التغيرات السوسيو اقتصادية المحتملة بعد “كورونا”

معاذ العامودي

مدير العلاقات العامة والاعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لم تكن جائحة كورونا (COVID-19)، ذات منحى وبائي صحي فقط، بل إن ارتداداتها الاقتصادية كانت واضحة ومباشرة على الاقتصاديات المحلية للدول، وكذلك الحال على اقتصاداتها البينية.

فبحسب تقرير “بنك التنمية الآسيوي”، فإن الاقتصاد العالمي قد يتكبد خسائر تتراوح ما بين 5.8 تريليونات دولار و8.8 تريليونات دولار، أي ما بين 6.4% و9.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي نتيجة الجائحة.

تبرز هذه الأرقام حجم التداعيات الاقتصادية التي يمكن أن تنعكس بشكل مباشر على اقتصاديات الدول الكبرى ولا تستثني كذلك الدول الصغيرة أو النامية، فيما تشكل حالة شمولية لجميع القطاعات وبنسب مختلفة.

“منتدى السياسات العربية”، وفي محاول لتقديم قراءة متوازنة لطبيعة انعكاسات الجائحة على الاقتصاد العالمي، استقرأ رأي مجموعة من الخبراء المختصين، الذين رسموا ملامح هذه الانعكاسة من خلال:

  • توقعات بحالة ركود قاسية بسبب حجم الديون الضخم التي وصلت لها الاقتصادات نسبة للناتج الاجمالي.
  • العالم ينتظر الدول التي ستنجح في إدارة الأزمة الصحية وبناء اقتصادها وستكون النموذج الذي يحتذى به.
  • السياسات الاقتصادية في ظل الأزمة تسعى إلى إيجاد نقلات نوعية في طريقة التعاطي على سبيل إيجاد سياسات نقدية من البنوك المركزية والسلطات للخروج من الأزمة بأقل الأضرار.
  • الأزمة الحقيقية ستظهر بعد انتهاء كورونا على القطاعات الاقتصادية ال‍منهكة بسبب تداعيات الإجراءات الحكومية والفيروس، إذ ستجد الكثير من الدول نفسها مدينة بأرقام مرتفعة وعليها السداد.
  • الأمر البارز على مستوى العالم من وراء هذه الأزمة، بدرجة أولى، هو عودة الصناعات والأموال المهاجرة إلى بلادها، ما قد يؤدي إلى صدمة كبيرة حول العولمة التي كانت متبعة بالعقود الماضية، وستؤدي إلى عواقب وخيمة، لأن هجرة الأموال من بلد إلى بلد، ستنتج فراغ في الدول المهاجر منها الأموال.
  • أسس الاقتصاد الحر والليبرالي ستبقى وتستمر برعاية صندوق النقد الدولي الذي لا شك أنه استغل هذه الأزمة لصالحه بشكل كبير.
  • التداعيات المباشرة للأزمة ستكون أولا على سلسلة القيم العالمية، إذ سيكون هناك عودة لسلسلة القيم الجهوية، ما يعني بداية نهاية عولمة الاقتصاد.
  • هناك تشكل لنظام سياسي عالمي جديد تكون فيه الصين وبعض الدول كروسيا وتركيا وغيرها قوى اقتصادية عالمية.
  • الأوربيون يتخوفون من أن الركود الاقتصادي إذا حل، سيخلق تعددية استراتيجية، وحينها الاتحاد الأوروبي لن يكون له ثقل.
  • على الدول العربية النفطية أن تفكر باتجاه إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية، من خلال إعادة تشكيل الصناعات والإشراف عليها بشكل مباشر.
  • المواطن ربما يتجاوز النظام الاقتصادي الرسمي للدول ويبدأ البحث عن فرصة من خلال إما شبكات التواصل الاجتماعي، أو منصات التمويل المجتمعي

وفيما يلي رأي الخبراء:

مناف قومان

المختص في الاقتصاد السياسي

الأزمة الاقتصادية الحالية التي نتجت عن جائحة كورونا، ليست الأولى لا شكلاً ولا مضموناً، ولن تكون الأخيرة في العالم، فالأزمات من طبيعة النظام الرأسمالي، وعلى مدار العقود الماضية حصلت الكثير من الأزمات والصدمات الاقتصادية، وسرعان ما كان العالم يخرج منها.

ما يميز الحالة الاقتصادية في ظل هذه الأزمة فإن حالة الركود قد تكون قاسية بسبب حجم الديون الضخم التي وصلت لها الاقتصادات نسبة للناتج الاجمالي، وسياسات التجارة المتخبطة بين الحمائية والتحرير، و‍حرب العملات، والظروف السياسية المضطربة في كثير من دول العالم.

وينتظر العالم اليوم الدولة التي ستنجح في إدارة الأزمة الصحية وفق المعطيات الخاصة بها، لتنظر بقية الدول إلها على أنها منتصرة وأن بناءها الاقتصادي والنموذج الخاص بها هو الأنجع، وللإشارة فإن ما تقوم به سنغافورة وتايوان ودول مثل ألمانيا والسويد قد تشكل مثالا يحتذى به لاحقاً.

وعلى الرغم من توقعات بعض المراقبين حدوث حالة انهيار النظام المالي العالمي، فإنه قد لا نشهد تغييراً في هذا النظام الاقتصادي بشكل جوهري أو كامل، لكن ما قد نشهده هو نقلات نوعية في طريقة التعاطي على سبيل إيجاد سياسات نقدية من البنوك المركزية والسلطات للخروج من الأزمة بأقل الأضرار، فلا أحد من الدول له مصلحة في إنهاء النظام الاقتصادي الحالي.

90 دولة تقدمت لصندوق النقد الدولي في الأزمة الحالية للحصول على قروض مالية، وهذه الأموال ستقدم لتلك الدول على شكل قروض و‍سيتم استعادتها مع الفائدة، وكون هذه الأموال ستصرف على تداعيات الأزمة الصحية كإنفاق جاري وليس استثماريا، فالتوقعات أن الأزمة الحقيقية ستظهر بعد انتهاء كورونا على القطاعات الاقتصادية ال‍منهكة بسبب تداعيات الإجراءات الحكومية والفيروس. وستجد الدولة نفسها مدينة بأرقام مرتفعة وعليها سداد تلك الأموال.

فيما يخص سوق النفط، فإن حالة الانهيار لسوقه والتي ظهرت ضمن الأزمة ما بين روسيا والسعودية، فستعود بالضرر أيضا على الولايات المتحدة، ولو قررت واشنطن لاحقا أن تحاول تقليل من اعتماديتها على أسواق النفط العالمية، وإيجاد طاقة بديلة، فقد نشهد تحولا في تجارة النفط.

الأمر البارز على مستوى العالم من وراء هذه الأزمة، بدرجة أولى، هو عودة الصناعات والأموال المهاجرة إلى بلادها، وهذا كان مطلبا أمريكيا إلى جانب إدارات أخرى، ما قد يؤدي إلى صدمة كبيرة حول العولمة التي كانت متبعة بالعقود الماضية، وستؤدي إلى عواقب وخيمة، لأن هجرة الأموال من بلد إلى بلد، ستنتج فراغ في الدول المهاجر منها الأموال، على مستوى العمالة ما سيزيد البطالة ومعدلات الفقر، إلى جانب تأثر آليات نقل التكنولوجيا ومذكرات التفاهم بين البلدين.

لذا فإن أسس الاقتصاد الحر والليبرالي ستبقى وتستمر برعاية صندوق النقد الدولي الذي لا شك وأن‍ه استغل هذه الأزمة لصالحه بشكل كبير. لذا سيظهر العالم بعد أزمة كورونا مجزأ لقسمين؛ جزء يعاني من ديون باهظة، وجزء آخر هي الدول الكبيرة ستحاول إضفاء مسحة أكثر حمائية على اقتصاداتها عبر إعطاء اهتمام أكثر بقطاعات الصحة والتعليم والتجارة.

محسن حسن

وزير التجارة التونسي السابق والخبير في العلاقات الدولية

سيتحرر صندوق النقد الدولي  تدريجياً من السيطرة الأمريكية، وأن النظام المالي العالمي والدول المتقدمة مطالبة بحفظ ماء الوجه، والتحرك بسرعة لجدولة ديون بعض الدول ذات الدخل المتوسط، وإلغاء ديون بعض الدول الفقيرة.

وبالتالي هناك عودة للدولة التي تتدخل بقوة في المجالات الاقتصادية، وخاصة في القطاعات الاستراتيجية، كالصناعات الدوائية والطاقات البديلة والتكنولوجيا الحديثة.

الأزمة الاقتصادية المالية العالمة الحالية الناجمة عن الأزمة الصحية العالمية، كشفت ضعف نظام الاقتصاد العالمي الحالي الليبرالي الجديد.

لكن الاقتصاد العالمي لن يعود إلى الاشتراكية، الآن نحن متجهين إلى نظام اقتصادي، سيقوم على الواقعية البراغماتية، أي أن الدولة تتدخل في الاقتصاد وقت الضرورة والقطاعات الاقتصادية، كالصناعات الغذائية والتكنولوجيا الحديثة ورقمنة الاقتصاد.

من ناحية أخرى هذه الأزمة الاقتصادية العالمية المالية أدت إلى القطع نهائيا مع سياسات مالية العمومية، التي تنتهجها بعض الدول خاصة أوروبا، والتي تقوم على التقشف والتحكم في الإنفاق العمومي الآن.

رضا شكندالي

الخبير والمتخصص في الاقتصاد السياسي

ما يميز الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم في عام 2008، عن الأزمة الحالية أن التأثير المباشر لجائحة كورونا كانت على الاقتصاد الحقيقي، وكذلك الأسواق المالية كانت جزءا من الأزمة، عدا أن كون أزمة كورونا أكثر حدة من الأزمة السابقة وبالتالي الخشية من حدوث حالة من الركود.

ويمكن مشاهدة هذا التأثير من خلال نماذج عدة، فمثلا اليوم نشاهد أن واقع الولايات المتحدة الأمريكية سيئا، فالنظام الصحي الأمريكي قد ينهار بسبب نظام التأمين الصحي غير الملائم مع القدرة على دفع تكاليف العلاج، ما قد يؤدي إلى تفشي المرض سريعا وإلى حالة من الذروة، لا تستطيع المستشفيات الأمريكية من احتوائها، ما سيعزز الركود الاقتصادي في أمريكا، لكن الإشكال أن الاقتصاد الصيني يعتمد على الصادرات، وبالتالي سيقوي الحاجة إلى قيادة مشتركة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

ما بعد كورونا سيكون هناك تعثر للاتحاد الأوروبي وفشله في إدارة الأزمة، ونلاحظ أن إيطاليا وجهت انتقادات كثيرة للاتحاد، ووصفت روما الدعم الأوروبي لها سيء، وهذه مؤشرات على فشل الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأزمة داخله، وبسبب هذا التعثر لجأت الدول الأوروبية الكبرى إلى الانغلاق على الذات، والتركيز على مواجهة تفشي الفيروس داخل أراضيها، وعدم تقديم المساعدة للدول الأكثر تضررا بفيروس كورونا، وهذا سيوصل لقناعة لدى الكثير من الدول أن الاعتماد على الذات هو الطريق الأمثل لمواجهة الأزمة، وأثبتت الأزمة أن آلية التعامل والتكامل الدولي كانت غائبة وعديمة الجدوى.

هذه الأزمة ستعطي تغييرا في قيادة العالم، ولن تكون المقاييس نفسها التي تصنف العالم بعد كورونا، والمقياس الأهم هو القدرة على حسن إدارتها بنسبة وفيات منخفضة ونسبة تعافي عالية، والدول التي ستتمكن من خفض حجم الخسائر وتحمل تكلفة انتشار الفيروس اقتصاديا ومجتمعيا، ستتمكن من الصعود إلى صدارة النظام العالمي.

أزمة كورونا ستؤدي إلى إعادة النظر في النظام العالمي والنظرية الفيدرالية التي تقول إنه لا بد من فتح الحدود، وأن التعامل بين البلدان سيكون مفيدا بالنسبة للجميع، وفشل العولمة في إدارة الأزمة سيؤدي إلى إعادة النظر في هذا المنحنى، وحتى في دور المنظمة العالمية للتجارة على مستوى إدارة التجارة الدولية وإدارة التعاملات بين البلدان، وسيؤدي إلى إعادة النظر العملية التجارية التي تدير الصادرات والواردات، وستؤدي إلى إعادة النظر بالعائدات الجمركية التي ستوظف على الإيرادات.

أسامة بوشماخ

أستاذ العلوم السياسية في جامعة تيسمسيلت

هناك مشاكل كبيرة ناتجة عن الأزمة الحالية، أبرزها تراجع العمالة، ما سيؤدي إلى نقص في درجة التعاون بين الدول، لذلك نمط الصراع والحروب الهجينة ستخرج خلال السنوات القادمة، ونسبة الإنفاق على الجيوش سترتفع كثيرا، وهذا سيكون على حساب الصحة والرعاية.

باسم حتاحيت

عضو مؤسس في المركز السوري للعلاقات الدولية

يجب على الدول العربية النفطية أن تفكر في الطرح الأوروبي لمشروع “مرشال” في القرن الحالي، وأن تذهب في نفس الاتجاه، لأن المخزون النفطي لهذه الدول بدأ بالانخفاض، والبورصات بدأت تخسر بشكل كبير، ما يتطلب بالسير باتجاه إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية، من خلال إعادة تشكيل الصناعات والإشراف عليها بشكل مباشر.

هناك حاجة إلى برامج اقتصادية جدية لإعادة النمو بالاقتصاد من جديد، فمشكلة الركود الاقتصادي في بدايات القرن 21 تم الحديث عنها سابقا، والأوروبيون والصينيون مدركون لهذه المشكلة، ويعرفون كيف سيعودون من هذه المشكلة، وجاءت أزمة كورونا لتعجل بها لذلك يتم الحديث الآن عن إعادة إحياء مشروع الاقتصاد والصناعة الأوروبية.

لذلك فالاتحاد الأوروبي يتحدث عن إعادة رؤوس الأموال المستثمرة في قضايا التصنيع إلى داخل أوروبا، وإعادة دعم مجالات التصنيع في الدول النامية في بعض الدول العربية أو بعض الدول الأفريقية، والاتحاد يتحدث عن إعادة منظور العلاقات الاستراتيجية في الاستثمار المشترك. 

الآن كل هذه القضايا الجديدة يتم طرحها في أروقة الاتحاد الأوروبي، وتتحدث عن إعادة رؤية المشروع الاقتصادي أو السياسي أو العلاقات السياسية الاستراتيجية، والأوربيون يقولون إن الركود الاقتصادي إذا حل، سيكون هناك تعددية استراتيجية، وحينها الاتحاد الأوروبي لن يكون له ثقل.

نايل الشافعي

الخبير في مجالي الاتصالات والطاقة

فيما يتعلق بتأثيرات كورونا الاقتصادية على الشرق الأوسط، باعتقادي أن هناك ثلاثة أمورت حدثت خلال السنوات القليلة الماضية، وعملت على تراكم في طبيعة وشكل هذا التأثير، الأولى وهي تخلي واضح عن الشرق الأوسط أو ابتعاد للشركات الكبرى العالمية عن منطقة الشرق الأوسط وهذا بدأت رصده منذ حوالي عام 2005 وهذا أمر مقلق، الأمر الثاني؛ هناك زيادة هائلة في ضخ الغاز من كافة الدول العربية دون أي مراعاة لاحتياجات السوق، أو الجوانب الفنية لعملية الضخ وهذا يعني انعكاس واضح على مستقبل هذا الحقل، وكأن النتيجة ستكون بمثابة الإسراع في الانضاب لهذا المخزون الاستراتيجي، والأمر الثالث، ظهور الربيع العربي، والانتقال المرحلي في المنطقة العربية، حتى الان لا تعطي حالة من الاستقرار التام.

أرى أن جزء جديد من النظام العالمي الجديد الذي قد تعمل جائحة كورونا على التسريع به هو مفهوم الدولة أصبح لاغيا، وأصبح من مخلفات القرن العشرين، لذلك الاتجاه الذي ستسرع به كورونا، هو أن تخفف الدول من قبضتها حول مفهوم السيادة وفقا للطرح القديم، وهذا يعني ظهور مفاهيم اخرى نتيجة هذه التحولات.

محمد جويلي

الخبير في علم الاجتماع

ما بعد كورونا سيكون مختلف عما قبل قورونا لانه هناك أسئلة جديدة ستطرج وتحديات كبرى، فقد ابرزت الأزمة نقاط ضعفنا والعيوب فينا، وواقعنا بشكل واضح، وأهم شيء تراجع الدولة وعدم قدرة الدولة على تقديم الخدمات الضرورية والأساسية لشعوبها العربية، وهي غير جاهزة لمثل هذه التحديات الكبرى، وتتبين اختيارات الدولة هي اختيارات ليبرالية بدون تفكير في الرفاه الاجتماعي أو الرعاية الاجتماعية، وبطريقة نرجسية مثل نحن في مجتمع رأسمالي والعقلانية تغلب على كل شي، الإنسان عنده القدرة على توفير كل شي، وفي كل بلدان العالم تبين أن محدوديتنا في التعامل مع هذه الأزمات محدودة تحديداً الأزمة الاجتماعية.

المجتمع المدني في حالة اختبار مهمة هل سيكون جاهزاً لهذه التحديات الكبرى وهل له القدرة للوصول إلى الناس في كل مكان، ويبدي طاقة إيجابية، أنا أتحدث عن المجتمعات التي فيها تجارب مدنية وتاريخ مجتمع مدني وحاضر بطريقة أو أخرى تقريباً الدول المغاربية، وهناك بعض الدول فيها مجتمع مدني حاضر بطريقة أو أخرى، وسيفرض طريقته المجتمع المدني دوله ليكون مسانداً للدولة، ويعطي فرصة للتعمق في المجتمعات وسيمنحه شرعية جديدة، ولكن أيضاً المجتمع المدني سيتجه نحو أشكال جديدة من مضامين النشاط المدني نحو البعد التضامني، وقضايا حقوق الانسان والتدبير الذاتي، لكن أعتقد أن الجائحة ستحول بوصلة المجتمع المدني نحو القضايا الاجتماعية والتضامن والمساءلة الاجتماعية.

في دول الريع الاقتصادي هناك ضعف لنسيج المجتمع المدني، ومن المتوقع أن يبرز مجتمع مدني في ظل هذه التضامنات الأولية العفوية قد تشكل بدايات تشكل مجتمع مدني، وخصوصاً هذه الأنظمة السياسية محتاجة إلى أن تعيد النظر في الكلفة الكبيرة جداً في التراجع عن دولة الرعاية والرفاه والتضامن الاجتماعي، أغلب بلدان العالم وتحديداً في منطقتنا ستعيد النظر في هذه المفاهيم، لتجاوز الجوائح القادمة المرتبطة بالطبيعة.

ستتأثر الاحياء الشعبية والطبقات الفقيرة مع الطبقات الوسطى، ستوجهنا الأزمة لانكماش اقتصادي يؤثر بشكل مباشر على الفئات الشعبية ويمثل تحدي للدولة في أداء وظائفها الطبيعية من الخدمات الصحية والاجتماعية، سيزيد الإرهاق الاجتماعي سيبرز أكثر على الفئات الشعبية من بطالة وتسريح عمال، وهذا سيدفع إما لتفجر ثورات جديدة في دول معنى، وسيزيد من دكتاتوريات سلطوية أكبر، أمام تراجع الفعالين السياسيين، وهناك مخاوف في حالة الفراغ الذي أحدثته كورونا أن تؤدي لمزيد من الدكتاتوريات.

عبير عطفة

المتحدثة الرسمية وضابط الاتصالات الإقليمية لمكتب الشرق الأوسط وشمال افريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية في برنامج الأغذية العالمي

يعتمد حوالي 23 مليون شخص بصورة كلية على المساعدات الغذائية من برنامج الأغذية العالمي في المنطقة العربية، ثلث هؤلاء في اليمن وسوريا، لذلك من الضروري أن تستمر طرق إيصال المساعدات لهم، ونعتمد على الأسواق المحلية لهذه البلدان إما عن طريق قسائم النقد الغذائية مثل معظم مساعدات اللاجئين السوريين أو عن طريق التوريد، فمثلاً في اليمن هناك 12 مليون مستفيد تصلهم السلال الغذائية معظمها يتكون من مواد ناشفة “زيوت وحبوب ومعلبات ومعكرونة وقمح وبرغل وحمص وعدس”.

نتوقع أن يكون هناك زيادة كبيرة لأعداد الناس التي تحتاج للمساعدات الغذائية في الفترة القادمة لأن الأنشطة الاقتصادية والزراعية والعمالية توقفت وتباطأت في كثير من البلاد، وأثر ذلك على ميزانية الدول وتحديداً شبكات الأمان الاجتماعي، مما سيؤثر على قدرة الدول التي تعاني من صراعات وأزمات على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، أو تقليل التمويل من مجتمع المانحين بعد الأزمة.

بالنسبة للأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط فإن أهم التحديات التي تواجه هذه المسألة انقطاع وتباطؤ سلاسل التوريد العالمية، في ظل الاعتماد بنسبة كبيرة على الاستيراد من الخارج، فالتوزيع لدينا يتم على قرابة 80 دولة حول العالم، منهم 14 دولة عربية، وستتزايد أزمة انعدام الأمن الغذائي في قرابة 9 دول عربية منهم اليمن والعراق وليبيا وسوريا ولبنان وغيرها تلك التي تعاني من صراعات أو أزمات مالية، وهذا سيهدد عملية المساعدات الإنسانية الغذائية والمياه للنازحين والمهاجرين.

الخطورة في تحول الوباء من أزمة صحية لأزمة اقتصادية، تؤثر على التوريد، لذلك أتمنى أن يكون هناك علاقات بينية في المنطقة العربية تعزز مجال التعاون في الأمن الغذائي باعتباره أولوية وحاجة ملحة الآن.

عبد الكريم عوير

باحث وصحفي علمي عربي

التعامل مع المعلومات في ظل أزمة كورونا أصبح له تأثير أكبر على حياة الأشخاص، ولهذا السبب أصبح الاهتمام بدقة المصادر للحصول على المعرفة نتيجة وجود حالة الهلع والخوف، هذا خلق سياق جديد، وهي مؤسسات ومنصات مهمتها تصحيح المعلومات الموجودة وتبيان مدى دقتها، لأن المعلومات أصبحت ذات أهمية أكبر. وهذا الحال قد يستمر بعد انتهاء الوباء، لكن بالعموم الجماهير أصبحت أكثر وعيا، وهناك حرص بالتعامل مع المعلومات، وهذا الأمر لا ينطبق فقط على الشعوب بل على الحكومات. الأمر الذي أسس إلى أنه في أزمة الأوبة الناس تتخلى عن خصوصيتها مقابل حمايتها، وهو ما يمكن أن نفهم منه زيادة الطلب على الخدمات، وبالتالي ربما شاهدنا زيادة في قطاع الخدمات على باقي القطاعات الاقتصادية.

في المقابل لم تكن هناك خطة طوارئ مدروسة عربيا، فمثلا بعد ظهور الأزمة في الصين ومرور 3 شهور عليها هناك قبل الوصول للمنطقة لم يكن هناك من يخطط كيف يمكن أن ينتقل هذا الفيروس للمجتمعات عندنا وكيف يمكن المواجهة.

كل هذا يدفعنا للحديث عن مدى زيادة الثقة عربيا بالتعاملات النقدية الإلكترونية، وأنا اعتقد أن التعامل بالنقد كان هو الأكثر انتشارا، وبالتالي بشكل واقعي وفعلي أن العالم العربي، باستثناء دول الخليج، لم يكن هناك انتقال فعلي عربي للتعامل مع المعاملات النقدية الرقمية، وهذا يجعل تأثر هذه المعاملات نتيجة الأزمة قليلا.

أكثر شيء تأثر في قطاع التكنولوجيا هو قطاع الترفيه، مما دفع كبرى الشركات إلى تقليل الجودة لقدرة استيعاب الضغط التقني على شبكة المعلومات، كذلك هذا القطاع يحتاج إلى مجموعات حتى تنتج وانتشار الوباء والإجراءات المرتبة عليه لا تتيح ذلك.

في المقابل هناك ارتفاع كبير لقطاعات التواصل الاجتماعي والوصول إلى المنصات الاجتماعية، وأعتقد أن العالم سوف يشهد طفرة في نوعين من القطاعات، الأول قطاع الأتمته، وهو الذي يصنع اقتصاد جديد على مستوى العالم سواء في القطاع البري أو البحري، وهذا قد يقود إلى سلاسل التوريد أن تتحول إلى ربط إلكتروني، ولكن هذا يتطلب بشكل أساسي تطوير البنية التحية لشبكة الانترنت في جميع الدول وخاصة في الوطن العربي.

القطاع الثاني الذي سيتأثر هو من يعود لقطاع العمل، بمعنى أن الذين أصيبوا بالفيروس وتعافوا تحصل أجسادهم على مضاد، وبالتالي قد يكونوا هم الأكثر استقطابا للعودة للعمل.

أحد القطاعات التي ستربح وربما تزدهر خلال الفترة القادمة هي “التمويل المجتمعي”، فقد شهدنا طفرة خلال 5 سنوات ماضية في حضور التمويل المجتمعي على مستوى العالم وهو بديل للتمويل الحكومي أو الرسمي، اليوم في العالم العربي ونتيجة حالة الانهاك للاقتصاد بسبب الجائحة والأزمات قد تجعل التمويل المجتمعي أكثر حضورا، بحيث يساهم المجتمع في بناء ذاته. وهذا قد يفسر ظهور منصات اجتماعية بهذا الإطار عربيا، وقد تبرز المبادرات.

أهم نصيحة يمكن أن توجه للعالم العربي في ظل هذه الأزمة، هي أهمية المعلومة وقيمتها، وبالتالي عدم هدر المعلومات من خلال شبكات التواصل، وعدم نشر أي شيء لمجرد النشر.

الأمر الثاني، رغم أن الحكومات العربية قاموا بخطوات من حظر للتنقل وغيره لعدم انتقال العدوى إلا أنها خطوات لم تكن كافية، فالأزمات الناتجة عن الوباء مطلوب معالجتها وليس فقط عدم انتشاره؛ خلاصة الأمر، أن المواطن ربما يتجاوز النظام الاقتصادي الرسمي للدول ويبدأ البحث عن فرصة من خلال إما شبكات التواصل الاجتماعي، أو منصات التمويل المجتمعي.

معاذ العامودي

مدير العلاقات العامة والاعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى