الانتخابات الرئاسية التونسية ماذا تغير ما بين 2014 -2019؟

د. منجي مبروكي

أستاذ الإعلام والاتصال - جامعة قرطاج

تعليق واحد

  1. السلام عليكم.
    مفيدة وشاملة، بارك الله فيك.
    مدونة مليئة بالمعرفة. جزاك الله خير. انا احبك جدا، جدا، جدا.

    شكرا لكم.
    مصعب النجار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ في هذا المقال

  • يهدف هذا التقرير الى استقراء نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية مع التركيز على الدورة الثانية منها، والعودة بصورة عرضية إلى نتائج الدورة الأولى من أجل تحديد أهمّ العوامل التي أثّرت في اتّجاهها، وأعطت أسبقية لهذا المرشح أو ذاك

 يهدف هذا التقرير الى استقراء نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية مع التركيز على الدورة الثانية منها، والعودة بصورة عرضية إلى نتائج الدورة الأولى من أجل تحديد أهمّ العوامل التي أثّرت في اتّجاهها، وأعطت أسبقية لهذا المرشح أو ذاك. بالإضافة الى إجراء مقارنات عامّة بين نتائج الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 بتلك التي سبقتها في سنة 2014 لاستقراء أهمّ التغيّرات، والبحث عن دلالاتها الكمّية والكيفية اعتمادًا على المؤشّرات الإحصائية، وفَهم التحوّلات والسياقات التي حفّت بالحدثين استنادًا إلى متغيّرات الحياة السياسية في تونس ما بين 2014 و2019. وأخيرا لاستنتاج ولاستشراف أهمّ التغيّرات التي تقدم عليها تونس بناءً على نتائج انتخابات 2019.

 تمهيد:

شهدت الانتخابات الرئاسية للعام 2019 في دورتيها الأولى والثانية (هيئة الانتخابات، 2019) نسب مشاركة بلغت على التوالي 49% و55%. وقد تطوّرت هذه النسب في الدورة الثانية بمفعول المنافسة القوية بين المترشّحَين وما يمثّلانه من خِيارات متباينة سنأتي على تفصيلها لاحقًا، إلّا إنها لم تبلغ نسب المشاركة نفسها مقارنةً بانتخابات 2014 (هيئة الانتخابات، 2014) والتي بلغت 65.5% للأولى مقابل 62.6% للثانية. وهو ما يؤشّر مبدئيًّا إلى نوع من إحجام الناخبين عن الإقبال على صناديق الاقتراع، بمفعول خيبة المواطنين من عدم تحسن شروط عيشهم كما جاء في الوعود الانتخابية التي لم تُترجم إلى برامج ومنجزات تضفي مصداقية على من أطلقها. وعلى الرغم من تراجع النسب الإجمالية للمشاركة، فإنّ المنافسة بين الخِيارين كانت حادّة، وحُسمت دون مواربة لصالح من ينتصر لمواصلة مسار الإصلاح ومقاومة الفساد، وتغيير منوال التنمية ومنوال إشراك المواطنين -وخاصّةً الفئات الشابّة- في ذلك المسار.

1-    الرئاسيات في ظلّ استمرار رمزية الصراع بين القديم والجديد:

شهدت الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها للعام 2019 طفرة في عدد المرشّحين من الأحزاب والمستقلّين، ليصل عدد من تقدّموا إلى الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات 97 مترشّحًا، قُبل منهم 26 (هيئة الانتخابات، 2019)، وكان من بينهم 7 سبق لهم المشاركة في انتخابات 2014، التي بلغ العدد الجُمْلي للمتقدّمين إليها 70 مترشّحًا (هيئة الانتخابات، 2014).

تُجرى في تونس انتخابات متتالية على الرغم من تعثُّر المسار التنموي والاقتصادي، وهي مؤشّرات توحي بأنّ المجتمع التونسي يتغيّر في ثقافته وتطلّعاته، وأنّ ما يتوق إليه الشباب مغاير لما تُقدّمه جلّ الأحزاب التقليدية من برامج وخطابات. ويستند التنافس على مركز رئيس الجمهورية في انتخابات 2019 إلى فرز بين منتصر للثورة ومدافع عن مسارها وأهدافها، وبين مدافع عن المنظومة القديمة ومصالح الموالين لها، وفي ذلك استمرار لما كان عليه الأمر سنة 2014.

وقد كان صعود المرشّحَين نبيل القروي وقيس سعيِّد إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية مؤشّرًا على إخفاق المنظومة السياسية والحزبية التي أدارت البلاد خلال العشرية الماضية. يتمثّل هذا الإخفاق في عجز الحكومات المتعاقبة عن حلّ المشكلات الاجتماعية ومعاناة المعارضة من العجز نفسه، بما أنها لم تكن الجهة التي أفرزت المرشّحين لقيادة المرحلة الجديدة. فقيس سعيِّد لا يُعدّ من الوجوه السياسية المألوفة في المشهد السياسي التونسي، غير أنه منذ سنة 2011 داوم على الظهور الإعلامي للتعليق على الإشكالات الدستورية والقانونية، وحقّق له أسلوبه في التواصل تجاوزًا للصورة النمطية للسياسي التقليدي، وتجلّى ذلك في المناظرات التلفزيونية (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019).

في المقابل، فإنّ الصعود السياسي السريع لنبيل القروي بدأ منذ ما يناهز الثلاث سنوات، عندما أسّس جمعية (خليل تونس) نسبة إلى ابنه خليل الذي تُوفّي في حادث سير، وهي جمعية «ذات صبغة غير تجارية»، أجرت حملات جمع تبرّعات وتوزيع مساعدات عينية ونقدية، وأقامت الموائد في عدد من المناطق والأحياء الفقيرة. وكانت تلك الأنشطة تحظى بتغطية مكثّفة تؤمّنها قناة (نسمة) التي يمتلكها القروي. وقد مثّلت ثنائية «الأنشطة الخيرية» والتغطية المكثّفة عبر قناته التلفزية، رافعةً ذكية قدّمت نبيلًا القروي بصفته مرشّحًا بارزًا للانتخابات الرئاسية، خاصّةً أنه كان يحرص على الحضور الشخصي في قناته، من أجل أن يُظهر المنتفعين بالمساعدات وهم يتقدّمون إليه بالشكر والثناء (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019).

وقد أُثير الجدل حول علاقة نشاطات جمعية (خليل تونس) بالترويج انتخابيًّا لنبيل القروي، وهو ما اعتمدت عليه حكومة يوسف الشاهد لتقديم مشروع تعديل للقانون الانتخابي، يحظر بمقتضاه على رؤساء الجمعيات الخيرية وأصحاب المؤسّسات الإعلامية، الترشّحَ للرئاسة. وقد رأى القروي -ومن هم في وضعه- أنّ التعديل وُضع خاصّةً لإقصائه ونظرائه من السباق الرئاسي، بعد أن أظهرت استطلاعات للرأي تقدُّمَه على منافسيه. لكنّ امتناع الرئيس السابق الباجي قائد السبسي عن التصديق على التعديل، مثّل دعامةً ضمنية لترشّح القروي، فصار أمرًا واقعًا. بل عزّز ذلك بترشيح حزبه للانتخابات التشريعية في جميع الدوائر الانتخابية، بعد أن أسّس حزبًا جديدًا تحت مسمّى (قلب تونس) (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، شُكِّل على عجل قبيل الانتخابات بستّة أشهر، وأُجريت الترتيبات لكي يحظى بدعم جلّ مكوّنات المنظومة القديمة.

2-    العوامل المؤثّرة في نتائج الانتخابات:

تبدو الانتخابات الرئاسية للعام 2019 خارقة للتوقّعات، إذ لم يكن الربط بين النتائج والعوامل التي أفرزتها منسجمًا مع السرديات السائدة قبيل إجراء الانتخابات، فلا المنظومة القديمة ثبّتت أقدامها في المواقع التي استرجعتها سنة 2014، ولا اليساريون ولا الإسلاميون ولا العروبيون ولا الليبراليون حقّقوا الاختراق بالفوز بمركز الرئاسة، ولو أنّ منسوب الخيبة بين تلك التيّارات لا تستقيم فيه المقارنة بين اندثار لليساريين، وشبه غياب للليبراليين، مع تسجيل تحسّن في حضور العروبيين، وتراجع للإسلاميين مع الحفاظ على حضورهم الوازن.

وتشير نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية إلى اختراقات مهمّة حقّقها نبيل القروي في مناطق الشمال والوسط الغربيَّين، وفي بعض الأحياء الهامشية في المدن الكبرى، حيث ترتفع نسب الفقر والبطالة والانقطاع المبكّر عن الدراسة (الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، 16/9/2019). في المقابل، نجد أنّ تقدّم قيس سعيِّد بصفته خِيارًا أول لدى التونسيين، عزّزه فوزه بثقة أعلى نسبة من الشباب، ثم تقدُّمه بفوارق دالّة في جلّ مناطق الجمهورية، خاصّةً في الجنوب شرقه وغربه ولدى الفئات ذات المستوى التعليمي الأرفع (الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، 16/9/2019). يمثّل قيس سعيِّد -عند جزء هامّ من الرأي العامّ- صورة أخرى للفعل السياسي، فهو لا يغالي في الاعتناء بالبهرج الخارجي، بل يثير لدى المخيال الجماعي دولة القانون المجرّدة حتى من النوازع النفسية الكلاسيكية عند البشر. كما أنه اختار ألّا يتكلم إلّا بالعربية الفصحى، في تناغم مع نوع من “الطهورية الثورية” التي ينشدها الشباب المتعلّم خاصّةً، وفي نأي بنفسه عن المنظومة الحزبية بأسرها، إذ كان التصويت لفائدته عنوان تمرّد على المنظومة (زياد كريشان، 18/1/2019) بكلّ مكوّناتها.

ولا نجد من بين المرشحين للدور الثاني ممثِّلين صريحين للأحزاب التقليدية، ولا العائلات السياسية المعروفة، بل إنّ أحد الفائزين خاض كلّ أطوار الدورتين الانتخابيتين من سجنه، ولم يبرحه إلّا قبل يومين من الانتخابات، إذ كثر الترويج لاحتمال عدم قبول النتائج لعدم تكافؤ الفرص بين المرشّحين في الحملة الانتخابية (تقرير مركز كارتر، 8/10/2019). في حين أنّ المرشّح الثاني تضامن مع منافسه وامتنع عن إجراء حملته الانتخابية في ظلّ وجوده في السجن، ولم يستند سعيِّد إلى حجّة أنصاره في أنّ منافسه استفاد من عدم تكافؤ الفرص حين استمرّ لسنوات في استخدام قناته الخاصّة لتلميع صورته. كما رفض سعيِّد استخدام المال العمومي في حملته، واكتفى باعتماد المئات من المتطوّعين من الشباب لإدارة حملته على الشبكات الاجتماعية، إضافةً إلى إجراء زيارات ميدانية للجهات، في حين أنّ دائرة المحاسبات أشارت إلى تجاوزات عدّة في التزام المترشحين ضوابطَ التصرّف المالي المشروع (التقرير العامّ لمراقبة تمويل الحملة الانتخابية الرئاسية، 2014، ص.ص 29-31).

لقد أحسن قيس سعيِّد استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في حملته الانتخابية بهدف التواصل مع ناخبيه، وسرعة النفاذ إلى الإنترنت من خلال استخدام تقنيات متقدّمة (شريف درويش اللبّان، 18/5/2019)، للترويج في أثناء الحملات الانتخابية، دون الاستغناء عن الوسائل التقليدية الأخرى (وحدة دراسات الرأي العامّ والإعلام، 10/9/2014)، عبر اللقاءات المباشرة مع المواطنين، وتنظيم حلقات نقاش حول برنامجه. وهي المقاربة التي لم يركّز عليها منافسه نبيل القروي للأسباب السابقة من ناحية، ولتفضيله التركيز على خبراته في التسويق السياسي وإمكانياته التي اختبر نجاعتها في مدّة تفرّغه لخدمة الحملة الانتخابية للرئيس السابق محمد الباجي السبسي سنة 2014 من ناحية أخرى.

لكن من مخاطر اعتماد الشبكات الاجتماعية أنها يمكن أن تمرّر الـ”Fake News” أو الأخبار الزائفة، وتروّجها عمدًا لغرض خداع الجمهور والنيل من سمعة المنافسين، فمن السهل نشر تلك الأخبار دون التثبّت أو التدقيق فيها خاصّةً إذا كان مصدرها المدوَّنات أو الشبكات الاجتماعية (إيمان السكوحي، 12/2/2019). لقد أشار محمد أمين (اسم مستعار) وهو من أصحاب صفحات الفيسبوك (مدير لهذه الصفحات) إلى أكثر من 60 صفحة فيسبوك أنشأها منذ أواخر 2008 ويستخدمها لأغراض ربحية، وأكّد أنه في انتخابات 2014 تلقّى عديد العروض من أحزاب ومرشّحين للانتخابات الرئاسية، وسوّق لثلاثة مترشّحين متنافسين. وفسّر أنّ كثيرًا من (مديري صفحات الفيسبوك) يعمدون إلى تشويه الخصوم من خلال نشر الإشاعة وتركيب الفيديوهات، بمقابل مادّي يتراوح ما بين 3 و10 آلاف دينار (إيمان السكوحي، 12/2/2019)، وهي سلوكات طفحت بكثرة إبّان الانتخابات في تونس.

وعلى الرغم من تأثير الحملات الانتخابية، واستخدامها الذكي للشبكات الاجتماعية، فإنّ أسبقية الانتخابات الرئاسية على التشريعية -بسبب الوفاة المفاجئة للرئيس السبسي- أحدثت بعض الاضطراب في أجندات الأحزاب السياسية من حيث مركز الاهتمام وترتيب الأولويات. فقد أظهر تزامن الانتخابات الرئاسية مع نظيرتها التشريعية اهتمامًا مرموقًا بالأولى على حساب الأخرى، على رغم أنّ النظام السياسي للجمهورية الثانية وَفق مقتضيات دستور 2014 يضفي مكانة أبرز للتشريعية، كونَها ستفرز رئيس الحكومة ذا الصلاحيات الأكبر. فما الذي يسوِّغ ذلك البروز؟ وما علاقة ذلك بتمثّلات التونسيين ونظرتهم إلى مركز رئيس الجمهورية؟

3-    استحقاقات الانتخابات ما بين أدوار الرئيس ومكانته:

لقد أظهر التونسيون أنهم مهووسون بالنظام الرئاسي الذي ساد طَوال عقود، فهم لا يزالون يستبطنون صورة الرئيس الذي بيده كلُّ السلطات. بل إنّ الرئيس في تونس كان وضعه فوق السلطات الثلاث لعقود طويلة، ولم يُتح بعدُ للطبقة السياسية أن ينسجم وعيها مع مقتضيات دستور 2014. فالرئيس السابق الباجي قايد السبسي كان أقرب طَوال السنوات الثلاث الأولى من حكمه إلى روح دستور 1959، ولم يلتزم مقتضيات الدستور الجديد إلّا مضطرًّا، بعد اختلافه مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد حين شقّ الخلاف نهجهما وحزبهما. وطَوال السجال الذي أثاره تعديل النظام السياسي في تونس، كانت جلّ وسائل الإعلام منحازة إلى النظام القديم شخوصًا وتشريعاتٍ، لأنها لم تنحز إلى الثورة وما تمخّض عنها إلّا اضطرارًا ومناورة.

وعلى الرغم من كلّ ما قيل عن صلاحيات رئيس الجمهورية وسلطاته التي أقرّها دستور 2014، فإنّ تجرِبة الرئيس السابق الباجي قايد السبسي أظهرت أنّ استعمال تلك الصلاحيات على المستوى التشريعي لم يتجاوز مبادرتين، تتعلّق أولاهما بالعفو عن عدد كبير من أصحاب ملفّات الفساد المالي، وتهتمّ الأخرى بمشروع قانون المساواة في الميراث. وهاتان المبادرتان لا تعكسان الأولويات التشريعية التي كان للرئيس مجال إثارتها، كمسألة التشغيل، والعدالة الجبائية، ومقاومة التهريب، والعدالة في توزيع مشاريع التنمية والخدمات في البلاد.

إنه لمن أكبر التحدّيات التي تواجه الرئيس الجديد قيس سعيِّد الوفاء بما أطلق من مبادرات تشريعية في أثناء حملته الانتخابية، بما لا يتضارب مع نصّ دستور 2014 وروحه، التي أقرّ المختصّون تقليصها لسلطات رئيس الدولة مقارنةً بما كان عليه الأمر في دستور 1957، حين اقتصرت على قضايا الدفاع والأمن والسياسة الخارجية (محمود جمال عبد العال، 15/10/2019)، مقابل مضاعفة صلاحيات رئيس الحكومة في مجالات التعليم والصحّة والاقتصاد، وغيرها من الخطط الحكومية. فهل ينجح الرئيس الجديد في خلق دائرة تكامل بين رأسَي السلطة التنفيذية، بما يسمح له بتحقيق تلك الوعود وما يترتّب عليها من تحسين في واقع التونسيين؟ أم إننا سنشهد جولة جديدة من الصراع بين مؤسّستَي الرئاسة والحكومة في عهدة الرئيسين الباجي قايد السبسي ويوسف الشاهد؟ وكيف سيؤثّر الفوز القوي للرئيس قيس سعيِّد في طريقة تعامله مع الطرف الآخر للسلطة التنفيذية؟

4-    فوز قيس سعيِّد وأفق التغيير السياسي في تونس:

لم تكن النتيجة التي أسفر عنها الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية عاديةً بكلّ المقاييس. فأغلب التوقّعات واستطلاعات الرأي كانت تعطي نسبًا متقاربة للمرشحَين قيس سعيِّد ونبيل القروي، غير أنّ فوز الأول بنسبة 72.71% من أصوات الناخبين، فوزٌ تعزّز بمؤشّر ارتفاع نسب المشاركة مقارنةً بنتائج الانتخابات البرلمانية (41%) ونتائج الدور الأول من الرئاسية (45%)، لترتفع إلى 55% إبّان الدور الثاني من الرئاسية (الهيئة المستقلّة للانتخابات، 15/10/2019). تُظهر هذه الإحصائيات التي نشرتها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات أنّ ارتفاع النسبة العامّة للمشاركة رافقه ارتفاع في نسبة مشاركة الفئات الشابّة. وكانت المدن الكبرى -حيث تتركّز أغلب الجامعات- قد شهدت حملات تطوعية لتسهيل تنقّل الطلبة إلى مناطقهم الأصلية للإدلاء بأصواتهم، على نحوٍ يساعد على الرفع من نسب مشاركة الشباب الذين أبدَوا نفورًا نسبيًّا من التصويت في مناسبات انتخابية سابقة(المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 17/10/2019).

إنّ انحياز خطاب الرئيس قيس سعيِّد إلى الفئات الشابّة والمناطق المهمّشة ليس هو الرافد الوحيد الذي جذب نسبًا مرتفعة من أصوات الناخبين، فقد رفض سعيِّد كلَّ أشكال التمويل الخاصّ والعمومي لحملاته، واجتنب كلَّ مظاهر البذخ التي يتباهى بها منافسوه. كما أنّ خطابه قد تميّز بالحسم في مسائل مثيرة للجدل حاول مرشّحون آخرون اتّخاذ مواقف فضفاضة منها، كرفضه الصريح للتطبيع مع الكِيان الصهيوني وعَدِّه ذلك خيانةً عظمى، ورفض مشروع قانون المساواة في الميراث الذي جلب له أصوات شريحة معتبرة من الناخبين المحافظين (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 17/10/2019).

يتّجه قيس سعيِّد إلى تأسيس خطابه السياسي على قيم افتقدها التونسيون في جلّ من ساسوهم العقود الأخيرة، فهو يجتنّب الاستعلاء على شعبه ويحاول الاقتراب من تطلّعاته ومشاغله الحقيقية. ثم إنه يُرجِع الفضل في المبادرة إلى إرادة الشعب لا إلى «عبقرية الزعيم» أو حكمة «صاحب التغيير». كما أنه يرى أنّ وجهة التغيير لا تكون من قمّة الهرم، بل يميل إلى الانطلاق من القاعدة، بَدءًا من المحلّيات ومرورًا بالجهات كي ينتهي في المركز، فيكون الهرم مقلوبًا ويستمدّ صلاحياته من المواطنين، بدل أن يُبقيهم رعايا يفتقرون إلى القدرة على المبادرة والانطلاق من احتياجاتهم وتطلّعاتهم وقيمهم.

يبدأ الرئيس عهدته بمنسوب مرتفع من ثقة شعبه وتأييده، ومن استعداد القُوى الوطنية لمؤازرته، وهو ما يساعد على إحكام التعامل مع المخاطر المحيطة داخليًّا وخارجيًّا. إلّا إنّ الصراعات التي تديرها القُوى الإقليمية والدولية المحيطة لا تخفي نوازع التدخّل لكبح أيّ تغيير يهدّد مصالحها، وإن كان معبّرًا عن إرادة الشعب التونسي. ولا تتحوّل المكائد والدسائس إلى خطر محدق إلّا حين تتحالف تلك القُوى الإقليمية مع جهات داخلية غير متحمّسة لاتّجاه التغيير ونهجه.

وفي ظلّ اختيار التونسيين للديمقراطية، فمن الطبيعي أن ينقسموا إلى معارضين وموالين لاختيارات الرئيس وأيّ حكومة ستحكم في عهدته، لكن عليهم أن يحذروا ممّا وقع سنة 2013 حين تحوّل الاختلاف إلى حالة فوضى تسرّبت في مُناخها الاغتيالات، واستُعملت ذريعةً للاستقواء بدول أجنبية. إنَّ مكانة الرئيس اليوم تسمح له بالوساطة والتوفيق بين التونسيين أحزابًا ومنظَّماتٍ اجتماعية وكلَّ روافد المجتمع المدني. وهو مرشّح للنجاح في تلك الأدوار كلّما كان رئيسًا لكلِّ التونسيين، أمَّا إذا انخرط في بعض اختلافاتهم وتجاذباتهم -كما فعل الرئيس السابق الباجي قايد السبسي- فسيفقد مقوِّمات دور الوسيط ونجاعته. وتلك معادلة صعبة تتوقَّف على حكمة اختيارات الرئيس، ليس فقط فيما يتعلَّق بالمواقف والقرارات، بل أيضًا في ما يتَّصل باختيار الفريق الذي سيدير شأن مؤسّسة الرئاسة، ويفوِّض للرئيس ضمنيًّا تأدية جانب من مهامِّه وأدواره.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. إيمان السكوحي، الأخبار الزائفة تؤثّر بشكل فاعل في توجّهات الرأي العامّ، 12 فبراير 2019، الرابط: https://ultratunisia.ultrasawt.com/الأخبار-الكاذبة-fake-news-خطر-يهدّد-انتخابات-2019/إيمان-السكوحي/میدیا/تقاریر
  2. تقرير الهيئة المستقلّة للانتخابات حول الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014.
  3. التقرير العامّ حول نتائج مراقبة تمويل الحملة الانتخابات الرئاسية لسنة 2014.
  4. تقرير الهيئة المستقلّة للانتخابات حول الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019.
  5. تقرير مركز كارتر، “على البرلمانيين الجدد اتّخاذ خطوات سريعة لتعزيز المؤسّسات الديمقراطية في تونس”، 8 أكتوبر 2019، الرابط: https://www.babnet.net/rttdetail-190616.asp
  6. زياد كريشان، الباروميتر السياسي لشهر يناير 2019 نوايا التصويت في الانتخابات القادمة، 18 يناير 2019، الرابط: https://ar.lemaghreb.tn/
  7. شريف درويش اللبان، الانتخابات في عصر الإنترنت: الدعاية السياسية في الانتخابات الرئاسية، 18 مايو 2014، الرابط: http://www.acrseg.org/6853
  8. محمود جمال عبد العال، “تحديات ما بعد فوز قيس سعيد برئاسة تونس”، 15 أكتوبر 2019، الرابط: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/5032
  9. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، “الانتخابات الرئاسية في تونس قراءة في نتائج الدور الأول”، الاثنين 23 سبتمبر 2019، تونس، الرابط: https://carep.tn/الانتخابات-الرئاسية-في-تونس-قراءة-في-ن/
  10. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، “المشهد السياسي في ضوء نتائج الانتخابات الرئاسية”، 17 أكتوبر 2019، الرابط: https://www.arab48.com/مقالات-وآراء/قضايا/2019/10/17/تونس-المشهد-السياسي-في-ضوء-نتائج-الانتخابات-الرئاسية-والتشريعية
  11. الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، فيسبوك، 16 سبتمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/2kCMBCB
  12. وحدة دراسات الرأي العام والإعلام، “الدعاية الإلكترونية: دور شبكات التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية”، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، 10 سبتمبر 2014، الرابط: http://www.mediaobserver.org/article.php?id=15811&cid=3&catidval=0

د. منجي مبروكي

أستاذ الإعلام والاتصال - جامعة قرطاج

تعليق واحد

  1. السلام عليكم.
    مفيدة وشاملة، بارك الله فيك.
    مدونة مليئة بالمعرفة. جزاك الله خير. انا احبك جدا، جدا، جدا.

    شكرا لكم.
    مصعب النجار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى