هل تشتبك إيران مع أمريكا؟

اقرأ في هذا المقال
  • تبدو إمكانات عودة الطرفين للاشتباك، كامتداد للمواجهة الحالية، أو بشكل آخر في إطار استمرار الأزمة ككل.

مقدمة:

في الساعات الأولى من يوم الأربعاء أعلن الحرس الثوري الايراني عن استهدافه لقواعد عسكرية أمريكية في العراق رداً على اغتيال الولايات المتحدة للفريق قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس، وقد استهدف الهجوم قاعدة عين الأسد العسكرية وقاعدة أمريكية أخرى تقع قرب مطار اربيل، بصواريخ بالستية متوسطة المدى من نوعي (قيام وذو الفقار).

وقد نقلت “وکالة تسنیم” للأنباء في إيران (مقربة من الحرس الثوري)، عن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري قوله أن “أي عمل أمريكي شرير جديد سيواجه رداً أقوى وأسحق وأوسع نطاقاً، من الأن فصاعداً”.

وشدد اللواء باقري على أن الوقت قد حان كي “يتخذ الأمريكيون نهجاً مبدئياً لفهم القدرات الإيرانية في جغرافية واسعة من العالم واخراج قواتهم بسرعة من المنطقة”.

كما أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب ومن خلال تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي أعتبر أن كل شيء على ما يرام، مؤكداً من جهته عدم وجود ضحايا أمريكيين في الهجوم.

ورغم هذه التأكيدات التي توحي بانتهاء هذه الجولة من المواجهة العسكرية بين الطرفين عند هذا الحد، فإن العديد من الأطراف اتخذت تدابير احترازية ذات صفة مؤقتة تعطي انطباع عن وجود مخاوف بتطورات محتملة للحدث.

فقد أخلَت القوات الأمريكية قاعدة لها في منطقة الحسكة، فيما أعلنت مجموعة من شركات الطيران الدولية تعليق الرحلات الجوية فوق الأجواء العراقية، كما جاءت تصريحات المرشد الأعلى للثورة الاسلامية في ايران علي خمنائي أمام حشد جماهيري في مدينة قم، لتظهر نوع من عدم الرضا عن حجم الرد الذي قامت به القوات الإيرانية معتبراً أن ما تم هو صفعة للقوات الأمريكية مضيفاً أن “عمليات عسكرية بهذا المستوى لا تنهي وجود الأمريكيين الذين وأينما حلوا جلبوا معهم حروباً وفتناً ودمار”.

وتظهر التصريحات السابقة تبايناً واضحاً بين أجنحة ومؤسسات الحكم في إيران التي صرّح وزير خارجيتها بعدم وجود رغبة لديها بمزيد من التصعيد؛ معتبراً أن ما تم هو رد شرعي على الهجوم الامريكي يأتي في إطار  “المادة “59 من ميثاق الأمم المتحدة.

هذا وقد توعد الأمين العام لعصائب أهل الحق العراقية قيس الخزعلي، القوات الأمريكية بالرد على مقتل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس. قائلاً “لن يقل رد العراقيين عن الرد الإيراني وهذا وعد”، فيما حملت تصريحات الحرس الثوري إشارات متعددة لدور محتمل لحزب الله اللبناني في هذه المواجهة اذا ما حدث رد أمريكي على الهجوم.

على ذلك تبدو إمكانات عودة الطرفين للاشتباك، كامتداد للمواجهة الحالية، أو بشكل آخر في إطار استمرار الأزمة ككل.

تعالج الورقة إمكانيات التصعيد ومجالاته المحتملة، في ضوء سلوك الطرفين في الأزمة حتى الآن، وأنماط التهديدات المتبادلة التي عبر عنها كلا الطرفين، خصوصا بالنظر الى وجود عوامل نشطة واخرى كامنة قد تؤدي الى ذلك التصعيد.

ما الذي يدعم احتمالات المواجهة العسكرية بين الطرفين؟

  • استمرار الصراع حول العراق، كعنوان أساسي لهذا الاشتباك، في ضوء غياب أي مؤشرات قطعية بنيّة الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، ناهيك عن التفريط في نفوذها داخله، بل واستمرارها في الاتجاه النشط للضغط على وجود إيران وحلفائها داخله.
  • مجموعة الأزمات الأساسية بين البلدين؛ والتي في مقدمتها الأزمة حول الاتفاق النووي الايراني، وملف القدرات الصاروخية الإيرانية التي تسعى الولايات المتحدة لكبحها وتفكيكها، ثم ملف الحضور الإيراني في العديد من دول المنطقة وشكله وأهدافه، بجانب الموقف مما تعتبره الولايات المتحدة التهديد الإيراني للاحتلال الإسرائيلي.
  • ارتباط الصراع الحالي بالتباينات الداخلية حول الوجهة الاستراتيجية لكلا البلدين، بل وفي الحالة الإيرانية بشكل وهوية البلاد ونوع نظام الحكم فيها، الذي راهن على هذه المشاريع كجزء من رؤيته وهويته وأسباب بقائه، حيث راهنت الإيديولوجيا الثورية والسياسات المرتبطة بها على مجابهة النفوذ الأمريكي في المنطقة كضرورة لوجود واستقلالية النظام القائم بعد ثورة ١٩٧٩، فيما ترى اتجاهات أخرى بالتفاهم مع الولايات المتحدة كخيار بديل.
  • دور المنظمات المرتبطة بإيران والمتحالفة معها، والتي تملك درجة من التأثير على الرأي العام الإيراني، وكذلك تحضر في الجدل حول الاتجاهات الاستراتيجية والسياسية الايرانية في المنطقة، وقد أظهرت هذه الجهات وخصوصا حزب الله اللبناني ميل للتأثير على الخيارات المتخذة بشأن هذه المواجهة، وهو ما عبّر عنه الأمين العام لحزب الله بوضوح في خطابه الذي أعقب اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.
  • عدم انتفاء الأسباب والدوافع الأمريكية نحو شن المزيد من الهجمات ضد إيران وحلفائها، خصوصاً تلك المتعلقة بنقل السلاح لسوريا ولبنان، وهو الاتجاه الذي ينشط الاحتلال الإسرائيلي أيضاً ضده من خلال عمليات المباشرة أو من خلال مطالبة الولايات المتحدة بالتصرف تجاهه.
صواريخ ذو الفقار الإيرانية التي تعتبر من الصواريخ النقطية- وكالة تسنيم الإيرانية

الأهداف العملياتية المحتملة لإيران وحلفائها:

  • وضع صعوبات وتفعيل تهديدات تثبت استحالة بقاء قوات أمريكية آمنة في العراق وسوريا خصوصاً؛ وفي المنطقة عموماً دون موافقة إيرانية.
  • تثبيت سير عملياتي يضمن تحول القتال إلى مئات وربما آلاف نقاط الاشتباك الصغيرة بما يفقد الولايات المتحدة ميزاتها في القدرة النارية، ويتيح أفضل توظيف للميزات القتالية لإيران وحلفائها القائمة في معظمها على نمط لا مركزي.
  • الحفاظ على الحصانة النسبية للجبهة اللبنانية وللداخل الإيراني وعلى القواعد الإيرانية في سوريا، ونقل التهديد والفعل العملياتي لدول الخليج العربي والاحتلال الإسرائيلي وممرات الملاحة الدولية.
  • إثبات القدرات المستحدثة لإيران في مجال الاستهداف الصاروخي النقطي -مثل صواريخ ذو الفقار- واستخدام الطائرات المسيرة، والقيادة والسيطرة على رقعة عملياتية واسعة.
  • اختبار وإثبات قدرات القيادة والسيطرة والتنسيق العملياتي على هذا الامتداد الجغرافي الكبير، وبين هذا الخليط المتنوع من القوات والحلفاء.
  • مواجهة السيطرة الأمريكية الجوية شبه المطلقة على سماء المنطقة، وتكبيد هذه القوات خسائر ملحوظة باستخدام وسائط الدفاع الجوي.

الأهداف العملياتية الأمريكية المحتملة:

  • اختبار نجاعة الاستراتيجية الأمريكية الحالية القائمة على خفض انخراط قواتها البرية في أي اشتباك في المنطقة، والاستعاضة عن ذلك بخليط من استخدام القوات الحليفة على الأرض والقوات الخاصة، والعمليات الجوية والجهد الاستخباري.
  • توجيه ضربات أساسية لحلفاء إيران في العراق وإضعاف قدراتهم العسكرية على نحو يحرمهم من السيطرة سياسياً أو عسكرياً على هذا البلد.
  • قطع طريق الاتصال بين إيران وساحل البحر المتوسط وحدود فلسطين المحتلة، من خلال السيطرة على نقاط مفصلية في هذا الخط، بواسطة القوات الأمريكية أو من خلال منظومات حليفة لها.
  • توجيه ضربات أساسية للبرنامج النووي الإيراني، والبرنامج [الصاروخي الإيراني ومنشآته الكبرى، وامتداداته في سوريا ولبنان، بما يحرم إيران من القدرة على تطوير مدى صواريخها وقدراتها على حمل رؤوس غير تقليدية ودرجة دقتها وتوجيهها.
  • حماية الاحتلال الإسرائيلي، بما يشمل توفير دعم لأي جهد عملياتي للاحتلال الإسرائيلي قد ينشأ في مواجهة حزب الله اللبناني أو حلفاء إيران في سوريا، واستهداف أي نقاط ووسائط تهديد صاروخي إيراني للاحتلال الإسرائيلي.
  • حماية القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وتوفير درجة من الحماية النسبية للدول التي تستضيف هذه القواعد في وجه الهجمات الإيرانية.
  • حماية طرق الملاحة الدولية وطرق وخطوط امداد الطاقة في وجه التهديدات التي قد تخلقها القوى البحرية الايرانية.

رقعة الاشتباك المحتملة:

من المعقول أن نتوقع سعي الأطراف المتحاربة لتأمين المناطق التي تحتوي منشآتها الحيوية، و مواقعها ذات الأهمية الفعلية أو الرمزية، وهو ما يعني نوع من التقسيم المتخيل لرقعة العمليات؛ وبهذا المنطلق يمكن تقسيم مساحة العمليات الى الحيز التالي:

  • الساحة العراقية بوصفها موضع التنازع الرئيسي وساحة أساسية للاشتباك بين الطرفين، وكذلك طرق الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
  • سيعمل الجهد الأمريكي على تأمين وحماية القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، والقِطَع البحرية الأمريكية، بجانب السعي لتأمين نسبي لدول الخليج العربي، والاحتلال الإسرائيلي، كما سيعمل على نقل جزء من العمليات للأراضي الإيرانية ذاتها في حالة ارتفاع حدة المواجهة، وبالحد الأدنى استهداف حلفائها في سوريا والعراق ولبنان.
  • سيعمل الجهد الإيراني على استهداف، القواعد الأمريكية في المنطقة، وكذلك الاحتلال الإسرائيلي ودول الخليج العربي، وطرق الملاحة الدولية وصولاً لمضيق باب المندب -إن أمكنه- بما يشمل استهداف خطوط الاتصالات المارة تحت مياه البحر، وخطوط إمداد الطاقة والمنشآت النفطية.
  • هناك اتجاه لدى روسيا لحماية سوريا من تأثيرات المواجهة الحالية عبرت عنه زيارة الرئيس الروسي فلادمير بوتين الأخيرة لسوريا في ظل التصعيد الحالي، قد تتلاقى معه رغبة إيرانية بالحفاظ على وجود النظام السوري والقواعد الإيرانية في سوريا، وهو ما قد يعني إمكانية لإبقاء سوريا إلى حد ما خارج الثقل الأساسي للعمليات المستقبلية.

سيناريوهات المواجهة

  • سيناريو المواجهة الشاملة:

هذا السيناريو يعني إمكانية امتداد الرقعة العملياتية إلى سعتها القصوى بما يشمل كامل المنطقة، وبما يشمل دخول الأراضي الإيرانية كجزء من حيز المواجهة، واستخدام إيران لطاقتها القتالية القصوى خصوصاً ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، والاحتلال والدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، وطرق الإمداد البحري، وهو ما قد يقَابَل أمريكياً بإرسال قوات أمريكية كبيرة للمنطقة وانخراطها في الاشتباك المباشر مع ايران، ويبدو هذا السيناريو مستبعداً في ظل سعي كلا الطرفين لتحصيل مكتسبات دون الذهاب لمواجهة صفرية، والكلفة العالية لإنفاذ فكرة الإطاحة بالنظام في إيران التي قد تكون المحفز الأساسي لذهاب الولايات المتحدة نحو اقصى درجات التصعيد.

  • سيناريو اشتباك واسع بنقاط متعددة:

ينطبق هذا السيناريو على فرضية استمرار الأزمات الجذرية بين الطرفين دون معالجة، ما يفضي لحدوث مواجهات مستقبلية، حيث يمكن التنبؤ أن أدوات المواجهة المتاحة لكل من طرفي الصراع الرئيسيين، تقود لنوع من الصيرورة القتالية غير الجبهوية، فتعدد نقاط الانتشار واتساع رقعته، وكذلك طبيعة الدور الذي تلعبه القدرات الصاروخية والجوية، والتشكيلات الحليفة، وهو ما يعطي إمكانية لأنواع من الضربات المحدودة المتبادلة التي قد تشغل معظم الرقعة العملياتية.

الشكل الأساسي المتوقع لهذا السيناريو:

  • هو اتخاذ القتال أهداف محاولات قطع الاتصال بين قواعد وقوات كلا الطرفين الموزعة في سوريا والعراق، واستهداف لمراكز قيادة وسيطرة وكذلك للقوات المتحركة والقوافل، وهو ما يرشح دخول العدو الاسرائيلي في مواجهة من هذا النوع، وكذلك أدوار نشطة لحزب الله اللبناني ولحلفاء إيران في العراق.
  • استهداف القطع البحرية الامريكية، وطرق الإمداد البحري، والقواعد الأمريكية في المنطقة، من خلال القدرات البحرية والصاروخية الايرانية.
  • استهداف البلدان الحليفة للولايات المتحدة والتي تستضيف القواعد الأمريكية-الأمريكية في المنطقة وهو ما يعني إلقاء أخطار كبرى على دول الخليج العربي.

سيناريو اشتباك محدود:

هذا السيناريو يتخذ شكل الضربات المحدودة المتباعدة زمنيا، بما يسمح للطرفين بدرجة من اختبار القوة، والتفاوض تحت النار، وقد يشكل الامتداد الطبيعي للمواجهة الحالية، إذا لم يتم التوصل لتفاهمات تخفض من حدة الازمة، وقد تكون مرحلته المقبلة على شاكلة صراع غير مباشر تسهم فيه القوى الحليفة لإيران في توجيه الضربات للقوات الامريكية، وتحضر فيه منطقة الخليج العربي كنطاق استهداف محتمل من قبل الايرانيين، فيما تتجه في الولايات المتحدة لاستكمال استهدافها لحلفاء ايران ومناطق نفوذها بضربات متفرقة ومتباعدة زمنياً.

منتدى السياسات العربية

وحدة الأبحاث والسياسات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى