البرنامج الصاروخي الإيراني وآثاره في الأمن الإقليمي

د. مأمون أبو عامر

مستشار منتدى السياسات

اقرأ في هذا المقال

  • يُعدُّ البرنامج الصاروخي الإيراني مثار جدل بين إيران من جهة وبين القُوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى. وتقف إسرائيل ومن خلفها الولايات المتَّحدة الأمريكية، موقفًا معارضًا وبقوَّة للبرنامج الصاروخي، بصفته تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل

مقدمة:

يُعدُّ البرنامج الصاروخي الإيراني مثار جدل بين إيران من جهة وبين القُوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى. وتقف إسرائيل ومن خلفها الولايات المتَّحدة الأمريكية، موقفًا معارضًا وبقوَّة للبرنامج الصاروخي، بصفته تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل. كما تعارض الدول الأوروبِّية النسخ المطوَّرة من البرنامج الصاروخي الإيراني، خشية أن تتحوَّل الصواريخ الإيرانية إلى أداة تهديد لها.

وإلى جانب المواقف الغربية المعارضة للبرنامج الصاروخي الإيراني، يقف عدد من الدول العربية التي تَعُدُّ هذا البرنامج تهديدًا لأمنها واستقرارها. وقد شكَّلت التطوُّرات الأخيرة في اليمن -بما يملكه الحوثيون حلفاء إيران فيها، من ترسانة صاروخية نجحت في تهديد المواقع الاستراتيجية السعودية، كالمطارات ومواقع إنتاج النفط والغاز- موقفًا تقف الإمارات العربية إلى جانب الرياض فيه، يرفض المشروع الصاروخي الإيراني ويطالب بتحجيمه، بهدف الحدِّ من قدرات إيران الهجومية.

وإلى جانب عدم توقُّف إيران عن تطوير قدراتها الصاروخية الذاتية، وتطوير البرنامج الصاروخي لحلفائها في اليمن، فإنها قد عملت على تطوير برامج صاروخية مساندة لها في كلٍّ من دمشق وبيروت وغزَّة، وإن كانت بنسب متفاوتة. هذه المنظومات الصاروخية نجحت بدرجات معيَّنة في إحداث حالة من الضغط على الطرف الإسرائيلي، إذ تحوَّلت المنظومات الصاروخية التي تمتلكها فصائل المقاومة في غزَّة ولبنان إلى مثار قلق وهاجس دائم للجمهور، وهذا ما أكَّدته الحروب التي خاضتها إسرائيل مع هذه الأطراف، سواءٌ في حرب 2006 في لبنان، وحروب 2009 و2012 و2014.

وعلى الرغم من المعارضة القوية التي تتعرَّض لها إيران، وإصدار قرارات لمحاصرة قدراتها الصاروخية وعرقلة برنامجها، فإنها نجحت بشكل لافت في تجاوز هذه العقبات، ومضت في تطوير قدراتها دون الالتفات إلى هذه المصاعب، نظرًا إلى أنَّ امتلاكها قدرات صاروخية يمكِّنها من الضغط على خصومها، ومنع أيِّ عدوان محتمل على أراضيها.

مشكلة الدراسة وأسئلتها:

تكمن مشكلة الدراسة في التعرُّف على مدى تأثير منظومة الصواريخ الإيرانية في الاستقرار الإقليمي، وإلى أيِّ مدًى يمكن لهذه المنظومة أن تشكِّل إضافةً نوعية لحالة التوتُّر السائدة في المنطقة، أو أن تشكِّل عاملًا من عوامل الاستقرار، وينتج عن هذه الإشكالية عدة تساؤلات وهي:

  • ما دوافع إيران إلى امتلاك برنامج صاروخي؟
  • ما طبيعة البرنامج الصاروخي الإيراني ومدى تطوُّره؟
  • ما مدى تأثير هذه القوَّة الصاروخية الإيرانية في أمن إسرائيل؟
  • ما مدى تأثير البرنامج الصاروخي الإيراني في أمن الدول الخليجية المجاورة؟
  • ما مدى تأثير البرنامج الصاروخي الإيراني في تسلُّح الدول والقُوى الأخرى في المنطقة؟

   أهداف الدراسة:

  • التعرُّف على المنظومة الصاروخية الإيرانية.
  • التعرُّف على دوافع إيران لامتلاك هذه المنظومة الصاروخية.
  • قراءة وتحليل سلوك الدول والقُوى الإقليمية والدولية المبني على امتلاك إيران هذه المنظومةَ الصاروخية، وأثر ذلك في استقرار المنطقة.
  • قراءة وتحليل تأثير قدرات إيران الصاروخية في حلفائها الإقليميين.

  أهمِّية الدراسة:

تأتي أهمِّية الدراسة في التعرُّف على حجم البرنامج الصاروخي الإيراني وطبيعته، والكشف عن مستوى تطوُّره، بعد أن أصبح من وجهة نظر عدد كبير من الدول مصدر قلق وتهديد لها.

كما تنبع أهمِّية الدراسة من أنها تشكِّل إضافة إلى المكتبة العربية في الكشف عن واقع القوَّة الإيرانية، خاصَّةً الصاروخية، والتي يحيطها البعض بنوع من التضخيم من جانب، والتهوين أو الاستخفاف من جانب آخر.

  فرْضية الدراسة:

انطلقت الدراسة من عدَّة فرْضيات:

  • إيران تمتلك قوَّة صاروخية مهمَّة ومتقدِّمة.
  • البرنامج الصاروخي الإيراني يشكِّل مصدر قلق لعدَّة أطراف إقليمية، على رأسها إسرائيل ودول الخليج.

   حدود الدراسة: 

  • الحدود الزمانية: ظهور المخاطر الصاروخية الإيرانية بعد إعلان الرئيس محمَّد خاتمي عام 1998 عن حقِّ بلاده في امتلاك قوَّة صاروخية.
  • الحدود المكانية: منطقة الشرق الأوسط، نظرًا إلى أنَّ إيران هي مركز الحدث، ودول الخليج وإسرائيل هي محيطها المتأثِّر بالحدث.

الدوافع الإيرانية لامتلاك القدرات الصاروخية:

ترى القيادة الإيرانية أنَّ البيئة المحيطة بإيران تمثِّل تحدِّيًا وجوديًّا لنظامها منذ اليوم الأول لولادته، إذ تعرَّض النظام الإيراني في البداية للتهديد العراقي في حرب استمرَّت ثماني سنوات، أمَّا الآن فهي تواجه التهديد من أكبر أعدائها وهي الولايات المتَّحدة الأمريكية، التي تحطُّ حاليًّا على حدودها مع أفغانستان والعراق بشكل مباشر، وبعض الدول المستقلَّة عن الاتِّحاد السوفيتي، بالإضافة إلى الوجود الأمريكي الدائم في الخليج العربي. كذلك، فإنَّ باقي الدول المجاورة لإيران تشكِّل مصدر قلق لها، كتركيا التي تمتلك قوَّة عسكرية كبيرة، وهي عضو في حلف الناتو، وباكستان الدولة النووية، التي شهدت العلاقة بينها وبين إيران حالات من الصعود والهبوط، وهي شريك مهمٌّ لأمريكا في الحرب على الإرهاب ([1]). هذا إلى جانب التهديد المستمرِّ والصريح من القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين كافَّةً، بضرب المنشآت الاستراتيجية الإيرانية، خاصَّةً تلك المتعلِّقة ببرنامجها النووي.

ولذلك فقد عبَّر الرئيس الإيراني السابق محمَّد خاتمي في أغسطس/آب 1998، عن حقِّ بلاده في امتلاك القوَّة العسكرية للدفاع عن نفسها في ظلِّ هذه البيئة الاستراتيجية المضطربة، فقال: «إنَّ وضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية الاستراتيجي في العالم والإقليم، والشرق الأوسط بشكل خاصّ، يتطلَّب أن تمتلك إيران القدرات العسكرية. لن نأخذ من أحد الإذن لكي نقوِّي أنفسنا وقدراتنا العسكرية. إنَّ الدفاع عن النفس وردع الآخرين عن الاعتداء عليها هو حقٌّ لكلِّ دولة» ([2]). وفي ظلِّ تزعُّم إسرائيل للمواقف المهدِّدة لإيران، فإنَّ إيران تجد أنَّ الخطر الأساسي قد يبدأ من إسرائيل، ولذلك فقد سعت إلى تطوير صواريخ بعيدة المدى، قادرة على ضرب الأهداف الإسرائيلية([3]).

ويرى يفتاح شفير، خبير التسلُّح في مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تلِّ أبيب (INSS)، أنه نظرًا إلى الحصار المفروض على إيران من قبل الولايات المتَّحدة الأمريكية والغرب على تصدير السلاح الحديث، خاصَّة الطائرات الحربية الحديثة، فإنَّ إيران ترى أنَّ البرنامج الصاروخي هو الأكثر فاعليةً والأقلُّ تكلفةً. ويذكر يفتاح شفير أنَّه من زاوية الحاجة إلى الردع، «يمكن ملاحظة أنَّ إيران تسعى إلى امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى، مثل صاروخ شهاب-3، وسلسلة صواريخ شهاب 4 و5 و6، بهدف الردِّ على القدرات العسكرية الإسرائيلية الكبيرة لسلاح الطيران الإسرائيلي، لا سيَّما بعد تسلُّم إسرائيل طائرات (F–15I)، التي تمثِّل تحدِّيًا حقيقيًّا للمراكز النووية الإيرانية». كما أنَّ الرغبة في الحصول على سلاح صاروخي طويل المدى يمكنه حمل رؤوس متفجِّرة، يعطي الدولة هيبة عسكرية أمام خصومها ([4]).

  القدرات الصاروخية الإيرانية:

[popup_anything id=”2060″] يعود أصل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني إلى منتصف الثمانينيات، أي خلال الحرب مع العراق. وربَّما يمكن القول بأنَّ الاهتمام الإيراني بهذا الأمر كان نتيجةً أساسية لتطوُّرات تلك الحرب، وردَّ فعل على تطوير العراق في تلك الحقبة لصواريخ (سكود)، حين أصبح متفوّقًا في امتلاكه لعدد من تلك الصواريخ، ونوعيًّا في قدرته على زيادة مداها، ممَّا دفع بإيران إلى التوجُّه إلى كوريا الشمالية للحصول على صواريخ باليستية، فزوَّدتها بالفعل بـ(77) صاروخًا من نوع (Scud-B) و(Scud-C). وبعد انتهاء تلك الحرب، استمرَّت المساعي الإيرانية في الحصول على الصواريخ متباينة المدى، ففي أواخر عام 1989، استوردت إيران صواريخ من الصين، وبذلت جهودًا حثيثة لبناء قاعدة تصنيعية للصواريخ الباليستية بعيدة المدى، بالتعاون مع دول كان في مقدِّمتها كوريا الشمالية وروسيا والصين([5]).

ومنذ ذلك الوقت، طوَّرت إيران على الأقلِّ أربعة نماذج مختلفة من الصواريخ الباليستية ذاتية الدفع التي تعمل بالوقود السائل، بَدءًا بشهاب-1، وشهاب-2، وشهاب-3، وغدير-1. وقد طُوِّر شهاب-3 بأعداد قليلة منذ عام 2003. واستمرَّت جهود إيران في سبيل زيادة المدى والدقَّة وحمولة الرأس المتفجِّر، مستخدمةً التكنولوجيا الكورية. وترى المصادر الغربية أنَّ صواريخ شهاب 1 و2 هي نسخ لصواريخ سكاد-بي، وسكاد-سي، أمَّا شهاب-3 فهو نسخة مطوَّرة للصاروخ الكوري الشمالي نودونغ ((Nodong([6]).

وقد أشارت بعض التقرير إلى أنَّ إيران طوَّرت نماذج أكثر تقدُّمًا من منظومة شهاب، وهذه الصواريخ لها قدرة أكبر على حمل الموادِّ المتفجِّرة، ومدًى أطول يصل إلى 2000 كم و2500 كم و4000 كم تعرف بـشهاب-4 وشهاب-5 وشهاب-6 التي يُطلق عليها KOSAR. لكنَّ المسؤولين الإيرانيين ذكروا أنه ليس في نيَّة إيران تطوير صواريخ للاستخدام العسكري أكثر من شهاب-3، وأنها تنوي تطوير صاروخ يحمل قمرًا صناعيًّا يُطلق نحو الفضاء بجهد إيراني ذاتي ([7]).

وفي سنة 2005، حصلت إيران على 18 صاروخًا من طراز (BM-25)، وبحسَب المصادر، فهي صواريخ روسية من طراز (SS-N-6)، الصاروخ الباليستي المُعدّ للإطلاق من غوَّاصات، والذي يصل مداه إلى 2500 كم – 3000 كم، وقد كان في الخدمة في فترة الاتِّحاد السوفيتي في الستِّينيات. ووَفق ما ورد من معلومات، فإنَّ هذه الصواريخ كانت بحوزة كوريا الشمالية، ثم نُقل عدد منها إلى إيران([8]).

إضافةً إلى منظومة الصواريخ هذه، فقد بدأت إيران في إنتاج الصاروخ سجِّيل (عاشوراء) بعيد المدى، الذي يعمل بالوقود الصُّلب. وقد أُجريت أول تجرِبة إطلاق له في نوفمبر 2008، أمَّا التجرِبة الثانية فقد كانت في مايو/أيَّار 2009. وتبيَّن من الصور التي نُشرت له أنه صاروخ متعدِّد المراحل، وله قدرة على حمل رأس متفجِّر تبلغ زنته 1000 كجم، وبإمكانه الوصول إلى بُعد 2200 كم. ويرى خبراء الصواريخ أنه في حال تقليص الرأس المتفجِّر إلى 500 كجم، فإنَّ هذا الصاروخ سيصبح قادرًا على الوصول إلى بُعد 3000 كم، ممَّا يسمح له باستهداف جنوب شرق أوروبَّا، على الرغم من أنه لا يزال غير جاهز للعمل ([9]).

وفي يونيو/حَزِيران 2011، قال قائد قوَّة الطيران والفضاء في الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، اللواء عامر علي حجياده، إنَّ «صواريخ بلاده يمكنها الوصول إلى مسافة 2000 كم»، وعقَّب بقوله: «لا يوجد تهديد لنا من أيِّ بلد آخر غير الولايات المتَّحدة والنظام الصهيوني، وإنَّ صواريخنا قد صُمِّمت بحسَب المسافة، من أجل إصابة الكِيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في الخليج الفارسي». وأضاف: «على الرغم من امتلاك إيران للتكنولوجيا، فإنها لا تنوي إنتاج مثل هذه الصواريخ. ضمنيًّا، نتجنَّب إنتاج الصواريخ العابرة للقارَّات (ICBMs)، لتجنُّب الدخول في خلاف مع الدول الأوروبِّية والولايات المتَّحدة». وفي أغسطس/آب 2016، قال وزير الدفاع الإيراني الجنرال حسين دهقان: «لم يكن لدينا أيُّ حدود لمدى الصواريخ الباليستية السائلة أو الصُّلبة» ([10]).

وفي يناير/كانون الثاني 2017، أي بعد قرابة 11 سنةً من اكتشاف صواريخ BM-25 وكونها أصبحت معروفة، اكتشف الغرب -مرَّة أخرى بتسريب استخباراتي- أنَّ الإيرانيين قد اختبروا صاروخًا جديدًا من أصل كوري شمالي. وقدَّر المحلِّلون في إسرائيل وحول العالم أنَّ الأمر لا يتعدَّى صاروخ BM-25. في البداية، لم يردَّ الإيرانيون، ولكنَّ التقارير الإعلامية حول إخفاق الاختبار دفعتهم إلى الاعتراف بحدوث ذلك وادِّعاء النجاح.

وفي سبتمبر/أيلول 2017، عُرض BM-25 في طهران للمرَّة الأولى وأُعلن عن اسمه الإيراني، ولم يختلف الطراز BM-25 الإيراني (خُرمشهر) عن سلفه الكوري الشمالي HS-10 في أدائه المُعلن والطريقة التي يُطلق بها. وفي حين أُطلقت النسخة الكورية الشمالية من مركبة مخصَّصة متعدِّدة العجلات مع قدرة عالية، أُطلقت النسخة الإيرانية من مقطورة نقل صهاريج مخصَّصة معدَّلة لإطلاق الصواريخ، على غرار الطريقة التي تُطلق بها الصواريخ الاستراتيجية الإيرانية الأخرى.

واستنادًا إلى الاختبار الوحيد الذي أُجري على HS-10 في كوريا الشمالية، يمكن للمرء أن يقيِّم بشكل معقول أنَّ مداه يبلغ قرابة 3500 كم، وربَّما أكثر. وعلى الرغم من عدم نشر وزن الرؤوس الحربية لصاروخ كوريا الشمالية، فإنَّ المراقبين وضعوا تقديرًا له ما بين 500 و600 كيلوجرام، وهو ما يكفي لحمل رأس حربي نووي من الجيل الأول. ومع ذلك، يبدو أنَّ أداء النسخة الإيرانية مختلف تمامًا ([11]).

أمَّا بخصوص صواريخ كروز الهجومية الأرضية، فتدَّعي إيران أنها أنتجت نظامين منها، يبلغ مدى الأول 700 كيلومتر، والآخر (الأرض-أرض) يبلغ مداه 2500 إلى 3000 كم. وقد أطلقت كذلك صومار التي يبدو أنها اعتمدت في تصميمه على الصاروخ رادوغا من نظام Kh-55 الروسي، الذي حُصل عليه قبل بضع سنوات من أوكرانيا، وهو النظام الأساسي للقوَّات الجوِّية السوفيتية لإطلاق الصواريخ النووية. لكن ليس من الواضح أنَّ أيًّا من النظامين يعمل([12]).

  • الصاروخ خُرمشهر:

ظهر الصاروخ الإيراني خُرمشهر في عرض عسكري في طهران يوم 6 سبتمبر/أيلول 2017، ونقلت وسائل الإعلام الإيرانية أنَّ إيران أجرت تجرِبة ناجحة على الصاروخ، وذكرت القناة العاشرة الإسرائيلية أنَّ الكشف عن هذا الصاروخ أثار حالة من القلق لدى الجانب الإسرائيلي، على رغم أنه لا يُعدُّ صاروخًا دقيقًا، وأنَّ مداه لا يتعدَّى 2000 كم. لكن ما يُقلِق الجانب الإسرائيلي هي بنية الصاروخ، إذ إنَّ له قوَّة دفع ذاتي متقدِّمة حصلت عليها إيران من كوريا الشمالية، ويبلغ قطره مترًا ونصف المتر تقريبًا، ويمكنه حمل ثلاثة رؤوس متفجِّرة. وتكمن الخطورة الحقيقية لهذا الصاروخ في أنَّ رأسه قابل للانشطار، ممَّا يشكِّل تحدِّيًا لمنظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، على الرغم من أنَّ المصادر الإسرائيلية تتحدَّث عن نجاح نظام الدفاع الصاروخي السهم (حيتس) في التصدِّي لصواريخ مثل خُرمشهر. وقد أشار وزير الدفاع الإسرائيلي حينها، أفيغدور ليبرمان، إلى أنَّ خُرمشهر بقدراته الحالية لا يشكِّل تهديدًا للولايات المتَّحدة وحلفائها بما فيهم إسرائيل، لكنه يشكِّل تهديدًا لجميع دول العالم الحرّ. وعلى الرغم من ذلك، فقد ادَّعت مصادر أمريكية أنَّ تجرِبة إطلاق الصاروخ خُرمشهر قد أخفقت([13]).

ولكي تعزِّز إيران قدرتها الدفاعية، فقد بَنَت أيضًا أنظمة أنفاق مرافق الإنتاج والتخزين والإطلاق تحت الأرض في مناطق إيرانية مختلفة، عُرض بعضها على وسائل الإعلام تعزيزًا لقدرة الردع الإيرانية. وتُعدُّ هذه الهياكل تحت الأرض هي الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط ([14]).

وقد كشف تقرير استخباري إسرائيلي أعدَّته شركة الأقمار الصناعية الإسرائيلية إيميج سات (ISI)، عن حجم التقدُّم الإيراني في البرنامج الصاروخي. إذ ورد في التقرير الذي نشرته القناة الثانية عشرة العبرية حديثٌ عن وجود «شبكة كبيرة معقَّدة من القواعد العسكرية الموزَّعة في جميع أنحاء الجمهورية الإسلامية»، ووضَّح التقرير أنَّ ثمَّة مَن يسمِّيها مدن الصواريخ، وأنَّ الحرس الثوري يبذل جهدًا كبيرًا لإخفاء مواقعها، ويوزِّعها في جميع أنحاء إيران وفي الأعماق، بهدف خلق صعوبات لتتبُّعها. وعلى سبيل المثال، فقد أشار التقرير إلى أنَّ موقع كرمنشاه غربي إيران من الصعب جدًّا تمييزه من فوق الأرض، إذ لا نرى أيَّ شيء من السطح، ولكن عند الدخول أكثر تحت الأرض، يمكن رؤية فُتحات أنفاق من خلال فُتحات الصخور، وفي الأنفاق تُخبَّأ قاذفات الصواريخ، والتي يمكن إخراجها بسرعة للإطلاق منها. وأضاف التقرير أنَّ ثمَّة طرقًا أخرى للتمويه وإخفاء الصواريخ، كاستخدام الحفر التي تكون في عمق الأرض داخل صوامع خاصَّة، فلا يمكن العثور على فُتحات إطلاق الصواريخ فيها، كما هو الحال في شيراز جنوب إيران ([15]).

 القدرات الإيرانية في مجال الفضاء:

تكمن خطورة برنامج إيران الصاروخي الفضائي في أنه قد يقدِّم لها قدرات توجيهٍ للصواريخ العابرة للقارَّات وسيطرةٍ عليها، ولذلك ترى الولايات المتَّحدة الأمريكية أنَّ هذا البرنامج هو التحدِّي الرئيسي للأمن الأمريكي. ولتعزيز هذه القدرات، أنشأت إيران عددًا من الهيئات المتخصِّصة في مجال الفضاء، على رأسها وكالة الفضاء الإيرانية ISA، والوكالة المخضرمة في مجال جمع معلومات الفضاء الإيرانية: المركز الإيراني للاستشعار عن بُعد (IRSC). يشمل هذا المركز محطَّات أرضية بإمكانها استقبال المعلومات من عدد من الأقمار الصناعية، سواءٌ في الحاضر أو المستقبل. ويتعاون المركز مع وزارة العلوم وعدَّة مراكز بحثية في مجالات فضائية متعدِّدة، فيما يخصُّ الخرائط الطبوغرافية ومصادر المياه. فالواضح أنَّ إيران مصمِّمة على الحصول على قدرات فضائية خاصَّة بها، سواءٌ في مجال الاتِّصالات والبحوث، أو في المجال العسكري([16]).

كان (سفير) أول قمر صناعي إيراني، أُطلق في فبراير/شباط 2009 بعد عدَّة إخفاقات، فكان أول تجرِبة إيرانية ناجحة. تبع هذا النجاح إرسال قمر البحوث (أوميد) الذي يحمل أجهزة استشعار من بعد، ووسائل اتِّصالات، وأجهزة قياس من بُعد([17]).

كما استطاعت إيران استخدام سفير-2 لإطلاق قمر صناعي إلى مدار الأرض، لكنَّ هذا الإطلاق لم يأتِ بتكنولوجيا جديدة، نظرًا إلى أنَّ المرحلة الأولى من سفير تعتمد على صاروخ شهاب-3([18]).

ويمكن لمركبة إطلاق الفضاء الإيرانية (سفير) (SLV)، التي وضعت أربعة أقمار صناعية في المدار منذ عام 2009، أن توفِّر الخبرة والمعرفة اللازمة لبناء نظام مضادٍّ للقذائف التسيارية. تشير بعض التقييمات إلى أنَّ (سفير) قد كافحت لوضع قمر صناعي صغير جدًّا في مدار أرضي منخفض، ومن ثَمَّ فربَّما تكون قد وصلت إلى الحدود الخارجية لأداء غلافها، لكن لا يمكن استخدامها كنظام ICBM. وفي عام 2010، عرضت إيران نموذجًا بالحجم الكامل من SLV ذات المرحلتين الأكبر، هو Simorgh، الذي اختُبر لأول مرة في أبريل/نيسان 2016. ويبدو أنَّ إيران تحتفظ بخيارات مفتوحة لتطوير ICBM. وفي الواقع، تشير تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى أنَّ إيران وكوريا الشمالية تتعاونان لتطوير محرِّك صاروخي كبير مناسب للاستخدام في SLV أو ICBM، والذي ربَّما كان المحرِّك الذي اختبرته كوريا الشمالية مرَّةً في سبتمبر/أيلول 2016، ومرَّةً أخرى في مارس/آذار 2017([19]). (صورة مدى الصواريخ الإيرانية)

منظومات الصواريخ التي يمتلكها حلفاء إيران:

تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أنَّ إيران أقدمت على تسليح حلفائها في الإقليم، وعلى رأسهم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، بمنظومات صاروخية قصيرة المدى يمكنها ضرب أيِّ أهداف حيوية في قلب إسرائيل، ممَّا حوَّلها إلى خطر استراتيجي، نظرًا إلى قربها من المدن والأهداف الإسرائيلية. وبحسَب تقديرات مصادر إسرائيلية، فقد تمكَّنت حماس من تشكيل ترسانة من 10 آلاف صاروخ، أطلقت منها 3 آلاف صاروخ خلال حرب 2014، استطاع الجيش الإسرائيلي تدمير 3-4 آلاف صاروخ منها. وتقول هذه المصادر إنَّ فصائل المقاومة الفِلَسطينية قد نجحت -ومن دون مساعدة خارجية- في تطوير منظومة الصواريخ الخاصَّة بها، من ناحية القوَّة التدميرية ودقَّة الإصابة([20]). فتحوَّل الصاروخ من مصدر للقلق الهامشي إلى تحدٍّ على أولويات الحكومات الصهيونية المتعاقبة، بعد تطوُّره من حيث الكمِّ والنوع بشكل مستمرّ. فبعد أن أطلقت المقاومة 4 صواريخ عام 2001، و34 صاروخًا في العام التالي، وصلت كثافة النيران إلى 450 صاروخًا وقذيفةً خلال 24 ساعة، في آخر جولة تصعيد خاضتها المقاومة مطلع مايو/أيَّار 2019، إذ أطلقت المقاومة -بحسَب صحيفة هآرتس- 700 صاروخ خلال يومين، رُصدت من الجانب الإسرائيلي، وهو ما يزيد على ربع عدد الصواريخ التي أُطلقت خلال حرب 2014، ممَّا يشير إلى تعاظم مخاطر الصواريخ من قطاع غزَّة([21]).

أمَّا حزب الله فيُقدَّر حجم مخزونه بعد 12 عامًا من حرب 2006، بقرابة 130 ألف صاروخ وقذيفة، تشمل صواريخ من نوع فتح-110، وقذائف من نوع فجر–5. وتقول مصادر مطَّلعة أنَّ حزب الله قد حصل على صواريخ سكود بي وسي، وأنَّ إيران تعزِّز القواعد الصاروخية السورية، والتي تشمل صواريخ بعيدة المدى ومتوسِّطة المدى، وحتى مصانع صواريخ([22]).

وقد نقلت إيران وسوريا قوَّة أكبر من الصواريخ والقذائف إلى حزب الله في لبنان. فبحسَب تقديرات خبراء، امتلك حزب الله حتى عام 2014، قرابة 33 ألف قذيفة وصاروخ، وقدَّر مصدر إسرائيلي رسمي أنَّ العدد قد يصل إلى 40 ألفًا، في حين قدَّر عدد من الخبراء الإسرائيليين أنه قد يبلغ قرابة 100 ألف. ومن الناحية العملية، فإنَّ كلَّ المصادر تتَّفق على أنَّ حزب الله لديه مخزون من صواريخ زلزال-2 (100-300 كم، ورأس حربي متفجِّر بزنة 600 كجم، ويعمل بالوقود الصلب)، وثمَّة معلومات بأنَّ سوريا قد زوَّدت حزب الله بصواريخ موجَّهة بمنظومة GPS من نوع M300 وM302 وM600، ومن المحتمل أن تكون لديه مجموعة من صواريخ سكود، يُضاف إلى ذلك 12 صاروخًا مضادًّا للسفن. وهذه الصواريخ تزيد من قدرة حزب الله على توجيه ضربات مدمِّرة إلى إسرائيل، في حال اندلعت مواجهة بين الطرفين.

وفي يناير/كانون الثاني 2014، ذكر عوزي رابين، مسؤول برنامج تطوير الصواريخ في إسرائيل، أنَّ السوريون بإمكانهم إنتاج صواريخ موجَّهة من نوع M600 بمنظومة GPS. وفي معرِض الحديث عن إيران ومنظومتها الصاروخية، قال إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل السابق ووزير دفاعها السابق أيضًا: «إننا سوف نستمرُّ في مشاهدة صواريخ أكثر دقَّةً، وفي خلال 5 سنوات ستصل الصواريخ إلى أقصى درجة ممكنة من الدقَّة، ممَّا سيسمح لهم بتوجيهها إلى أيِّ مبنًى يريدونه»([23]).

وأكثر ما يقلق إسرائيل في المنظومات الصاروخية المحيطة بها، هو إقامة إيران لمصانع للصواريخ الدقيقة، إذ تنقل أجهزة الرصد عبر الأقمار الصناعية المخصَّصة للتجسُّس، عبر شركة (ISI)، وجود مصانع صواريخ في شرق طرطوس بسوريا يُعتقد أنها مصانع صواريخ دقيقة تشابه بنية مثيلاتها في مدينة خجير الإيرانية ([24]).

 المخاوف الإقليمية والدولية من الصواريخ الإيرانية:

أولًا: المخاوف الإسرائيلية:

ترى إسرائيل في الأنشطة الإيرانية المتعلِّقة بقدراتها العسكرية تهديدًا وجوديًّا، وعلى الرغم من أنَّ القادة الإيرانيين يتحدَّثون بتحفُّظ عن برامج إيران التسليحية، ويصفونها بأنها برامج دفاعية في المقام الأول، فإنَّ تصريحاتهم حول إسرائيل تجعل الأمر مختلفًا. فالتهديدات الإيرانية الصريحة المتعلِّقة بالقضاء على إسرائيل، سواءٌ كانت تعبِّر عن مواقف حقيقية أم للاستهلاك المحلِّي وخدمة مشروعية النظام، فهي تصبُّ في خانة الخوف الإسرائيلي، ومن ثَمَّ فإنَّ أيَّ جهود لتطوير منظومات تسلُّحٍ استراتيجية -سواءٌ في المجال الصاروخي والقدرات النووية- تُعدُّ تهديدًا وجوديًّا للدولة العبرية بحسَب النظرة الإسرائيلية، وعليه يجب مقاومتها ومحاربتها.

كما تنظر إسرائيل إلى الأحداث في سوريا والأنشطة الإيرانية هناك وفي لبنان -بشكل أساسي- من خلال عِدائها لإيران. وقد أثارت زيادة الوجود والنفوذ الإيراني في سوريا قلقًا كبيرًا في إسرائيل، بالتوازي مع تقدُّم حليف إيران في دمشق، وزيادة سيطرته على الوضع في سوريا. ومع وجود أعداء في وضع جيِّد لاستغلال نقاط ضعف إسرائيل، مثل إيران وحزب الله، من خلال ترساناتهم الصاروخية، فمن المرجَّح أنَّ أيَّ مواجهة جديدة تشتمل على الأطراف الفاعلة، قد تتسبَّب في أضرار جسيمة في مجالات متعدِّدة، وليس فقط من الناحية العسكرية ([25]).

وبسبب الأسلحة الموجودة، يمكن لإيران وحلفائها ضرب إسرائيل بأكملها -التي تفتقر إلى العمق الاستراتيجي بسبب حجمها الجغرافي الصغير- بدقَّة متناهية. وفي أيِّ مواجهة، ستتأثَّر المواقع الإسرائيلية الكبيرة، مثل مرافق المياه والكهرباء والمواقع النووية ومواقع النفط والغاز الطبيعي، بشكل بالغ. وإنَّ أيَّ أضرار تَطول المنشآت الكيميائية والصناعية قد تتسبَّب في أضرار كبيرة حين تنبعث الغازات الكيميائية والسامَّة، وحتى من دون ذلك، فإنَّ القذائف الصاروخية ستُلحِق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد الإسرائيلي، كما حدث في حرب 2006، حين أجبرت الهجمات الصاروخية السكَّانَ على البحث عن ملاذات آمنة في الملاجئ لأوقات طويلة، وتأجيل أيِّ نشاط تجاري روتيني أو إلغائه، وتقليل حركة المرور على الطرق، ومن ثَمَّ تعطيل النشاط الاقتصادي بشدَّة. ومثل هذا السيناريو سيجبر الحكومة الإسرائيلية على استدعاء قوَّات كبيرة من الاحتياط إلى المعركة، ممَّا سيؤثِّر تأثيرًا بالغًا في النشاط الاقتصادي، وهذه الثغرات في بنية القوَّة الإسرائيلية تزيد من قوَّة إيران الردعية تجاه إسرائيل.

وعلى الرغم من أنَّ إسرائيل تمتلك موارد أكبر من حزب الله، فإنها حذرة من شنِّ هجوم مباشر عليه في لبنان، ويرجع السبب أساسًا إلى الردع الذي قدَّمته ترسانة الصواريخ الإيرانية. وفي محاولة لثني إسرائيل عن شنِّ هجوم مباشر على إيران، فإنَّ إيران تسعى إلى تعزيز قوَّتها الصاروخية في المنطقة، سواءٌ في المواقع التي يسيطر عليها حزب الله في لبنان، وكذلك في سوريا([26]).

وتكمن الرؤية الإسرائيلية لمخاطر القدرة الصاروخية الإيرانية في عدَّة زوايا:

(خريطة لمدى الصواريخ من حزب الله على إسرائيل)

الأولى: أنَّ تطوير إيران لصواريخ بعيدة المدى يحمل الواحد منها رأسًا حربيًّا بزنة 1000 كجم ويصل مداه إلى 2000 كم، مثل صاروخ شهاب-3 وما بعده، سيجعل إسرائيل تحت رحمة الصواريخ الإيرانية.

الثانية: الخوف من أن تتمكَّن إيران من صناعة القنبلة النووية، ومن ثَمَّ فإنَّ الصواريخ الباليستية توفِّر لها الوسيلة المناسبة لتسديد ضربة لإسرائيل في الوقت المناسب للقيادة الإيرانية([27]).

الثالثة: امتلاك قدرات صاروخية إيرانية تحدُّ من قدرة إسرائيل على فرض إرادتها في المنطقة على حلفاء إيران الإقليميين، خاصَّةً حزب الله وسوريا.

الرابعة: أنَّ نشر منظومات الصواريخ حول الحدود الإسرائيلية سيجعل الجبهة الداخلية الإسرائيلية معرَّضة للهجوم كلَّ لحظة، ممَّا يُضعِف عامل الأمن الداخلي للمواطن الإسرائيلي([28]).

الأخيرة: دقَّة هذه الصواريخ، فبعض الصواريخ والصواريخ (الذكية) تتمتَّع بدرجة عالية من الدقَّة، خاصَّةً الصواريخ قصيرة المدى، مثل فاتح-110 وذي الفقار والعماد والقيامة. ففي هذه المرحلة، تكون الصواريخ متوسِّطةُ المدى فعَّالةً بشكل رئيسي ضدَّ الأهداف الكبيرة، بما في ذلك المراكز السكَّانية، ويمكن لإيران أن تستخدمها لضرب أهداف العدوِّ القريبة([29]).

  الجهود الإسرائيلية للتصدِّي للتهديد الصاروخي:

بدأت إسرائيل العمل على مواجهة التهديدات الصاروخية في وقت مبكِّر، فمنذ عام 1984، قرَّر وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين الاشتراك مع الولايات المتَّحدة في مبادرة الدفاع الاستراتيجي، وكانت وجهة نظره حينها أنَّ التهديد الصاروخي سيكون أخطر ما يواجه أمن إسرائيل في المستقبل. ونتيجةً لذلك، فقد أيَّد فكرة نشر نظام دفاع صاروخي، ودعم في وقت لاحق فكرة إنتاج صاروخ مضادٍّ للصواريخ من طراز (السهم). وقد أثبت الهجوم العراقي بالصواريخ على إسرائيل في حرب الخليج عام 1991 حاجةَ إسرائيل إلى منظومة الدفاع الصاروخي هذه، وضرورة الشروع في إنتاج صاروخ (السهم).

ومنذ عام 2000، دخل في الخدمة في سلاح الجوِّ الإسرائيلي بالتعاون مع نظام باتريوت الأمريكي، والذي يعمل في عملية الدفاع للطبقة المنخفضة، ويغطِّي معظم إسرائيل([30]).

يتشكَّل نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي المحلِّي من منظومة (السهم) الإسرائيلية الصنع، وآخر جيل من منظومة صواريخ الباتريوت أمريكية الصنع، أكبر ضمان لأمن إسرائيل. وحاليًّا، تسعى إسرائيل إلى توسيع دفاعاتها الصاروخية، لتصبح نظامًا مُحكمًا متعدِّد الطبقات، يمكِّنها من الدفاع عن نفسها ضدَّ أيِّ هجوم. وبحسَب مجلَّة Defense News، فإنَّ إسرائيل تشهد جهودًا نشطةً من أجل تحسين أنظمتها الدفاعية، بمحاكاة هجمات إيرانية([31]).

تحدِّيات أمام النظام الصاروخي:

– تحدِّيات تقنية: تواجه منظومة الدفاع الصاروخي عدَّة تحدِّيات في إمكانية توفير الحماية الكافية للدول التي تعتمد عليها، لا سيَّما أنَّ هذه المنظومة قد ثبت عدمُ قدرتها على توفير حماية كاملة، وأنها قد توفِّر قرابة تسعين في المائة فقط من الحماية، ومن ثَمَّ فإنَّ تحقُّق احتمال نجاح صواريخ تحمل رؤوسًا غير تقليدية في اختراق منظومة الدفاع، ستكون نتائجه كارثية لدولة صغيرة كإسرائيل. ويُرجِّح الخبراء في مجال الصواريخ أنَّ هذا الوضع ناتج عن قدرة الطرف المهاجم على توظيف تقنيات المراوغة والتضليل للرادارات التي تكتشف هذه الصواريخ من بُعد، وكذلك العقبات التقنية التي تواجه عملية التصدِّي لهذه الصواريخ في الفضاء خارج منطقة الجاذبية الأرضية([32]). وحتى أكثر المنظومات قدرةً على اعتراض الصواريخ الباليستية، قد تهاجمها أطراف لديها القدرة على اختراقها والوصول إلى أهدافها، مثل منظومة ثاد الأمريكية (THAAD) التي تُعدُّ من أكثر هذه المنظومات دقَّةً في الاعتراض، وهذا كما أشارت الدراسات التي نُشرت عن هذه المنظومات([33]).

– تحدِّيات جغرافية: يرى الجنرال يعقوب عميدرور، المسؤول السابق في (أمان)، ومستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، «أهمِّيةَ العمق الاستراتيجي للدولة -إسرائيل- لأنها كلَّها تُعدُّ جبهةً بسبب صغر مساحتها»، ويرى كذلك أنَّ «قدرتها على تحمُّل الضربات منخفضة، لعدم قدرتها على نشر المؤسَّسات على مساحة واسعة مع احتياطات كافية»([34]). وفي مقابل هذه الانتقادات لنظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي، فإنَّ وجوده يعطي فرصةً لإسرائيل في البقاء، ممَّا يمكِّنها من الردِّ الانتقامي على الخصم، ومن ثَمَّ ستكون معضلةٌ أمام أيِّ خصم يفكِّر في القضاء عليها، لأنَّه سيتعرَّض لردٍّ نووي مدمِّر([35]).

 ثانياً: المخاوف الغربية:

أ) الموقف الأمريكي:

كان أحد المخاوف البارزة التي حرَّكت سياسة الولايات المتَّحدة تجاه إيران، هو إمكانية حصولها على صواريخ بعيدة المدى قادرة على استهداف إسرائيل وحلفاء الولايات المتَّحدة في أوروبَّا، أو حتى في نهاية المطاف الولايات المتَّحدة القارِّية، خاصةً إذا ما كانت هذه الصواريخ مسلَّحة برؤوس حربية نووية.

ولأكثر من عقد من الزمان، استثمر الرؤساء الأمريكيون رأس مال كبير في متابعة الدفاعات الصاروخية ضدَّ الصواريخ الإيرانية التي يصل مداها إلى 2000 كيلومتر. ومسوِّغًا لتطوير هيكل دفاع صاروخي أوروبِّي في عام 2007، قال الرئيس جورج بوش: «إنَّ الحاجة إلى الدفاع الصاروخي في أوروبَّا حقيقية، وأرى أنها ملحَّة. تُتابِع إيران التكنولوجيا التي يمكن أن تُنتِج أسلحة نووية وصواريخ باليستية ذات مدًى متزايد، وذلك يُمكِّنها من إصابة أهداف داخل أوروبَّا».

ويُصرِّح صنَّاع السياسة الأمريكيون باستمرار بأنَّ خطط الدفاع الصاروخي الأوروبِّية موجَّهة ضدَّ إيران فقط، وإذا تلاشى هذا التهديد فإنَّ الحاجة إلى نظام دفاعي ستتلاشى. وقد كتب وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت غيتس في مذكِّراته أنه في أثناء إدارة جورج دبليو بوش، تحدَّث هو ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لبوتين «أنه إذا ذهب برنامج الصواريخ الإيراني، فلن تكون ثمَّة حاجة إلى دفاعات صاروخية أمريكية في أوروبَّا». وبالمثل، فقد قال أوباما في حديثه في موسكو في عام 2009: «لقد أوضحتُ أنَّ هذا النظام موجَّه لمنع أيِّ هجوم مُحتمل من إيران. فإذا قُضي على تهديد برنامج إيران للصواريخ النووية والباليستية، لن تكون ثمَّة حاجة إلى إيجاد برنامج للدفاع الصاروخي في أوروبَّا» ([36]). وتتَّهم الإدارة الأمريكية الجانب الإيراني بأنَّ إجراء التجارِب الصاروخية يشكِّل انتهاكًا لقرار مجلس الأمن 2231([37]).

لذلك فإنَّ في واشنطن مَن يرفض الاتِّفاق النووي، وثمَّة احتجاجات أخرى حوله، تقول بأنه لا يضع قيودًا كافيةً على البرنامج الصاروخي الباليستي. وقد تبنَّى الرئيس الأمريكي ترامب هذه الرؤية معلنًا رفضه للاتِّفاق، وفي وقت لاحق، ألغى هذا الاتِّفاق وأخرج الولايات المتَّحدة منه، ثم في المرحلة التالية، فرض عقوبات اقتصادية على إيران، ساهمت بشكل كبير في رفع حدَّة التوتُّر في مَنطِقة الخليج، بعد القرار الأمريكي بفرض حظر على استيراد الدول النفطَ من إيران.

وقد زاد من حدَّة القلق الأمريكي أنه بعد اختبار خُرمشهر في 1 ديسمبر/كانون الأول 2018، عقد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اجتماعًا لمجلس الأمن الدولي، أوضح فيه «أنَّ نشاط الصواريخ الباليستية الإيرانية خارج عن السيطرة». وفي 3 يناير/كانون الثاني 2019، حذَّر إيرانَ من إجراء أيِّ عمليات إطلاق للأقمار الصناعية المخطَّط لها، بحجَّة أنه يمكن استخدام عمليات الإطلاق هذه لتطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارَّات (ICBM) ([38]).

ب) الموقف الأوروبِّي:

يشكِّل برنامج إيران الصاروخي تهديدًا متعدِّد المستويات لمصالح الولايات المتَّحدة وحلفائها، فبرامج إيران الباليستية متوسِّطة المدى، المتطوِّرة على نحو متزايد، والتي يمثِّلها صاروخ خُرمشهر، تضع أوروبَّا بصورة متزايدة تحت نطاق الصواريخ الإيرانية. وعلى رغم أنَّ دقَّة الصواريخ الإيرانية في تدمير الأهداف الصُّلبة في موضع شكّ، فإنَّ الأطراف الأوروبِّية لا تزال ملتزمةً الاتِّفاقَ النووي، إذ حاولت من خلال وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون، العملَ على ضمان أن يتجنَّب البيت الأبيض اختراق خطَّة العمل المشتركة مباشرةً، بوضع عقوبات على قضايا لم تُتناول في الصفقة، خاصَّةً فيما يتعلَّق بالضغط على إيران لوقف برنامجها الصاروخي ([39]).

لكن مع ذلك، فالأوروبِّيون قلقون من الأنشطة الصاروخية الإيرانية، فقد اتَّهمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إيرانَ بتطوير تكنولوجيا الصواريخ بما يتعارض مع قرار الأمم المتَّحدة، ودعت الأممَ المتَّحدةَ إلى تقديم تقرير كامل عن الأنشطة الأخيرة، وَفقًا لرسالة صدرت عن مسؤولين أوروبِّيين، استَشهَد فيها الثلاثي الأوروبِّي -بريطانيا وفرنسا وألمانيا- بتفعيل إيران لانشطتها الصاروخية ([40]).

لذلك فإنَّ جهود إيران العلنية لتحسين جودة صواريخها ومداها، أدَّت إلى تغييرٍ معيَّن في مواقف الحكومات الأوروبِّية تجاه القيود المفروضة على برنامج الصواريخ الإيراني، وهم يدركون أكثر من الماضي أنه من المهمِّ فرض قيود معيَّنة على هذا البرنامج الذي يخلق مخاطر حقيقيةً لدول الشرق الأوسط، وأخرى نظريةً لعدَّة دول أوروبِّية ([41]). القلق الأوروبِّي لم يُترجم إلى سياسات ضاغطة باتِّجاه طهران، بل إنَّ موقف أوروبَّا بدا منسجمًا مع ما ورد في اتِّفاق التفاهم المشترك من حدود قدرتها على التعاون مع إيران، ولم ترهن موقفها من البرنامج الصاروخي بالموقف الأمريكي أو الإسرائيلي، لكنها مستمرَّة في مطالبة إيران بالْتزام ما ورد في المقرَّرات الدولية في هذا الشأن.

 أخيراً: مخاوف دول الخليج من البرنامج الصاروخي الإيراني:

لقد زادت الترسانة الصاروخية الإيرانية المتنامية والأكثر تطوُّرًا المخاوفَ بين دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الأخيرة، خاصَّةً وأنَّ برنامج إيران الصاروخي لم يحصل على المستوى نفسه من التدقيق الدولي مثل برنامجها النووي في المراحل السابقة، إلَّا إنه يواجه مراقبة ومتابعة متزايدة من الولايات المتَّحدة وحلفائها الدوليين في أوروبَّا وإسرائيل. ونتيجةً لذلك، فثمَّة قلق متزايد في الخليج من أنه في حملة مُحتملة ضدَّ إيران، ستتعرَّض المنشآت الاستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نيران صاروخية مكثَّفة وطويلة الأمد، أكثر ممَّا كان ممكنًا في السابق. ومن ثَمَّ، فإنَّ أنظمة الصواريخ الآخذة في التطوُّر هذه، تشكِّل تهديدًا ملموسًا وفوريًّا لدول مجلس التعاون.

كما أنَّ هذا القلق لا يمثِّل شيئًا من الخيال الخليجي، ففي بيان نادر للأدميرال علي شمخاني، وزير الدفاع الإيراني السابق والمستشار العسكري للزعيم الأعلى علي خامنئي، وصف ردَّ طهران المحتمل على دول الخليج إذا حصل هجوم على منشآتها النووية قائلًا: «ستطلق إيران غارة صاروخية على دول الخليج… والصواريخ لن تكون موجَّهة ضدَّ القواعد الأمريكية في المنطقة فحسب، بل ستستهدف أيضًا أهدافًا استراتيجية، مثل المصافي ومحطَّات الطاقة… وسيكون الهدف هو صدَّ الدفاع الصاروخي الأمريكي نظامًا يستخدم العشرات، وربَّما المئات، من الصواريخ التي ستُطلق في وقت واحد على أهداف محدَّدة»([42]).

لذا سعت طهران إلى امتلاك أكبر قوَّة صاروخية باليستية في المنطقة، لكنَّ هذه الصواريخ لا يمكنها ضرب أهدافها بدقَّة كبيرة، ولذلك استثمرت طهران في الأسلحة، مثل صواريخ كروز والألغام والغوَّاصات، وحتى حشد الزوارق السريعة المسلَّحة، لاستهداف نقاط الضعف البحرية الأمريكية على وجه التحديد. وتهدف إيران إلى جعل العمل في الخليج العربي مكلفًا على نحو متزايد، لذلك فإنَّ الصواريخ الإيرانية المزوَّدة بذخائر ذات دقَّة توجيهية روسية أو صينية، يمكن أن تكون مدمِّرة للقواعد البحرية والجوِّية للولايات المتَّحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، إذا كان هناك مزيد من الاسترخاء تجاه امتلاك إيران لتكنولوجيا الصواريخ، «إيران تحاول حتى تطوير صواريخ باليستية لضرب حاملات الطائرات الأمريكية من مئات الأميال في الخارج. وبمزيد من المساعدة من الصينيين، يمكن أن تحقِّق هذا الهدف أخيرًا». إنَّ الخوف الحقيقي لدول مجلس التعاون الخليجي هو سيناريو كابوس تصبح فيه الولايات المتَّحدة غير قادرة أو غير راغبة في العمل في الخليج العربي أو خليج عمان ([43]).

وقد زادت الحرب في اليمن من القلق الخليجي، خاصَّة قلق السعودية، في ظلِّ القوَّة الصاروخية التي يمتلكها الحوثيون، لا سيَّما تلك التي ورثوها من الحكومة السابقة المُقدَّرة بقرابة 300 صاروخ سكود، أو منظومة الصواريخ التي طُوِّرت بمساعدة إيرانية، والتي أصبحت تشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للسعودية. وقد كشفت الحرب عن مجموعة من الصواريخ التي يتحكَّم فيها الحوثيون، واستهدفوا بها أهدافًا عسكرية داخل اليمن وفي العمق السعودي. من أهمِّ هذه الصواريخ: بركان-1 البالغ مداه 800 كم، وبركان-2 البالغ مداه 1000 كم برأس حربي شديد الانفجار يزعم الحوثيون تطويره من الصاروخ الروسي سكود، إضافةً إلى منظومة صواريخ قاهر-1 البالغ مداها 250 كم، وقاهر-2 الباليستية أرض-أرض والبالغ مداها 400 كم. هذا عدا مجموعة أخرى روسية الصنع من نوع توشكا وسكود وزلزال-1 وزلزال-2 والذي يصل مداه الى 210 كم ووزنه الى 600 كجم ([44]).

وقال أندرياس كريج، الأستاذ في كينجز كوليدج لندن، لوكالة فرانس برس: «لقد شهدنا زيادة هائلة في قدرة الحوثيين في السنوات الأخيرة، خاصَّةً فيما يتعلَّق بالصواريخ الباليستية وتكنولوجيا الطائرات المسيَّرة». ويرى العميد المتقاعد في الجيش اليمني، جميل المعمري، «أنَّ الحوثيين غير قادرين على تصنيع الصواريخ في اليمن… إنهم فقط قادرون على التجميع والتعديل»، ويضيف: «يواصل الحوثيون تعديل صواريخ الجيش من خلال تعزيز قدراتهم التفجيرية، وإضافة أجهزة التحكُّم من بعد» ([45]).

وبشأن مخاوف دول الخليج، فيمكن النظر إلى السعودية كمثال للدول الخليجية التي تواجه هذا التحدِّي، مع الأخذ في الحسبان أنها أكبر مورِّد للطاقة في العالم، ولها قدرة تأثير كبيرة في أسعار النفط العالمية، وتمتلك أكبر منشآت ذات قيمة استراتيجية في العالم، وفي حال استهدافها فإنَّ خزَّانات للنفط والغاز المسال ستكون مُستهدفة. في هذا الوقت، تمتلك إيران الصواريخ القادرة على تجاوز أيِّ تدابير دفاعية، بما فيها منظومات (الباتريوت) و(ثاد) التي تحمي منشآت حيوية للنفط، مثل ميناء رأس تنورة الذي يحتوي على أكبر مجمَّع لتصدير النفط وتكريره.

ونظرًا إلى قربه من إيران، فسيكون عرضةً لأيِّ هجوم إيراني صاروخي، وسيكون من الصعب على السعودية مواجهة مثل هذه الهجمات الصاروخية بالتدابير الدفاعية، على رغم أهمِّيتها. إنَّ التحدِّي الذي تواجهه السعودية هو نفسه الذي تواجهه كلٌّ من الإمارات وقطر والبحرين وعمان والكويت، نظرًا إلى التشابه في البنية الأساسية التي تعتاش عليها هذه الدول، ولذلك فإنَّ عجز هذه الدول عن حماية نفسها يُسهِّل على القُوى الخارجية -خاصَّةً الغربية وعلى رأسها الولايات المتَّحدة- التدخُّلَ، بحجَّة حماية مصالحها النفطية وضمان استقرار النظم السياسية، ممَّا سيزيد من حالة التوتُّر في المنطقة، ومن مخاطر المواجهة بسبب الانحياز الأمريكي إلى المطالب الإسرائيلية تجاه البرنامج الصاروخي، والبرنامج النووي الإيراني من قبله([46]).

ولذلك فقد عمدت دول الخليج إلى مواجهة هذه المخاطر بزيادة حجم التسلُّح والإنفاق العسكري، في حين لا يزال إنفاق إيران العسكري محدودًا. وقد أظهرت المعطيات فارقًا في حجم الإنفاق العسكري الناجم عن حالة الخوف والقلق التي تنتاب دول الخليج، ففي عام 2014، أنفق أعضاء مجلس التعاون الخليجي مجتمعين 114 مليار دولار على جيوشهم، بحسَب تقارير تغطِّي أحدث الأرقام لعام 2017. ووفقًا لهذه التقارير، فإنَّ إيران قد أنفقت 16.035 مليار دولار، في مقابل 128.675 مليار دولار أنفقته دول مجلس التعاون الخليجي، موزَّعًا على النحو التالي: البحرين 1.480 مليار، الكويت 5.710 مليار، عمان 8.687 مليار، قطر 6.120 مليار، السعودية 76.678 مليار، الإمارات 30.000 مليار، أي ما يعادل ثمانية أضعاف ما تنفقه إيران، مع تجاهل التحسُّن المُطَّرد لقدرات القوَّات الأمريكية وأنظمة الدفاع الصاروخي الجديدة ومقاتلات الشبح مثل F-35. لكن في المقابل، تعلَّم الإيرانيون كيف يقاتلون بشكل أفضل بأقلِّ تكلِفة.

وباستثناء سلاح الجوِّ الإماراتي، فليست دول الخليج العربية في وضع مواتٍ لتحدِّي الهيمنة البحرية الإيرانية في الخليج العربي. وعليه، فإنَّ الهجوم الإيراني على المنشآت البرِّية، سواءٌ أكانت قواعد عسكرية أمريكية أم منشآت نفطية رئيسية، لَهو التهديد الأكبر الذي تخشاه الدول الخليجية([47]). فقد صرَّح ممثِّل العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله آل سعود، قائلًا: «إنَّ الملك يقلق من إطلاق صواريخ إيرانية ضدَّ منشآت النفط السعودية أكثر من أيِّ هجوم إرهابي… لأنه يمكن أن يتَّخذ تدابير وقائية ضدَّ الإرهاب، ولكن ليس ضدَّ الصواريخ الإيرانية» ([48]). في حين أكَّد نائب القائد العامِّ للحرس الثوري، حسین نجات، «أنَّ القواعد الأمريكية في المنطقة تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية»، وأضاف: «صواريخنا ستستهدف القواعد الأمريكية في الدول العربية المجاورة في حال انطلاق أيِّ اعتداء منها على بلادنا» ([49]).

وممَّا يزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، حجم الإنفاق المتزايد على التسلُّح، على حساب التنمية الاقتصادية الهادفة إلى جلب الازدهار والاستقرار. فبحسَب التقارير الدولية، تنفق دول الخليج العربي على الدفاع أكثر بكثير ممَّا تنفقه دول حلف شمال الأطلسي مجتمعةً، والمُقدَّر بـ2% فقط من ناتجها القومي، في مقابل 3.11% تنفقها الولايات المتَّحدة، و3.10% تنفقها روسيا، و1.26% تنفقها الصين، في حين نجد ثلاثًا من الدول الخليجية، هي العراق وعمان والسعودية، تنفق أكثر من 10% على الدفاع، ويبدو أنَّ كلًّا من قطر والإمارات تنفقان النسبة نفسها، 10%، على الرغم من عدم توافر بيانات واضحة لهاتين الدولتين في عام 2018، في ظلِّ تزايد شراء الأسلحة القطرية، وحرب الإمارات في اليمن، هذا الإنفاق الذي يهدِّد التنمية وجهود الإصلاح في كلِّ دولة، ويجلب مزيدًا من التوتُّر والقلق إلى المنطقة، سواءٌ على المستوى الداخلي والخارجي([50]).

هذا وقد شكَّلت الهجمات الصاروخية للحوثيين تهديدًا حقيقيًّا على الأمن في السعودية، من خلال قصف أهداف سعودية، وبعد أكثر من 4 سنوات على بَدء الحرب، فإنَّ مناطق الجنوب والوسط السعودي، الواقعة في مدًى يتراوح بين 300 كم و500 كم، لم تعد أهدافًا وحيدة للحوثيين، بل تجاوز الأمر ذلك إلى أهداف تقع في مدى 1000 كم. فمن استهداف منطقة مكَّة في أكتوبر/تشرين الأول 2016، إلى استهداف مطار الملك خالد، الواقع شمالي مدينة الرياض، بصاروخ باليستي من نوع بركان-2H في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ومحاولة استهداف قصر اليمامة بالرياض بصاروخ باليستي من النوع ذاته، في 19 ديسمبر/كانون الأول 2017، وهو انتقال ملحوظ في القدرات الصاروخية الحوثية ([51]). وفي يونيو/حَزِيران وحده، شنَّ الحوثيون ما لا يقلُّ عن 20 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، على المملكة العربية السعودية، عدوِّ إيران الإقليمي، أسفر بعضها عن خسائر بشرية وأضرار ([52]).

وقد كشف الهجوم الأخير على منشآت شركة أرامكو بتاريخ 15 سبتمبر/أيلول 2019 مدى تأثير منظومات الصواريخ المتطوِّرة ومنظومات الطائرات المسيَّرة، التي ساعدت إيران حلفاءها الحوثيين في اليمن على امتلاكها. وأشارت مجلَّة “فورن بوليسي” أنَّ قدرات الحوثيين في استخدام الطائرات المسيَّرة في الهجمات طويلة المدى، قد زادت بشكل كبير خلال العام الماضي، بحسَب فارع المسلمي من معهد صنعاء للدراسات الاستراتيجية، الذي يقول إنَّ الطائرات المسيَّرة الرخيصة تمكِّن الجهات غير الحكومية من اختراق الدول ذات الأنظمة الدفاعية المتقدِّمة. ويشير التقرير كذلك إلى أنَّ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد سارع إلى اتِّهام إيران بالوقوف وراء تلك الهجمات، مشيرًا إلى أنه مثل الكثير من الخبراء الأمنيين، يرفض الفكرة القائلة إنَّ الحوثيين لديهم القدرة على تطوير التكنولوجيا إلى حدِّ إطلاق صواريخ عبر الحدود اليمنية إلى السعودية، وقال في تغريدة: «لا يوجد دليل على أنَّ الهجمات جاءت من اليمن» ([53]).

الخلاصة:

شكَّلت منظومة الصواريخ الإيرانية والخبرات الصاروخية التي نُقلت إلى قُوًى ودول ومنظَّمات، عاملًا مهمًّا في الاستقرار الإقليمي. ففي بعض المسارات الإقليمية، شكَّلت هذه القدرات مصدرًا للقلق والإزعاج، وفي بعض المسارات الأخرى، كانت عاملًا مهمًّا في الاستقرار ومنع الحروب.

  • ففيما يخصُّ إسرائيل على الجبهة الشمالية مع لبنان، شكَّل وجود منظومات صاروخية لدى قُوًى حليفة لإيران عاملًا مهمًّا في الاستقرار ومنع الحرب، إذ كانت منظومة الصواريخ في لبنان عاملًا رادعًا للجيش الإسرائيلي عن التفكير في مغامرات تكرِّر ما حدث في حرب 2006، على الرغم من القوَّة التدميرية الهائلة التي يتمتَّع بها الجيش الإسرائيلي.

أمَّا على الجبهة السورية، فقد استُخدم موضوع الصواريخ ذريعةً للهجمات على سوريا. إذ استغلَّت إسرائيل حالة السيولة والهشاشة الأمنية في سوريا للاستمرار في توجيه ضربتها داخلها، ضدَّ مواقع تزعم أنها مواقع لإنتاج الصواريخ الدقيقة أو الموجَّهة وتخزينها لصالح حزب الله هناك، واستغلَّت كذلك ضعف النظام السوري من جهة وضعف مسوِّغات حلفائه للردِّ عليها من جهة أخرى.

  • وفيما يخصُّ قطاع غزَّة، فقد شكَّلت الصواريخ التي تمتلكها قُوى المقاومة هناك رادعًا مهمًّا في وضع قيود كثيرة على الجانب الإسرائيلي حالَ التفكير في استئناف العدوان على قطاع غزَّة، والبحث عن وسطاء من أجل ضمان عدم انفجار الموقف، في ظلِّ نجاح المقاومة في قطاع غزَّة في توفير منظومة فاعلة يمكنها التأثير في الجبهة الداخلية في إسرائيل بشكل أقوى ممَّا كانت عليه في حرب 2014. وقد شكَّلت المواجهات الأخيرة بين المقاومة في غزَّة وجيش الاحتلال، مؤشِّرًا على قدرة المقاومة الفاعلة على التأثير في الجبهة الداخلية بشكل كبير.
  • أمَّا فيما يخصُّ المسار الخليجي، فقد شكَّلت منظومات الصواريخ التي يمتلكها الحوثيون تهديدًا حقيقيًّا لدول الخليج، والبنية التحتية الخاصَّة بالطاقة والمطارات فيها، لا سيَّما السعودية التي تعرَّضت لهجمات عدَّة، وكذلك الإمارات العربية التي تعرَّضت لهجمات محدودة لكنَّ التهديدات مستمرَّة من جانب الحوثيين تجاهها، وكذلك تهديدات إيرانية مباشرة لها وللسعودية. وحتى الكويت وقطر لم تسلما من تهديدات إيران، التي تقول إنها قد تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية فيهما. ولذلك فإنَّ منظومة إيران الصاروخية التي تملكها بشكل مباشر، أو يمتلكها حلفاؤها في هذا المسار، ستبقى عاملًا للتوتُّر الإقليمي ما لم يُتوصَّل إلى اتِّفاق وتفاهم بين هذه الدول وإيران.

([1]) يفتاح شفير (3/2006) الصواريخ الاستراتيجية الإيرانية، تقرير استراتيجي، تقرير 9، ص20، معهد دراسات الأمن القومي، جامعة تلِّ أبيب – إسرائيل.

([2]) Schak,Kori N. Yaphe, Judith S.(2001). The Strategic Implications of a Nuclear-Armed Iran) INSTITUTE FOR NATIONAL STRATEGIC STUDIES, NATIONAL DEFENSE UNIVERSITY, WASHINGTON, D.C.

([3]) يفتاح شفير: (2006): الصواريخ الإيرانية الاستراتيجية، مصدر سابق، ص29.

([4]) يفتاح شفير: (2006): الصواريخ الإيرانية الاستراتيجية، مصدر سابق، ص28.

([5]) Mroz, John Edwin (2009): Iran`s Nuclear and Missile Potential A Joint Threat Assessment by U.S. and Russian, The East West Institute, New York.

([6]) الراوي، رياض (2006): البرنامج النووي الإيراني وأثره على منطقة الشرق الأوسط، الأوائل للنشر والتوزيع، سوريا، ص162.

([7]) يفتاح شيفر، (أغسطس 2009) مصدر سابق، ص32.

([8]) يفتاح شيفر (أغسطس 2009)، مصدر سابق، ص30.

([9]) Mroz, John Edwin (2009): Iran`s Nuclear and Missile Potential A Joint Threat            Assessment by U.S. and Russian, The East West Institute, New York.

([10])Michael, Eisenstadt (March 2017): Testing the Limits: Iran’s Ballistic Missile Program, Sanctions, and the IRGC, Kahn Fellow and Director, Military and Security Studies Program, The Washington Institute for Near East Policy. https://2u.pw/0YqqU

([11]) مصدر سابق.

([12]) مصدر سابق.

([13]) ألون بن دافيد، خازي سمنتوب، 23/9 2017، الصاروخ الإيراني الجديد لا يعد الأكثر دقة ولا بعيد المدى لكن يشكل تحدي لمنظومة “الحتس”، تقرير للقناة العاشرة الإسرائيلية.

 ([14])Ephraim. Kam (| April 2019) Iran’s Missile System: The Principal Means of Deterrence Strategic Assessment | Volume 22 | No. 1

([15]) القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، تقرير “مدن الصواريخ الإيرانية” 25/2/2019

https://2u.pw/Z3bMi

([16]) يفتاح شيفر (2005): الجهود الإيرانية للسيطرة على الفضاء، تقرير استراتيجي، ص9-10. (INSS)

([17]) Cordesman, Anthony: (12/2014) Iran’s Rocket and Missile Forces and Strategic Options. center for strategic international studies, P112. CSIS.USA.

([18]) Mroz, John Edwin (2009): Iran`s Nuclear and Missile Potential A Joint Threat  Assessment by U.S. and Russian, The East West Institute, New York.

([19]) Michael, Eisenstadt (March 2017): Testing the Limits: Iran’s Ballistic Missile Program, Sanctions, and the IRGC, Kahn Fellow and Director, Military and Security Studies Program, The Washington Institute for Near East Policy. https://2u.pw/0YqqU

([20]) Cordesman, Anthony: (12/2014) Iran’s Rocket and Missile Forces and Strategic Options. center for strategic international studies “CSIS.USA.

([21]) Haaretz, (6 may 2019:) Israel, Gaza Cease Hostilities; Netanyahu: Campaign Not Over

https://2u.pw/p0OCC

 ([22])Khatib, Said (2018/10/25) The Missile Arsenal at the Heart of the Israeli-Iranian Rivalry.

https://2u.pw/GwO1H

([23]) Cordesman, Anthony: (12/2014) Iran’s Rocket and Missile Forces and Strategic Options. center for strategic international studies “CSIS.USA

([24]) يديعوت أحرونوت (13/3/2019): القمر الصناعي يكشف عن “إنشاء مصنع لإنتاج الصواريخ في سوريا”

https://2u.pw/aZsSw

([25]) Khatib, Said (2018/10/25) The Missile Arsenal at the Heart of the Israeli-Iranian. Rivalry.

https://2u.pw/GwO1H

([26]) Khatib, Said (2018/10/25) The Missile Arsenal at the Heart of the Israeli-Iranian. Rivalry.

https://2u.pw/GwO1H

([27]) أرنسون، جيفري. وآخرون (2007): البرنامج النووي الإيراني الوقائع والتداعيات، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. أبو ظبي. ص126.

([28]) شيفر يفتاح (أبريل 2006)

([29]) Ephraim. Kam (| April 2019) Iran’s Missile System: The Principal Deterrence Strategic Assessment | Volume 22 | No. 1. inss, israel.

([30]) Rubin. Uzi, and others (2008): Israel and a Nuclear Iran: Implications for Arms Control, Deterrence and Defense, (Editor: Ephraim Kam), Institute for National Security Studies, (INSS), Israel, p67-79.

([31])) Andrew, Terrill2008): مصدر سابق.

([32])(2009): MROZ, JOHN EDWIN مصدر سابق.

([33]) Azrile, Berman. Igor Sutyagin (August 21, 2017): Moving Forward With THAAD, Why Unpopular Deterrence Is Still Necessary: https://2u.pw/FlrjG

([34]) عميدرور، يعقوب (2010): مصدر سابق، ص8.

([35]) Rubin. Uzi, and others (2008): مصدر سابق، ص81.

([36]) Jaganath Sankaran, and Steve Fetter: (July/August 2018) A Path to Reducing Iran’s Missile Threat and Reconfiguring U.S. Missile Defenses: Published on Arms Control Association (https://www.armscontrol).

([37]) Haaretz (16/3/2018): Iran, Syria and Saudi Arabia: Top Three Stunning    Admissions From the Top U.S. General in the Middle East.

([38])                THE GROWING THREAT OF IRANIAN MISSILES: January 15, 2019 : https://2u.pw/X5Z54

([39])Reva Goujon (13,Mar,2018) Pompeo and Circumstance: A ‘Rexit’ State of Affairs. VP of Global Analysis, Stratfor.

([40]) The Times of Israel: (April 2019), Britain, France, Germany seek UN report on Iran missile development.

([41])Ephraim. Kam (| April 2019) Iran’s Missile System: The Principal Deterrence Strategic Assessment | Volume 22 | No. 1

([42]) Ephraim. Kam (| April 2019) Iran’s Missile System: The Principal Deterrence Strategic Assessment | Volume 22.

([43])Give the Mullahs Ballistic Missiles?:(14.04.2017) Andrew J. Bowen. https://2u.pw/v3ScF

([44]) علي، الذهب (يناير 2018): قوَّة الحوثيين العسكرية: القدرات والاستراتيجية. الجزيرة للدراسات، على الرابط التالي: https://2u.pw/V13f1

([45])Mohamed Ali Harissi23 July 2019, Yemeni Houthi rebels’ long-range arsenal grows      lethal. The Times of Israel: https://2u.pw/G355S

([46]))Iran’s Threats to Saudi Critical Infrastructure 08‏/08‏/2019) SETH G.JONES: https://2u.pw/rSsws

([47])Anthony H. Cordesman, Nicholas Harrington: (December 2018) , The Arab Gulf State and Iran: Military Spending, Modernization, and THE shifting Military Balance, P42. CSIS.

([48])Joshua R. Itzkowitz Shifrinson and Miranda Priebe, “A Crude Threat: The Limits of an Iranian Missile Campaign against Saudi Arabian Oil,” International Security, Summer 2011, p.168.

([49]) روسيا اليوم (10/7/2019): الحرس الإيراني: سنستهدف القواعد الأمريكية في الدول العربية المجاورة إذا انطلق منها اعتداء.: https://2u.pw/4froo

([50])Anthony H. Cordesman ,Nicholas Harrington:(December 2018),The Arab Gulf State and Iran: Military Spending ,Modernization ,and THE shifting Military Balance. CSIS.

([51]) علي، الذهب (يناير 2018): قوة الحوثيين العسكرية: القدرات والاستراتيجية. الجزيرة للدراسات عبر الرابط: https://2u.pw/V13f1

([52]) Mohamed Ali Harissi 23 July 2019, Yemeni Houthi rebels’ long-range arsenal grows      lethal. The Times of Israel: https://2u.pw/G355S

([53])KEITH JOHNSON: (15september2019), How an Aerial Barrage Cut Saudi Oil Production in Half: https://2u.pw/qKgW0

د. مأمون أبو عامر

مستشار منتدى السياسات
زر الذهاب إلى الأعلى