقتصادية التابعة للأجهزة النظامية، وفرض سيطرة الدولة على قطاع المعادن وصادرات الذهب، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التعدين الأهلي« . في حين وافقَت الوزير في المقترحات المتعلقة بالبرامج الاجتماعية، ودعت إلى السعي لمعالجة ديون السودان، دون الاستجابة لمطالب مؤسسات التمويل الدولية المتعلقة ببرنامج الإصلاح الهيكلي، والخضوع للشروط التي لا تتناسب مع طموحات الشعب السوداني، مع رفض واضح لتوجهات التحرير الاقتصادي، سواءٌ برفع الدعم عن السلع والخدمات، وعدم تغيير سياسات سعر الصرف الحالية، إضافة إلى عدم زيادة المرتبات والأجور والحماية الاجتماعية. وهو ما يعني -باختصار- الحفاظ على الوضع القائم، والاستمرار في سياسات الاقتصاد الكلي التي كانت سائدة في عهد النظام المعزول.

تبعات وعواقب:

هذا الجدل المحتدم بين الحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية في ائتلاف قُوى الحرية والتغيير، حول أسس توجهات البلاد الاقتصادية، تترتب عليه تبعات من شأنها أن تزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية المتردية أصلًا، وتنذر بعواقب وخيمة تشكل خطرًا ماثلًا على فرص الاستقرار في البلاد، في ظل فترة انتقالية تتّسم بالهشاشة، على خلفية التنافس على النفوذ بين مكوِّني الشراكة العسكرية والمدنية، وفي داخل كل مكوِّن، وهو صراع تدفعه اعتبارات اختلافات أيديولوجية بين هذه الأطراف تارةً، وتارةً أخرى يحاول كل طرف تجنب دفع ثمن الكلفة السياسية الباهظة لأيّ محاولات إصلاح اقتصادي، جراء تبعات الاحتقان الاجتماعي الناجم عن الضغوط المعيشية.

وقراءة الدفوعات التي سوَّغ بها ائتلاف قُوى الحرية والتغيير اعتراضَه على توجهات الحكومة الانتقالية الاقتصادية، تشير إلى أنها ذات دوافع سياسية لا تريد تحمل تبعاتها، ولا تأخذ بجدية أن الحاجة الملحّة إلى برنامج إصلاح اقتصادي لا يمكن تفاديها. كما يتضح ذلك من ضعف المقترحات البديلة التي طرحتها لمشروع الموازنة المقدم من قبل وزارة المالية، وعدم واقعيتها، إذ تجنح إلى الحفاظ على السياسات نفسها التي كانت سائدة إبان فترة النظام المعزول، والتي تسببت في تفاقم الأوضاع، حتى قادت إلى الإطاحة به.

وعلى الجانب الآخر، فإن توجهات الحكومة الانتقالية إلى إجراء عملية إصلاح اقتصادي، صحيحةٌ في جوهرها، لكنها تفتقر إلى الحساسية السياسية في سياق الحالة الراهنة، كما أنها تستند إلى رؤية مؤسسات بريتون وودز -المعروفة ببرامج الإصلاح الهيكلي- بكل تبعات سياسات التحرير الاقتصادي المجربة في كثير من البلدان، والتي أفرزت نتائج سلبية معلومة. لقد كانت وزارة المالية في حاجة إلى توجهات اقتصادية تأخذ في الحسبان الخصوصية السودانية، وتجمع بين بعض متطلبات الإصلاح الضرورية العاجلة، والتدرج في تنفيذها على مدى فترة زمنية معقولة. ذلك أن اللجوء إلى تبني سياسات تحرير اقتصادي كاملة في غضون فترة وجيزة لا تتعدى سنة واحدة، من شأنه أن يتسبب في تشديد الضائقة المعيشية الخانقة، والاحتقان الاجتماعي الذي سيؤدي انفجاره -احتجاجًا- إلى عواقب سياسة وخيمة.

وما يزيد من تعقيدات توجهات الحكومة الانتقالية الاقتصادية، أنها تبنّت سياسات التحرير الاقتصادي دون أي سند أو دعم دولي يساعدها على تخفيف آثارها. بل وللمفارقة، فقد اشتُرط عليها -للحصول على أي دعم خارجي- أن تثبت قدرتها على إنجاز هذه الإصلاحات القاسية بمفردها، حتى يُنظر في تقديم عون لها في مؤتمر المانحين، الذي من المؤمّل أن يُعقد في نيسان/أبريل القادم، وليس واضحًا تمامًا حتى الآن سقف التوقعات المرجوة منه. فيما عقدت مجموعة أصدقاء السودان، التي تضم عشرين ونيِّفًا من الدول الغربية والعربية ومؤسسات التمويل الدولية، خمس اجتماعات عُقد آخرها في الخرطوم الشهر الماضي، دون الحصول على أي تعهدات إسعافية. وفي الواقع، فإن البلاد ظلت تعتمد على مدار العام المنصرم على مساعدات سعودية إماراتية مشتركة، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، استنفدت نصفها حتى الآن، ولا توجد خطة معينة بشأن ما تبقى منها، أو بشأن الاشتراطات المرتبطة بذلك.

أما العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل الاقتصاد السوداني، فهو المتعلق باستمرار بقاء اسم البلاد ضمن اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان بموجبها، إلى جانب التشريعات الأخرى الصادرة من الكونغرس. وعلى الرغم من إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب أنها تأخذ في الحسبان مسألة رفع اسم السودان من اللائحة، فإنها لم تضع جدولًا زمنيًّا لذلك، وتقول إنها ليست حدثًا، بل عملية سوف تستغرق وقتًا غير محدد. لكن ستكون لذلك تبعات قاسية على السودان، فكل الجهود التي تحاول الحكومة الانتقالية بذلها لتطبيع علاقات البلاد الاقتصادية الخارجية، ستكون عالقة ورهينة للقرار الأمريكي. وقد أعلن الرئيس الفرنسي أن بلاده ترتب لعقد مؤتمر دولي لمعالجة ديون السودان الخارجية ودعم اقتصاده، إلا إن ذلك سيبقى مجمدًا إلى حين اتخاذ واشنطن قرارها بشأن شطب السودان من لائحة الإرهاب.

وبحسب هذه المعطيات الداخلية والخارجية بالغة التعقيد، ستجد الحكومة الانتقالية في غضون الأشهر القليلة المقبلة نفسها في مواجهة أوضاع اقتصادية شديدة الاضطراب، تضع مستقبلها ومصير البلاد على المحك، مفتوحةً على السيناريوهات كلها.

د. خالد التيجاني

خبير في الشؤون السياسية السودانية
زر الذهاب إلى الأعلى