الحَراك اللبناني وحواجز الطائفية السياسية.. مُغالَبة أم تحسين لشروط العلاقة؟

أحمد الحيلة

كاتب ومحلل سياسي

اقرأ في هذا المقال

  • انطلق الحَراك اللبناني في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، عقب إعلان وزير الاتصالات محمد شقير نيّة الحكومة فرض ضريبة بقيمة 6 دولارات أمريكية على مستخدمي (واتساب) شهريًّا، ما أثار حفيظة الجمهور اللبناني،

توطئة

انطلق الحَراك اللبناني في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، عقب إعلان وزير الاتصالات محمد شقير نيّة الحكومة فرض ضريبة بقيمة 6 دولارات أمريكية على مستخدمي (واتساب) شهريًّا، ما أثار حفيظة الجمهور اللبناني، فاندفع بأعداد كبيرة إلى الشوارع والساحات من أقصى الشمال اللبناني حيث الكثافة السنّية، إلى أقصى الجنوب حيث الكثافة الشيعية، مرورًا بالجبل حيث الكثافة المسيحية والدرزية، وانتهاءً بالعاصمة بيروت التي تحتضن بانوراما الطوائف اللبنانية الثماني عشرة.

الدوافع والأسباب:

يمكن وصف توجّه الحكومة اللبنانية إلى فرض ضريبة على (واتساب) بـ«القشّة التي قسمت ظهر البعير»، فبالنظر إلى واقع المواطن اللبناني اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وبغضّ النظر عن خارطة انتمائه الطائفي، نجد أنه يعاني بشكل تراكمي سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية… والتي يمكن رصدها في النقاط التالية:

أولًا: الوضع الاقتصادي والخدمات العامّة

جَنَحَت الأوضاع الاقتصادية بالدولة اللبنانية حتى باتت تلامس معظم شرائح الطبقة الوسطى في البلاد، فقد تجاوز حجم الدين العام عتبة الـ 86 مليار دولار، في مقابل الناتج القومي الذي يُقدّر بنحو 56 مليار دولار، ما أدّى إلى ارتفاع كبير جدًّا في خدمة الدين العامّ بالليرة اللبنانية أو الدولار الأمريكي، حتى وصل الأمر بوكالات تصنيف الائتمان الدولية مثل (فيتش) و(ستاند أند بورز) إلى وضع لبنان منذ ثلاثة أشهر على حافّة الانهيار أو الإفلاس. فعلى سبيل المثال، خفّضت وكالة (موديز) تصنيف لبنان إلى (CAA2)*(1)، بمعنى اقترابه من حافّة العجز عن سداد الديون، أو سداد قيمة الموادّ المستوردة بالدولار الأمريكي، أو سداد رواتب الموظّفين بالليرة اللبنانية التي شهدت انخفاضًا متزايدًا مقابل الدولار الأمريكي وصل إلى نحو 20%، مقابل إحجام المصارف بما فيها المصرف المركزي عن فتح الاعتمادات المالية بالدولار الأمريكي للشركات المستورِدة، والسماح للمودعين بسحب أرصدتهم بالعملات الصعبة، ما أدّى إلى تراجع العرض في الأسواق المحلّية، و«ارتفاع الأسعار بنسبة تراوحت بين 15 و30 في المائة» حتى كتابة هذا التقرير.

في السياق ذاته، شهد لبنان إغلاق عدد كبير من المؤسّسات الاقتصادية، وهجرة رأس المال إلى خارج البلاد، فقد «أكّد رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير أنّ أكثر من 2200 شركة ومؤسّسة لبنانية أغلقت أبوابها خلال العام 2018، في وقت أعلنت فيه وزارة المالية أنّ 3250 مؤسّسة ومحلًّا تجاريًّا تقدّمت بالتصريح لوقف أعمالها خلال العام نفسه. كما تشير أرقام البنك الدولي إلى أنّ 23 ألف فرد يدخلون سوق العمل سنويًّا، علمًا أنّ متوسّط فرص العمل التي كانت متاحة بين العامين 2004 و2007 بلغ 3400 وظيفة فقط. كما أنّ معدّل البطالة في لبنان بلغ 25% في العام 2018، فيما تجاوزت هذه النسبة لدى الشباب الـ 36%»*(2).

وما زاد الوضع سوءًا أنّ الخلافات السياسية بين الأفرقاء في الحكومة والبرلمان، عطّلت الإصلاحات الهيكلية الإدارية والمالية في الدولة، التي تعهّدت بها الحكومة لتلقّي المساعدات التي أقرّها مؤتمر (سِيدر) المنعقد في باريس في نيسان/أبريل 2018 لدعم الاقتصاد اللبناني بـ 11 مليارًا و800 مليون دولار أمريكي*(3).

وكان هذا في وقت تراجعت فيه الخدمات الأساسية بشكل مريع، فانقطاع الكهرباء مستمرّ وبشكل مزمن، يصل في بعض المناطق إلى نحو 12 ساعة يوميًّا منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990، وتفاقُم أزمة النفايات -التي وصفتها منظّمة (هيومن رايتس ووتش) بالأزمة الصامتة منذ عقود في أنحاء البلاد- انفجرت في العام 2015، كاشفةً عن حجم المشكلة عندما تكدّست النفايات في شوارع العاصمة بيروت. وبحسب باحثين في (الجامعة الأمريكية في بيروت)، فإنّ 77% من النفايات يُرمى في مكبّات مكشوفة أو يُطمر، مع أنّ 10 إلى 12% فقط من النفايات في لبنان لا يمكن إعادة تدويره أو تحويله إلى سماد عضوي*(4).

ثانيًا: أزمة العلاقات السياسية الداخلية والاتّهام بالفساد

يقوم النظام السياسي في لبنان على المحاصصة الطائفية بين 18 طائفة مسجّلة رسميًّا في الدولة، وعليه فالمواقع الرئاسية الثلاثة في الدولة موزّعة طائفيًّا، فرئيس الجمهورية مسيحي ماروني، ورئيس الحكومة مسلم سُنّي، ورئيس البرلمان مسلم شيعي. وهذا بدوره ينسحب على توزيع أعضاء مجلس النوّاب والمواقع الإدارية العليا في الدولة مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين، ما خلق على الدوام حالة من الشدّ بين الطوائف والكتل السياسية كافّةً، لناحية تعظيم حجم مكاسبها ومصالحها في جسد الدولة. فاتّهام الساسة بالفساد صار حالة شائعة بين المواطنين وعلى وسائل التواصل الإلكتروني التي تنشر أرقامًا بالفساد تُقدّر بمليارات الدولارات، وهو ما لم تستطع الحكومة الحالية بقيادة سعد الحريري ولا القُوى السياسية كافّةً -على اختلاف مرجعياتها الطائفية- إنكاره في الإطار العامّ*(5).

 ثالثًا: لبنان في قلب التجاذبات الإقليمية والدولية

لقد فرضت الجغرافيا السياسية على لبنان استحقاقات كبيرة، لوقوعه شمال فِلَسطين المحتلّة، ولتشكيله خاصرة حسّاسة لسوريا. فمع اندلاع الأزمة السورية في العام 2011، وقع لبنان تحت تأثير مفاعيل التناقضات الإقليمية والدولية، خاصّةً بعد دخول حزب الله إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام، بخلاف موقف الدولة اللبنانية التي تبنّت سياسة النأي بالنفس عن التدخّل في الأزمة السورية. وقد أنتج هذا الواقع اضطرابات أمنية (كتفجيراتالضاحية الجنوبية لبيروت)، وأثّر سلبًا بشكل كبير في قطاع السياحة والخدمات المرافقة، التي تشكّل أهمّ مصادر الدخل للدولة وللمواطنين اللبنانيين، في الوقت الذي تحمّل فيه لبنان عبء 1.5 مليون لاجئ سوري إلى أراضيه*(6). إضافةً إلى ذلك، فقد وقع لبنان تحت تأثير الخلافات الإيرانية السعودية، لا سيّما اتّهام الأخيرة لحزب الله اللبناني بتدريب الحوثيين، وتقديمه الدعم الفنّي لهم بإشراف إيراني.

وفي السياق ذاته، فقد عَمَدت الولايات المتّحدة الأمريكية إلى ممارسة الضغط السياسي والمالي على لبنان لتحجيم قوّة حزب الله ونفوذه، ولوقف تدخّلاته لصالح إيران في الإقليم، ففرضت واشنطن عقوبات على الكثير من المصارف (مثل إغلاق جمّال ترست بنك) والشركات ورجال الأعمال*(7) المشتبه بعلاقتهم مع حزب الله. جاء هذا في الوقت الذي تراجع فيه الدعم الإيراني المباشر لحزب الله نتيجة العقوبات الأمريكية على طهران، إضافةً إلى تراجع الدعم السعودي لتيّار المستقبل والقُوى السُّنّية، بسبب أزمتها في اليمن، ما جعل لبنان ضحيةً لتناقضات الإقليم المضطرب.

مواقف الأطراف اللبنانية:

عند الحديث عن مواقف القُوى اللبنانية، يمكن رصد ثلاثة تيّارات أو فئات على النحو التالي:

التيّار الأول:

يتمثّل في قطاع عريض من اللبنانيين المتظاهرين في الساحات، المتجاوزين لحواجز الانتماء الطائفي، رافعين شعار الإصلاح ومحاربة الفساد، وإزالة الطبقة السياسية القائمة على البعد الطائفي والمحاصصة، عبر المطالبة بتشكيل حكومة كفاءات غير سياسية (تكنوقراط)، ومن ثم استحداث قانون انتخابي وطني جديد يمهّد الطريق إلى إلغاء الطائفية السياسية في عموم البلاد. هذا التيّار الشعبي العامّ يضمّ في جنباته مؤسّسات للمجتمع المدني والأطر الشبابية (حزب سبعة، وبيروت مدينتي، ولوطن، وحرّاس المدينة، وشباب لطرابلس، وشباب لبيروت…)، والطلّاب والعسكريون المتقاعدون، إضافة إلى الجماعة الإسلامية (الطائفة المسلمة/السنّة) والحزب الشيوعي والحزب الناصري (القومي)… وهي أحزاب أو جماعات خارج معادلة الحُكم عمومًا.

التيّار الثاني:

يشمل عددًا من الأحزاب والتيّارات السياسية ذات البعد الطائفي، والمحسوبة على الطبقة السياسية الحاكمة المتّهمة بالفساد، لكنها أخذت موقفًا إعلاميًّا داعمًا بحذر للحراك الجماهيري، ولها مشاركة نسبية ميدانيًّا، كتيّار المستقبل بقيادة رئيس الحكومة سعد الحريري (الطائفة المسلمة/السنّة)، والقوّات اللبنانية بزعامة سمير جعجع (الطائفة المسيحية/المارونية)، والحزب التقدّمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط (الطائفة الدرزية). وهذه الأحزاب على رغم اتّهامها بالفساد، فإنها وجدت في الحَراك فرصة سانحة لدرء التهمة عنها، إذ بادر وزراء القوّات اللبنانية مبكّرًا بتقديم استقالتهم من الحكومة، كما قدّم سعد الحريري استقالة حكومته في الآونة الأخيرة استجابة لمطالب الجماهير (ظاهريًّا كما يبدو). هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ تلك الأحزاب رأت في الحَراك فرصة أيضًا لمواجهة خصومهم في الحُكم، لا سيّما حزب الله والتيّار الوطني الحرّ وحركة أمل. فمن المعلوم أنّ القوّات اللبنانية -بقيادة سمير جعجع- تنافس التيّار الوطني الحرّ على زعامة الطائفة المسيحية، كما أنّ الحزب التقدّمي الاشتراكي -بقيادة وليد جنبلاط- يرى في حزب الله وحلفائه -كالتيار الوطني الحرّ والحزب الديمقراطي (الدرزي)- تحدِّيًا حقيقيًّا له ولزعامته للطائفة الدرزية، بعد أن ذهب بعيدًا في الخصومة مع النظام السوري، ورفض تدخّل حزب الله عسكريًّا هناك. أمّا تيّار المستقبل -بزعامة سعد الحريري- فيُنظر إليه تقليديًّا على أنه امتداد للنفوذ السعودي في مواجهة حزب الله والتيّار الوطني الحرّ وحركة أمل، المدعومين إيرانيًّا، وهذا ما يفسّر دفء العلاقة بين الرياض والقوّات اللبنانية بقيادة سمير جعجع.

التيّار الثالث:

يضمّ كلًّا من حزب الله بقيادة حسن نصر الله وحركة أمل بزعامة رئيس البرلمان نبيه برّي (الطائفة الشيعية)، إضافة إلى التيّار الوطني الحرّ بقيادة وزير الخارجية جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية (الطائفة المسيحية/ماروني)، وحزب المَرَدَة بقيادة سليمان فرنجية (الطائفة المسيحية/المارونية)، والحزب الديمقراطي اللبناني بزعامة الأمير طلال أرسلان (الطائفة الدرزية)…

ويَعُدُّ التيارُ الثالث الحَراكَ الجماهيري محقًّا في مطالبه ابتداءً، مع شكّه في سياقاته ومآلاته وقلقه منها، خاصّةً بعد أن قدّمت الحكومة اللبنانية ورقة إصلاح رفضتها جموع المتظاهرين، التي طالبت بتشكيل حكومة كفاءات بعيدًا عن الزعامات الطائفية المتّهمة بالفساد والمسؤولة عن تدهور الأوضاع في لبنان -من وجهة نظر الحَراك الجماهيري.

أمّا سَقْف الحراك الذي مسّ الطائفية السياسية ومرجعياتها المُكرَّسة منذ توقيع اتّفاق الطائف في العام 1989، فقد جعل مكوّنات التيّار الثالث -الذي يُعدّ الطرف الأقوى والأكثر نفوذًا في مؤسّسات الدولة- ينظر بعين الريبة والشكّ، فاتّهم بعض القُوى المشاركة في الحَراك بأنها أدوات للسفارات الأجنبية المعادية لخطّ المقاومة. بمعنى أنّ واشنطن والرياض تسعيان إلى تأزيم الوضع الاقتصادي والسياسي في لبنان، للضغط على حزب الله وحلفائه لتشكيل حكومة غير سياسية ابتداءً، تكون خطوةً أولى على طريق نزع الشرعية عنهم، ومقدّمةً للمطالبة لاحقًا بنزع سلاح حزب الله لتحجيم النفوذ الإيراني، ولإعادة رسم الحالة اللبنانية الداخلية بما يتواءم مع تطلّعات الرياض وواشنطن، مع الأخذ في الحسبان مصالح الاحتلال الإسرائيلي الذي يرى في سلاح حزب الله تهديدًا له ولأمنه. وذلك حسب تفسير أو قراءة الحزب وحلفائه -في حركة أمل والتيّار الوطني الحرّ- وما يعنيه ذلك لهم أيضًا، من تهميش أو استهداف لمصالحهم الطائفية النافذة حسب الثقافة اللبنانية السائدة.

 مواقف الأطراف الخارجية:

  • السعودية:

    التزمت الرياض الصمت بشكل عامّ، حرصًا منها على ألّا تبدو طرفًا مؤثّرًا في الحَراك الجماهيري، على رغم اتّهامها ضمنًا بأنها تقف خلف استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، وبأنها سبب في تعطيل تشكيل حكومة تكنوسياسية. هذا في الوقت الذي تبذل فيه الكثير من الوسائل الإعلامية المحسوبة على السعودية جهدًا مكثّفًا في تغطية الحدث تغطيةً إخبارية وتحليلية، تتّسم بالانحياز إلى موقف سعد الحريري والحَراك في مواجهة حزب الله وحلفائه.

  • الولايات المتّحدة الأمريكية:

    بدايةً، التزمت واشنطن -كما فعل الغرب- الصمت، حتى لا تبدو طرفًا مؤثّرًا في الحدث، وفقًا لنظرية التدخّل الخارجي أو المؤامرة، إلى أن خرج وزير الخارجية (مايك بومبيو) عن صمته في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، داعيًا إلى مساعدة الشعب اللبناني على «التخلّص من النفوذ الإيراني». ما عزّز رواية المشكّكين في مآلات الحَراك كحزب الله وحلفائه، وأزعج قُوى الحَراك التي رفعت شعاراتٍ ترفض التدخّلات الخارجية، عادَّةً تصريحات بومبيو مقزِّمة لدوافع اللبنانيين بحصْرها في النفوذ الإيراني، وحَرْفًا لأهدافهم المطالِبة بالإصلاح ومحاربة الفساد، وبناء الدولة المدنية بعيدًا عن المحاصصة الطائفية.

  • إيران:

    عدّت الحَراك حالةً شعبية تعبّر عن هموم المواطن اللبناني، ولكنها حذّرت في الوقت نفسه من محاولات استغلاله من قُوًى خارجية تعادي لبنان ونهج المقاومة ضدّ (إسرائيل). وفي السياق ذاته فإنها ربطت بين ما يجري في لبنان وما يجري في العراق.

  • سوريا:

    وقفت حذرةً من الحدث، وأبدت قلقها من فرْضية التدخّلات الخارجية. ففي مقابلة للرئيس بشار الأسد مع قناة (روسيا 24) ووكالة (روسيا سيغودنيا)، قال: «إذا كانت التظاهرات عفْوية وصادقة وتعبّر عن رغبة وطنية لتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية، فلا بدّ أن تبقى وطنية، لأن الدول الأخرى التي تتدخّل في كل شيء في العالم -كأمريكا ودول الغرب، لا سيّما بريطانيا وفرنسا- لا بدّ أن تستغلّ هذه الحالة لأخذ الأمور باتّجاه يخدم مصالحها».

 

السيناريوهات المتوقّعة:

تبدو مخرجات الحَراك اللبناني محدودةً لعدّة أسباب، أهمّها:

  1. خصوصية النظام السياسي في لبنان، المبني دستوريًّا أو ميثاقيًّا على المحاصصة الطائفية، والعائلات السياسية التقليدية.
  2. محدودية البدائل السياسية لدى الحَراك الجماهيري، فأغلب الفاعلين السياسيين أحزابٌ وطوائفُ تشارك فعليًّا في حكم البلاد عبر الرئاسة أو الحكومة والبرلمان، وهي طبقة سياسية -على رغم اتّساعها وتنوّعها- متّهمة بالفساد، على قاعدة الشعار المرفوع جماهيريًّا: «كلُّن يعني كلُّن».
  3. قوّة النفوذ الأجنبي في البلاد عبر تقاطع مصالح القُوى المحلّية مع مصالح القُوى الخارجية، كالرياض وواشنطن وطهران ودمشق وباريس، ما يزيد من تعقيدات المشهد اللبناني ويجعله متأثّرًا بمصالح تلك الدول المتعارضة.

وعليه، فيمكن رصد مسارين للحدث الراهن على المدى القصير:

السيناريو الأول:

تشكيل حكومة كفاءات (تكنوقراط) أو حكومة مختلطة (تكنوسياسية) تكون فيها الغلبة للكفاءات، وتحظى بتوافق المرجعيات السياسية الطائفية، وبقبول دولي من واشنطن والرياض وطهران بشكل أساسي. وهذه خطوة أولى باتّجاه تنفيس الاحتقان الشعبي الذي يطالب بالمزيد من الإصلاحات في ظلّ التدهور العميق للاقتصاد والخدمات العامّة.

السيناريو الثاني:

استمرار التظاهرات واتّساع حالة الشلل في عموم البلاد، مع ازدياد حالة الشدّ العكسي والاستقطاب الحادّ بين القُوى السياسية، ما يدفع بالدولة اللبنانية إلى السقوط في حالة العجز المريع عن تلبية احتياجات المواطنين، في مقدّمة لشيوع حالة الفوضى، فيؤثّر سلبًا في طبيعة الحَراك المدني السلمي اللاطائفي، ويُفضي إلى احتماء عامّة المواطنين بالعصبية الطائفية، في سياق قد يعيد البلاد إلى حافّة الحرب الأهلية.

الخلاصة:

أولًا: على المدى القصير وفي ظلّ المعطيات الراهنة، يُرجّح السيناريو الأول لعدّة عوامل، أهمُّها:

  • تماسك الجماهير -حتى الآن- في رفضها لحالة الاصطفاف الطائفي والاقتتال الداخلي، مستذكرةً الآثار الكارثية للحرب الأهلية التي مرّت بها البلاد (1975 – 1990).
  • انتفاء مصلحة الكثير من القُوى السياسية اللبنانية مع فرْضية الفوضى، فحزب الله -الأقوى في البنية العسكرية والتنظيمية- سيقع فريسةً للاستنزاف، وتجرِبة النظام في سوريا ماثلة أمامه. كما أنّ القُوى اللبنانية المنافسة لا تقوى على مواجهة حزب الله ميدانيًّا أو تنحيته سياسيًّا، لاختلال الموازين بشكل كبير لصالحه.

ثانيًا: السيناريو الثاني حاضر بنسبة أقلَّ من الأول، ولكنه قد يتقدّم إذا حدثت متغيّرات هامّة، منها على سبيل المثال:

  • التأخّر في تشكيل حكومة إنقاذ أو تكنوقراط، وسقوط الدولة اللبنانية في العجز عن تلبية حاجات المواطنين الأساسية.
  • تعاظم ظاهرة العصبية الطائفية والاحتماء بها أمام عجز الدولة، خاصّةً أنّ المرجعيات الطائفية في لبنان تتمتّع بملاءة مالية وشبكات خدميّة، كالتعليم والصحّة والعمل الإغاثي.
  • رغبة الدول الأجنبية في استثمار حالة لبنان لتصفية حساباتها فيما بينها، أو لحماية مصالحها في شرق أوسط مضطرب وخَطِر.

ويبقى العامل اللبناني الداخلي هو العامل الأهمَّ في مسار الحدث الراهن، متجسّدًا في وعي الجماهير أولًا، وفي مدى حرص القُوى السياسية الطائفية على صون البلاد من المجهول ثانيًا، وذلك بتراجعها عن مواقفها المتشنّجة، لتقديم الصالح العامّ ومصلحة لبنان على ما سواها.

…………………………………………………..

المصادر  والمراجع:

(1) سكاي نيوز عربية، “موديز” تخفض التصنيف الائتماني لأكبر ثلاثة بنوك في لبنان:

 https://www.skynewsarabia.com/business/1296380-

(2) الموقع الرسمي للقوّات اللبنانية، إغلاق آلاف الشركات يفاقم أزمة البطالة، https://www.lebanese-forces.com/2019/01/16/closing-down-companies-increase-unemployment/

(4)صحيفة النهار اللبنانية، نحو 11 مليار و800 مليون للبنان من “سيدر” https://www.annahar.com/article/787304-

(4)هيومن رايتس ووتش، لبنان: أزمة النفايات تؤدّي إلى مخاطر صحّية، https://www.hrw.org/ar/news/2017/12/01/311892

(5) راجع الورقة الإصلاحية التي قدّمها الرئيس سعد الحريري واعتُمدت في جلسة رسمية بحضور رئيس الجمهورية ميشيل عون، https://www.elnashra.com/news/show/1357826/

(6) هيومن رايتس ووتش، العمّال المهاجرون، https://www.hrw.org/ar/world-report/2019/country-chapters/325424

(7) إندبندنت عربية، شركات لبنانية إضافية على قائمة العقوبات الأمريكية، https://www.independentarabia.com/node/43096/، وبي بي سي عربي، من هم مسؤولو حزب الله اللبناني الذين عاقبتهم واشنطن؟ https://www.bbc.com/arabic/middleeast-48951433

أحمد الحيلة

كاتب ومحلل سياسي
زر الذهاب إلى الأعلى